الثلاثاء , 15 أكتوبر 2019
الرئيسية » مقالات » حرية إرادة الاختيار

حرية إرادة الاختيار

إسماعيل القريتلي / كاتب وصحفي ليبي

عند تأمل أسلوب القرآن الكريم بشأن عرض دعوة التوحيد ألحظ أنه يشترط أن يكون الإيمان الأول أو الإيمان المؤسِس صادرا عن إرادة حرة وليس عن توجيه أو من خلال استخدام أساليب تؤثر على حرية إرادة الاختيار.

بحسب فهمي للقرآن فإن الوصول إلى إيمان مؤسِس يستلزم نقاشا ومحاججة وجدالا تعتمد براهين يدركها العقل لأنها قابلة للتأمل والنقاش والتفكر والتشكيك وتحث على إثارة التساؤلات وتشجع على طرح الأسئلة، ثم اختيار الإيمان أو الكفر، فلا إغراء أو إكراه أو ضغط حتى بإظهار الحزن لعدم اختيار الدعوة والميل للإيمان.

ما سبق أجابني على تساؤل دار في عقلي لزمن طويل مفاده لماذا القرآن عندما يعرض قصص الرسل والأنبياء يؤكد أنهم عاشوا طويلا بين أقوامهم لكن لم يؤمن معهم إلا قليل، لأن أصل الإيمان بحسب فهمي لابد أن يكون نتيجة لتفكير وإرادة اختيار حر لم تتعرض لتوجيهات تؤثر على حريتها.

ربما هذا يفسر أيضا تلك الدافعية التي يصنعها الإيمان الحر الذي كان الأساس في حركة المؤمنين الأوائل في كل الحضارات فانطلقوا يجوبون الأرض ويؤسسون حضارة ومدنية جديدة وينتجون المعرفة.

ولعل هذا يمنح معنى لقول النبي الكريم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف؛ فقوة ياسر وسمية وبلال في كونهم ثبتوا على اختيارهم الحر للإيمان رغم أنهم كانوا موالي وعبيد في التصنيف الاجتماعي لقريش.

في المقابل، عادى سادة قريش الدعوة بسبب ضغوط الدين القرشي والتموضعات السياسية والاجتماعية بين بطون قريش والعلاقات مع المجتمعات الأخرى أي فقدوا حرية إرادة الاختيار.

يبرز الخطر عندما نبدأ في فرض وصاية على حرية إرادة الاختيار ونفصل بين حرية الإرادة وحرية الاختيار واستبدال المحاججة والجدال العقلي غير المحدد مساره مسبقا بالتوجيه والتلقين واستبدال التعقل بالوعظ والضغط على العاطفة والمشاعر والإفراط في التهديد.

الأخطر في رأيي مساعي تنميط العقل بأحكام وقواعد منتقاة تحدد مسار التفكير ونتائجه بحجة توحيد أنماط التفكير، أو بمبرر تعليم التفكير، بينما الأمر في حقيقته يكمن في فرض عملية تفكير محددة؛ صممت لتستخدم بهدف الوصول إلى نتائج محددة مسبقا، ثم الترويج على أن ذلك يعزز حرية الإرادة، كما حدث في الحركات والتيارات الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية عبر التاريخ وبين كل الثقافات. فلا يمكن أن أبرر توجيهي للآخرين على أن اختياري الشخصي تأسس على حرية إرادة وتفكير لأن الحرية حق أصيل لكل فرد فالاختيار لا ينوب فيه شخص عن آخر.

أفترض أن القرآن الكريم يحرص على عدم فرض مؤثرات مباشرة أو مبطنة على العقل بقصد تقييد حرية إرادة الاختيار فلا إكراه في الدين ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولكم دينكم ولي دين ولذا تثور إشكالات عديدة أمام المروجين لما عرف تاريخيا بحد الردة، وربما هذا يفسر حديث القرآن عن ممارسة ابن نوح وزوجة لوط ووالد إبراهيم عليهم السلام حقهم في الاختيار، فبيوت النبوات لا يفرض فيها الإيمان.

وإقرار حق الإنسان في صون حرية إرادته وحرية اختياره يؤسس لحساسية خاصة تجاه أي عملية توجيه فردي أو جماعي، ما يثير تساؤلات بشأن نظريات وأنماط التربية والتعليم والإعلام والإعلان والتوجيه والعلاقات العامة والتدريب والدراما والأدب والفنون وكل ما يعرف بنظريات ووسائط الاتصال الجماهيري والتنشئة الاجتماعية والسياسية.

وقد يكون مجديا إعادة فتح نقاش حر دون أي تهديد يتعلق بمفهوم وحدود سلطة الشريعة والقانون ومن يشرع ويقنن وما السلطة التي يستند إليها المشرعون ليستأثر بالتشريع والتقنين.

هل مثلا: مجرد اختيار الفرد للنواب والحكام بسبب مؤثرات ووسائل وأساليب عديدة وجهت إرادة الجماهير وأثرت على اختياراتهم لحد ربما قيدت إراداتهم وحددت اختياراتهم بسبب مؤثرات الاتصال الجماهيري من دعاية وإعلان ومحتوى صحفي توجيهي وخطاب نخب متنوعة هدفه التأثير على الإرادة والاختيار، معتمدا أساليب غير مؤسسة على التفكير الحر الخالي من الأحكام المسبقة والنتائج المحددة سلفا ثم توجيه الرأي العام لاختيار تلك النتائج بطريقة تبدو ظاهرا أنها اختيار حر.

ما يتم مناقشته منذ بفترة بشأن توجيه الناخبين الذي نفذته شركة (Cambridge Analytica) في الولايات المتحدة وبريطانيا في الانتخابات التي فاز بها الرئيس دونالد ترمب، والاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي (Brexit) يعكس أن حرية الاختيار ليست إجراءا شكليا. بل يثير تساؤلات إن كانت الإرادة نفسها التي قادت للاختيار حرة لم تتعرض لحملات توجيه شوشت قدرتها على التمييز وبالتالي تفقد قدرا كبيرا من حريتها في الاختيار.

والأهم أن صوت الفرد وأصوات الجماهير هي إجراء لا يؤثر في الواقع على المخرجات المروج لها في الديمقراطيات، بل سيعود التأثير بعد انتهاء المهرجان الانتخابي إلى مجموعات المصالح ومجموعات الضغط التي دعمت الحملات الانتخابية الباهضة للمشرعين والتنفيذيين وتدفع ثمن استمرار تأثيرهم على الناخب منعدم الإرادة لحد كبير بالمقابل يعمل المشرعون والتنفيذيون لحماية وتحقيق مصالح مجموعات المصالح والضغط. وتشير الدراسات أن من يحصل على دعم مالي أكبر من المرشحين الأمريكيين هو من يفوز في الانتخابات لأنه سيملك وسائل التأثير على إرادة الناخب وإعادة توجيه حرية اختياره.

شاهد أيضاً

مؤثرون أم مجرد دمى ؟

عماد المدولي/ صحفي وكاتب ليبي كان لي صديق أيام الطفولة يكذب في حديثه دائما بشكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.