الأربعاء , 21 أغسطس 2019
الرئيسية » مقالات » يحدث في ليبيا الآن

يحدث في ليبيا الآن

معن البياري

كأنها لم تقع، جريمة قوات خليفة حفتر، اعتداءَها الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) على مركز للمهاجرين غير الشرعيين في تاجوراء، وقتل أزيد من خمسين من نزلائه، فالذي يجري بعدها هو ما كان قبلها. تُواصل القوات نفسُها معارك “الفتح المبين” التي افتتحتها في إبريل/ نيسان الماضي، بغرض الوصول إلى قلب العاصمة طرابلس، وتضرب أمس الثلاثاء مستشفىً جنوب المدينة، فيُقتل ويصاب فيه نزلاء توسّلوا الشفاء، ومسعفون وممرّضون.

اكتُفي بحفنة تنديداتٍ بجريمة تاجوراء، من الأمم المتحدة وسواها، ثم مضى حفتر فيما هو ماضٍ فيه، وإنْ بدا أن خسرانه غرفة عملياتٍ مركزيةٍ له في غريان (80 كلم جنوب طرابلس)، بعد هجومٍ ناجحٍ لقوات حكومة الوفاق، أربكه كثيرا، لكنه لم ييأس، ولم يترك للإحباط مساحةً يتسلّل منها إلى مليشياته وعناصره الملتمّة فيما يسميه “الجيش الوطني الليبي”، فقد جاءت الأخبار، في اليومين الماضيين، على عمل هذه المليشيات والعناصر على استرداد غريان، بهجومٍ من عدة محاور، ولكن عسكريين عارفين بجغرافيا المنطقة، وتفاصيل الميدان كله، لا يتوقعون أن تصيب قفزةُ حفتر هذه نجاحا، ليس فقط بسبب الإنهاك الذي صار عليها ناسُه المسلحون، وإنما أيضا لرفض ناس المنطقة مشروعَه.

البادي من هذه الوقائع المتتالية أن القوى العربية والغربية ما تزال على جهدها، لجهة الإبقاء على تحصين خليفة حفتر، وعلى مزيدٍ من إسناد قواته بما أمكن إيصالُه إليها من عتادٍ وسلاحٍ وذخائر، من دون اكتراثٍ بمن زادوا وعادوا كثيرا في أمر انكشاف أسلحةٍ أمدّتها باريس لهذه القوات، كما تأكّد مجدّدا في غريان أخيرا، ومن دون التفاتٍ إلى الحديث الذي أكّد المعلوم عن أسلحةٍ عثر عليها زوّدت أبوظبي بها قوات اللواء المتمرّد، خليفة حفتر. والظاهر، كما تنطق به حوادث ما بعد مقتلة تاجوراء، أن إسناد المذكور عسكريا باقٍ، بل جاءت تقارير أخيرا على استعداد أبوظبي لإمداده برجال محاربين، وخمّنت تقارير أخرى أن قرار الحاكمين في عاصمة الإمارات جلاء قواتهم من اليمن سيعقبه قرارٌ برهانٍ مضاعفٍ على حفتر في ليبيا.

ولكن، ومع الدفن الجاري، وغير المعلن، لمهمة الأمم المتحدة ومبعوثها إلى ليبيا، غسّان سلامة، عن انتخاباتٍ وتأسيس جيشٍ موحد للبلاد وحوار وطني، وغير ذلك مما صدّق سلامة أن في وسعه أن يفعل، تأتي أخبارٌ عن محاولةٍ مصرية، موازيةٍ للمجهود الحربي الذي يجري تعزيز حفتر به، لطبخ مجلسٍ رئاسي وحكومة وحدة وطنية، يصيران بديليْن عن المجلس القائم في طرابلس والحكومة التي يترأسها فائز السراج، على ما أوحى به اجتماعٌ أخيرا في القاهرة ضم نوابا ليبيين، يناصرون مشروع حفتر العسكري، وإنْ باعوا الصحافة كذبا صريحا عن “دولةٍ مدنية” قالوا إنهم ينشدونها.

والمرجّح أن هذه المحاولة مجرّد استكشاف أجواء، وركلةٍ جانبيةٍ من مخابرات عبد الفتاح السيسي، يمكن أن تنفع لاحقا، لو تدحرجت التفاصيل العسكرية والسياسية العائمة إلى خيار الاستغناء عن حفتر، واستبدالِه بشخصية مدنية، يمكن تسويقها في واشنطن وباريس وروما.. والجزائر. وثمّة من يقول إن أبوظبي ربما يجوس في خواطر حاكميها خيارٌ مثل هذا، يمكن طرحُه، إذا طرأت متغيراتٌ غير محسوبة، من قبيل انعدام أي فرصةٍ ميدانيةٍ أمام حفتر ليدخل طرابلس في فتح مبينٍ أو غير مبين.

ما سبق كله يعني، من بين كثيرٍ يعنيه، أن المشهد الليبي، في لحظته الراهنة، مفتوحٌ على حزمةٍ من الاحتمالات غير المحسومة تماما، وذلك بعد أزيد من مائة يوم على قفزة خليفة حفتر ومغامرته غير المحسوبة، والتي لم تنجح في غير قتل مزيد من المدنيين الليبيين في أتون حروب المليشيات المحلية، وفي دفن لقاء غدامس الذي كان مقرّرا أن تعقده الأمم المتحدة، وأُعدّت له 22 ألف ورقة، وساعدَ في التحضير له ستة آلاف ليبي، على ما قال القائد السابق للقوات البحرية الليبية، الأدميرال بشير الصفصاف. ولأنه ليس من الحصافة أن يكون المعلق في الصحافة السيارة قارئ فنجان، فإن من الحصافة الواجبة أن يؤكّد المعلق، وهو صاحب هذه الكلمات هنا، على وجوب هزيمة خليفة حفتر ومشروعه في ليبيا، لأنها محكٌّ بالغُ الحساسية في نزاعٍ ساخن، وتاريخي لا ريب، يحدُث الآن مع الثورة المضادة.. الخاسرة في غير ليبيا أيضا.

العربي الجديد

شاهد أيضاً

العدوان الثلاثي على ليبيا

أسامة جاويش في صبيحة التاسع والعشرين من عام ١٩٥٦ شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدوانا ثلاثيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.