الإثنين , 16 سبتمبر 2019
الرئيسية » مقالات » موسم سقوط الأكاذيب الكبيرة

موسم سقوط الأكاذيب الكبيرة

عبدالله الكبير/ كاتب ليبي

 الصيف هو موسم تساقط الثمار الفاسدة، و الأكاذيب أيضا.

إذ شهد الصيف المنصرم سقوط جملة من الأكاذيب الكبيرة التي طالما راجت خلال السنوات الماضية عبر المنصات الإعلامية المؤيدة لخليفة حفتر ومشروعه، الأكذوبة الأولي هي أسطورة الرجل القوي في شرق ليبيا، وقد ساهمت صحف وفضائيات كبرى في ترويج الأكذوبة عن قصد أو بتأثير الضخ الإعلامي المتواصل من الذباب الالكتروني و المنصات الإعلامية المصرية والإماراتية والسعودية لتكريس الأكذوبة التي كادت تتحول الى حقيقة مسلم بها، غير أن انكسار حملة حفتر على أسوار طرابلس بعد زعمه التمكن منها واقتحامها خلال أيام معدودات، و تزعزع سيطرته المزعومة في الجنوب الليبي و عودة المواجهات القبلية بين مكوناته، أسقطا الأكذوبة، وفي حوار أجرته إذاعة فرانس إنتر مع المبعوث الأممي لليبيا خلال أبريل الماضي بعد نحو ثلاث أسابيع من إعلان حفتر هجومه على طرابلس، قال غسان سلامة بمنتهى الوضوح ناسفا الأكذوبة من جذورها: ” إغواء فكرة الرجل القوي واسعة الانتشار. المشكلة هي أن الرجل القوي ليس قويا مثلما يبدو، وهذه هي المعضلة لمن يدعمونه”. و يقصد سلامة في العبارة الأخيرة أن الأكذوبة انطلت حتى على الدول الداعمة لحفتر رغم أنها هي من صنعتها عبر مؤسساتها الإعلامية و أجهزتها المخابراتية. جدير بالذكر ان تصريحات سلامة في هذا الحوار كانت صريحة وواضحة، وتناقلتها وسائل إعلام عديدة، وقد أثارت غضب حفتر إلى حد تلميحه بوقف التعامل مع غسان سلامة.

سمى حفتر قواته الجيش الوطني الليبي، وقدم إعلاميا صورة لقوات موحدة القيافة و أرتال منتظمة في الاستعراضات تلائم تكوين الجيوش التقليدية، تكرست الصورة في الأذهان، وراجت التسمية في كل البيانات الرسمية و التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية المهتمة بالشأن الليبي، وكان هذا أمر مفهوم لاعتبارات قانونية تلزم هذه المنظمات بذكر الهيئات والكيانات وفقا لما تسمي به نفسها. اقترن إذا اسم الجيش الوطني بحفتر الذي منح لنفسه رتبة المشير من دون أن يتساءل أحد. أليس مخالفا لكل اللوائح والأعراف العسكرية أن يعود ضابط الجيش للعمل العسكري بعد وقوعه أسيرا لدى أعدائه؟

أصوات قليلة لم تستلم للأكذوبة صادحة بأن جيش حفتر هو تجمع لعدة مليشيات ومجموعات مسلحة وليس جيشا حقيقيا كما ينبغي أن تكون المؤسسات العسكرية، فنسبة العسكريين فيه لا تتعدى %20، فأغلب الأفراد فيه مدنيون تلقى بعضهم تدريبات سريعة، وبعضهم الآخر تمرس في القتال خلال شهور الثورة، وكانت هذه شهادة ضباط انشقوا عن حفتر تباعا بعد إطلاقه لعملية الكرامة، وقد أوضح فريدريك ويري الباحث المرموق في مؤسسة كارنيغي تركيبة جيش حفتر في مقال مطول نشر في فبراير 2017 تحت عنوان ( ليبيا بعد داعش ) ” الجيش الوطني الذي يقوده ليس وطنيا ولا جيشا حتى في الشرق، يتألف السواد الأعظم من عناصر هذا الجيش من مقاتلين مدنيين، مليشيات من خلفيات متنوعة تتلطى بصورة مطردة خلف هيئات وحدات جيش نظامية، في الغرب والجنوب وحدات الجيش الليبي هي ذات تركيبة قبلية واضحة “

لكن هذه الأصوات رغم المصداقية العالية التي تتمتع بها إلا أن الأكذوبة لم تسقط إلا في الأيام التالية لهجوم حفتر على طرابلس، فالحدث دفع بالشأن الليبي لصدارة الأخبار في مختلف وسائل الإعلام و كان لافتا أن تصف جل التقارير قوات حفتر بالمليشيات و زعيمها بأمير الحرب، حتى وزير الخارجية الأمريكي بومبيو قال بعد أيام من الهجوم على طرابلس” لقد قلنا بكل وضوح إننا نعارض الهجوم العسكري الذي تشنه قوات خليفة حفتر ونحن على الوقف الفوري لهذه العمليات العسكرية ضد العاصمة الليبية “. لم يطلق صفة الجيش الوطني الليبي على هذه القوات لكي يكون الوصف والتصريح مطابقا للحقيقة التي يعرفها الوزير جيدا.

تبلغ مساحة ليبيا نحو مليون و759الف كيلومتر مربع. يُزعم حفتر أنه يسيطر على ما لايقل عن %80 منها، رغم أن تعداد قواته في أفضل التقديرات لا تتعدى 24 الف ما بين ضباط وجنود ومتطوعون مدنيون، عمليا تحتاج المساحة التي يُزعم حفتر السيطرة عليها أضعاف ما لديه من قوات مع كافة التجهيزات الحديثة و خطوط إمداد لوجستي سلسة خالية من العوائق، أما ديموغرافيا هذه المساحات الشاسعة شبه خالية من السكان والعمران، فغالبية السكان يقيمون في غرب البلاد حيث لا يملك حفتر إلا سيطرة محدودة قفز إليها عبر إبرام تحالفات هشة قبل هجومه الأخير مع بعض القبائل وبقايا مجموعات مسلحة تنتمي للنظام السابق. أكذوبة أخرى راجت كثيرا عبر وسائل الإعلام وتم تضخيمها ليظهر حفتر في حجم أكبر بكثير من حجمه الحقيقي، فليبيا خلال هذه السنوات مستباحة من المهاجرين القاصدين أوروبا و عصابات التهريب والمجموعات الإرهابية خاصة في الجنوب، فأين هو الجيش الذي يُزعم أنه يفرض وجوده ويسيطر على أغلب البلاد ؟

في مستنقع الأكاذيب لا تسبح سوى الأسماك الميتة، يقول مثل روسي، فأكاذيب حفتر التي طبخت بعناية في معامل متخصصة في التضليل وصناعة الأكاذيب لم تصمد طويلا، صحيح، كثيرون انخدعوا بها وانساقوا خلف التضليل خلال السنوات الماضية، ولكنها انهارت في نهاية المطاف أمام طوفان الحقيقة، و كشفت معركة طرابلس مدى الضعف الذي يعانيه حفتر و قلة كفاءته العسكرية، و مع اقتراب لحظة سقوطه سيبدأ الهروب الكبير من مستنقع أكاذيبه، لن يبق سوى الأموات الذين ربطوا مصيرهم بمصيره، هؤلاء سيكونون الأكثر بؤسا وتحطما من بين كل ضحاياه.

شاهد أيضاً

حرية إرادة الاختيار

إسماعيل القريتلي / كاتب وصحفي ليبي عند تأمل أسلوب القرآن الكريم بشأن عرض دعوة التوحيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.