الجمعة , 15 نوفمبر 2019
الرئيسية » مقالات » محطات مشرقة من تاريخ ليبيا

محطات مشرقة من تاريخ ليبيا

فرج كُندي / كاتب ليبي

4 –  الاعتماد على النفس وإيجاد الحلول

ثمة مسألة حيوية هيمنت على عمل الحكومة الاتحادية وظلت تشغلها باستمرار. وهي انعدام الموارد والافتقار إلى المؤسسات السيادية والضعف في الإدارة و الشح في توفر العناصر المحلية القادرة على تسيير دفة الدولة الناشئة وانعدام وجود مؤسسة عسكرية قوية مع الخشية من المطامع الإيطالية في العودة إلى احتلال الاراضي الليبية , بالرغم من اعلان الاستقلال والاعتراف الدولي,

لذلك قررت الحكومة التفاوض مع الحكومة البريطانية لأقامه حلف عسكري والحصول على دعم مالي يساعد في دعم خزانة  الدولة  الخاوية للشروع في بناء الدولة الناشئة .

قبل بدء المفاوضات مع بريطانيا اجتمع مجلس الوزراء , وقرر الاتصال بحكومتي مصر والعراق للحصول منهما على قروض تعين ليبيا قبل الدخول في مفاوضات مع بريطانيا لتوقيع معاهدة عسكرية , أو على أقل تقدير, دخول المفاوضات من موقع أفضل . وتقرر ايفاد وزير الدفاع ” علي الجربي ” إلى كل من مصر والعراق لمقابلة المسؤولين في البلدين وبحث امكانية الحصول على مساعدات مالية باعتبارهما الدولتين العربيتين القادرتين في ذلك الوقت على تقديم المساعدة لليبيا .

ولم ترد الحكومة احراج المملكة العربية السعودية لأنها كانت في تلك الفترة في وضع لا يمكنها تقديم مساعدات لأن انتاج البترول كان في بدايته وحدود جدا.

وبالفعل سافر السيد علي الجربي إلى مصر في أواخر عام 1952 ميلادي وكانت الثورة المصرية قد  تولدت مقاليد الأمور. وفي القاهرة اجتمع السيد الجربي مع السيد محمود فوزي وزير الخارجية آنذاك وشرح له الأوضاع الليبية, مبيناً أن الوضع الاقتصادي سيئ للغاية وأن ليبيا ليس لها جيش وأن القوات الأجنبية التي احتلتها أثناء الحرب العالمية الثانية لا تزال باقية على أرضيها , وقد قررت الحكومة التفاوض مع هذه الدول , ولكن قبل الدخول في المفاوضات ,  ترغب في الحصول على قروض أو مساعدات تعزز بها مركزها التفاوضي مع بريطانيا وأمريكا وفرنسا .

واقترح علي الجربي أن تقدم مصر مساعدات مالية إلى ليبيا , وإذا لم يكن ذلك متاحا تقرض ليبيا مبلغ 2 مليون جنيه استرليني لتغطية عجز الميزانية –  في تلك الفترة كانت بريطانيا العظمى مدينة لمصر بأكثر من 40 مليون جنيه استرليني – .

كان جواب السيد فوزي أنه وزير خارجية في حكومة عسكرية , ومن الافضل طرح الموضوع على مجلس قيادة الثورة ( ثورة 23 يوليو 1952م ) واقترح أن يجتمع السيد على الجربي مع الرئيس اللواء محمد نجيب اول رئيس لمصر بعد ثورة يوليو 1952م الذي كان يتولى رئاسة مجلس قيادة الثورة آنذاك . وبالفعل حدد له موعداً مع الرئيس نجيب ,

وخلال لقاء السيد الجربي مع الرئيس نجيب شرح له الأوضاع في ليبيا وتحدث معه  بصراحة حول جميع التفاصيل , وكان رد السيد نجيب ((  ان مصر في حالة ثورة , وقيادة الثورة لم تنظم بعد الأوضاع في البلاد , وبالتالي لا يمكنها تقديم مساعدات إلى ليبيا , ولا تستطيع منحها اية قروض )) ونصحه بالاعتماد على النفس واتخاذ ما تراه الحكومة  الليبية مناسبا لتحقيق مصالح ليبيا.

