الثلاثاء , 15 أكتوبر 2019
الرئيسية » مقالات » ليبيا.. أبعاد معركة غريان

ليبيا.. أبعاد معركة غريان

أنور الجمعاوي /  كاتب تونسي

 

تمكّنت قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، مطلع شهر إبريل/ نيسان المنقضي، من الاستيلاء على مدينة غريان الاستراتيجية (75 كلم جنوب العاصمة) في وقت وجيز، عقب ترتيبات سرّية عقدها أتباع حفتر مع بعض شيوخ القبائل وجماعات سلفية مدخلية في المدينة. ومثّل ذلك الاختراق الذي قامت به كتائب عمليّة الكرامة إحراجاً لحكومة الوفاق الوطني التي باغتها هجوم “الفتح المبين”، بسبب حالة الارتخاء الأمني، وانشغالها بالتحضير للمؤتمر الوطني الجامع تحت إشراف الأمم المتحدة. وبعد أكثر من شهرين ونصف الشهر من الصراع على تخوم طرابلس، تعثرت قوّات حفتر في إحراز تقدّم معتبر على محاور القتال. وفي المقابل، تمكنت القوات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق الوطني من استعادة السيطرة على مدينة غريان في عملية سريعة خاطفة، وهو ما يُعدّ تحوّلاً نوعيّاً في مسار المواجهة بين الطرفين، له أبعاد عسكرية واجتماعية وسياسية لافتة.

عسكرياً، تكتسب مدينة غريان أهميتها للطرفين من أنها تقع على مرتفع، في سفوح الجبل الغربي، وهي العاصمة الإدارية لتلك الجهة، وتصل بين المنطقة الغربية والجنوب الليبي، وتُشرف على معظم الطرق المؤدّية إلى طرابلس. وتحدّها شمالاً مدينة العزيزية، وشرقاً مدينتا ترهونة ومسلاتة، وجنوباً مدينتا بني وليد ومزدة، ومن الغرب مدينة يفرن. ومن ثمّ، هي مدينة محورية، كاشفة، مهمّة، مطلّة على ما حولها. ولذلك اختارها حفتر لتكون نقطة ارتكاز لقوّاته المتجهة نحو طرابلس، وجعلها مقرّ غرفة العمليّات الرئيسية الموجِّهة لانتشار كتائبه في الغرب الليبي.

ومن خلالها، تمّ تأمين إمداد قوّات “الفتح المبين” بالسلاح، والغذاء، والمال، والرجال. ويبدو أنّ احتدام المعارك على مطار طرابلس الدولي، وعدم القدرة على تأمينه بصفة نهائية، قد استنزف قوّات حفتر وأنهكها، ودفعها إلى استقدام أكبر عدد ممكن من المقاتلين من غريان إلى المطار. وهو ما أضعف جبهة “عمليّة الكرامة” في غريان، ويسّر على القوات الموالية لحكومة فايز السرّاج استعادة السيطرة عليها في هجمةٍ سريعة، خاطفة، لم تؤدّ إلى سقوط ولو مدنيّ واحد. بل أدّت إلى الاستيلاء على عتاد الجماعات الموالية لحفتر، وأسر آخرين منهم، فيما لاذ غيرهم بالفرار من محاور القتال. وأهمية استعادة غريان بالنسبة إلى حكومة الوفاق الوطني، في أنها استعادة زمام المبادرة العسكرية، وانتقال من الدفاع عن العاصمة إلى الهجوم على كتائب حفتر في مواقع تمركزها. كما أنّها تُمكّن من تحصين جانب من البوّابة الجنوبية للعاصمة، وتُمكّن من قطع طرق الإمداد الرافدة قوّات حفتر حول طرابلس.

من الناحية الاجتماعية، بدا واضحاً أنّ قوّات حفتر، على الرغم من نجاحها، ولو نسبيّاً، في استقراب جماعات سلفية مدخلية، وعدد من فلول النظام القديم، وبعض شيوخ القبائل، لتسهيل الدخول إلى غريان، وتركيز غرفة عمليات عسكرية فيها، فإنّها لم تنجح في اكتساب حاضنة شعبية واسعة داخل المدينة، ولم تتمكّن من توفير الخدمات للناس وتأمين حاجاتهم الضرورية. وهو ما جعلها معزولةً إلى حدّ ما، وعزّز من ذلك أنّ جلّ العناصر المكوّنة للكتائب المسلّحة التي دخلت غريان هم من غير الليبيين، وينحدرون من قبائل الجنجويد ودول أفريقية مجاورة (السودان، تشاد..)، الأمر الذي جعلهم لا يجدون القبول المأمول والتعاون المطلوب من الأهالي.