بعد هذه المقابلة نصح الدكتور محمود فوزي السيد علي الجربي بالاجتماع مع السيد جمال عبد الناصر معرض الموضوع عليه , وكان آنذاك نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة والرجل القوي النافذ في مصر واضح فوزي للجربي أن مقاليد السلطة الفعلية في يد عبدالناصر .

أبلغ السيد علي الجربي في احاطته لمجلس الوزراء بعد عودته إلى ليبيا بفحوى لقائه بعبدالناصر بأنه شرح له الأوضاع في ليبيا بالتفصيل وكرر له ما عرضه على نجيب من طلب المساعدة أو تقديم قروض مالية تعزز الموقف الليبي في المفاوضات مع الدول ذات التواجد العسكري على الارض الليبية المجاورة لحدود مصر . وصارحه أن ليبيا مضطرة للدخول في مفاوضات مع بريطانيا لتوقيع معاهدة عسكرية ولكنها تفضل الحصول على قروض أو مساعدات من مصر حتى لا تضطر لتوقيع هذه المعاهدة من موقع ضعف , أو على اقل تقدير التفاوض من موقع افضل وأشار السيد على الجربي أنه طوال الوقت الذي امضاه مع عبدالناصر ظل فيه صامتاً ولم يعقب . مما دفع السيد علي الجربي ان يقترح على السيد جمال عبد الناصر مباشرة أن تقدم مصر قرضا لليبيا بمبلغ 2 مليون جنيه سترليني أو على الأقل مليون جنيه لمدة محددة بستة أشهر فقط لتغطية عجز ميزانية الدولة – العربية الوليدة – في وقت كانت مصر أدانت بريطانيا مبالغ وصلت لأكثر من 40 مليون جنيه سترليني على فترات متعاقبة .

فكان رد عبد الناصر بتساؤل للجربي : هل استشرتم الشعب ؟؟ فأجاب الجربي : حول ماذا نستشير الشعب , نحن دولة ناشئة ونبحث عن مساعدات مالية وقروض . فأعاد عبد الناصر القول ( يجب استشارة الشعب أولا ) فهم الجربي الرسالة من عبد الناصر حلوا مشاكلكم بأنفسكم وتفضل غير مطرود .

بعد ما سمع الجربي من قيادة مصر انتقل السيد على الجربي إلى دولة العراق الشقيقة يحدوه الامل ان يحصل منها  على ما لم يحصل عليه من الشقيقة الجارة الكبرى مصر .

اجتمع السيد علي الجربي مع ولي عهد العراق آنذاك الأمير عبدالاله ومع اعضاء مجلس وزراء الحكومة العراقية وتحدث معهم بكل  صراحة ووضوح وشفافية لعله يجد عندهم مالم لم يجده من مصر .

كان الرد العراقي اكثر وضوحا وصراحة بأن العراق بداء فعلا في انتاج النفط ولديهم دخل منه ولكن الحكومة اتخذت قرار برصد جميع المداخيل لتمويل خطتهم الخمسية للتنمية التي اعتمدتها الحكومة لتطوير البنية التحتية للعراق التي كانت وقتها في وضعية سيئة جدا وأولوية الحكومة بناء وتطوير العراق أولاً.

وابلغ العراقيون السيد علي الجربي أنه لا توجد دولة عربية تستطيع مساعدة ليبيا بما فيها العراق , لذلك على الليبيين أن يتدبروا أمورهم بأنفسهم

  • من مذكرات الاستاذ محمد عثمان الصيد* رئيس وزراء ليبيا في العهد الملكي​* بتصرف *

شاهد أيضاً

مؤثرون أم مجرد دمى ؟

عماد المدولي/ صحفي وكاتب ليبي كان لي صديق أيام الطفولة يكذب في حديثه دائما بشكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.