وسهّل ذلك على قوّة حماية غريان المحلّية، وقوّات “بركان الغضب” تحرير المدينة من قبضة كتائب حفتر. واللافت أنّ حكومة الوفاق الوطني لم تنخرط بعد سيطرتها، من جديد، على المدينة في عمليات انتقامية ضدّ المشتبه في ولائهم لـ “عملية الكرامة”، بل تركت أمرهم للمتابعة القضائية، فبعثت بذلك برسائل طمأنة للأهالي، وحافظت على انسجام النسيج المجتمعي للمدينة. ومن المهمّ هنا أن تعمل الحكومة الشرعية على ضمان استتباب الأمن، وتنظيف الشوارع، وتوفير لوازم النّاس من الوقود، والسيولة المالية، والخدمات الصحية على نحوٍ يعزّز ثقتهم في الحكومة المعترف بها دوليّاً، ويدفعهم إلى الاصطفاف إلى جانب مشروع الدولة المدنية، لا العسكرية.

سياسياً، تحمل عمليّة استعادة حكومة الوفاق الوطني غريان عدّة رسائل، منها أنّ المنظومة الحاكمة في طرابلس تُخبر الرّأي العام في الداخل والخارج أنّها قادرةٌ على ردّ الهجوم العسكري المباغت لخليفة حفتر، وقادرة على تأمين العاصمة وعموم المنطقة الغربية، وأنّها ماضية في المحافظة على سيادة ليبيا ووحدتها الترابية. كما أنّ هذا التطوّر الميداني النوعي في مجال العمليات العسكرية يلقي تأثيراته على طاولة المفاوضات السياسية بين الفرقاء الليبيين، ويعزّز عمليّاً من حظوظ حكومة الوفاق الوطني في فرض شروطها، وإقرار الخيار المدني/ الديمقراطي بديلاً عن الخيار الشمولي/ العسكري. وفي المقابل، يمثل تحرير غريان خسارة ميدانية كبرى لكتائب “معسكر الكرامة”، ويؤثّر على مدى جاهزيتها نفسيّاً ولوجيستيّاً للاستمرار في القتال على بقيّة المحاور، ويُؤذن بإمكان حصول انسحاباتٍ أخرى لقوّات حفتر في ترهونة، والأصابعة، وقصر بن غشير، وتراجعها نحو شرق ليبيا. ويساهم ذلك في تأمين المداخل المؤدّية إلى العاصمة طرابلس، ويزيد عمليّاً من عزلة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، في الداخل والخارج، ويعزّز من احتمال تحييده من العملية السياسية بشأن مستقبل ليبيا أو من احتمال إقدامه على تنازلاتٍ معتبَرة لصالح خصومه.

يمكن القول، ختاماً، إنّ تحرير غريان منعرجٌ فاصل في مسار الصراع على العاصمة الليبية، انتقلت معه حكومة الوفاق من طور الدفاع إلى طور الهجوم، وأربكت معه خطوط إمداد حفتر، وخطط استيلائه على المدينة، وهو بالإضافة إلى ذلك، هزيمة ظاهرة لقوى الثورة المضادّة ودعاة الحلّ العسكري في ليبيا. وستكون له تداعياتٌ سياسيةٌ واجتماعيةٌ جمّة. ومن المهمّ استثمار تراجعات العسكر لتجميع الناس حول مشروع الدولة المدنية، والانتقال بهم من حقبة الصراع المسلّح على السلطة إلى عصر التأسيس الديمقراطي للدولة، والتنافس النزيه على الحكم في ليبيا جديدة، ممكنة.

العربي الجديد

شاهد أيضاً

مؤثرون أم مجرد دمى ؟

عماد المدولي/ صحفي وكاتب ليبي كان لي صديق أيام الطفولة يكذب في حديثه دائما بشكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.