الثلاثاء , 15 أكتوبر 2019
الرئيسية » مقالات » مطارحات عمر السياسية

مطارحات عمر السياسية

صلاح الشلوي / كاتب ليبي

لقد كانت تجربة الفاروق السياسية تجربة فريدة من نوعها، سواء من حيث التوقيت ومن حيث الملابسات، وفوق ذلك كله من حيث الفكر السياسي الذى أفرزته تلك التجربة سواء في ينابيعه الجديدة المتمثلة في النسخة الأخيرة والصحيحة الوحيدة من كلمة السماء إلى الأرض، أو من حيث تصدر عمر للتأصيل والتنظير فهو من الأباء المؤسسين فعلا، حتى قيل عنه ” يا له من عبقري مسدد”.

كانت لعمر مطارحات سياسية فذة، لسبب ما تركت وأسدل عليها ستار الإهمال والإبطال، بل والطمس حتى في كبريات المدونات التي تعرضت لتاريخ عمر رضى الله عنه. والسبب المباشر وراء ذلك هو تحالف سدنة المساجد مع حجاب القصور ودهاقنة الساسة. بل أدانت لاحقا مدونات الفقه أصوله وفروعه ونوازله وفروقه ونظائره ومقاصده أدانت تلك المطارحات حتى وإن لم تتجرأ بنسبتها إلى العبقري المسدد رضى الله عنه.

المطارحة الأولى: التحذير من اغتصاب الحكم

قال رجل لو مات عمر لبايعت فلانا. فقال عمر إني لقائم العشية في الناس أحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم.

فماذا حدث؟ هل سمع الناس لقول عمر؟ كلا لقد نضحت مدونات السياسة الشرعية القديمة بالقول بمشروعية حكم المتغلب الذى حذر منه عمر عليه رحمة الله، بل بلغ الانحطاط بالبعض أن يرى أن الحاكم المتغلب ولي أمر ولكن الحاكم الذى يختاره الناس بالانتخابات غير شرعي، وهذا هو تحريف الكلم عن مواضعه..

المطارحة الثانية: التنكيل بالحكام

تقول الرواية عن موسى بن عقبة: أتى رهط إلى عمر فقالوا له : لقد كثر العيال واشتدت المؤنة فزدنا في عطائنا. فقال : فعلمتموها!، جمعتم الضرائر، واتخذتم الخدم أما والله لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب شرقا وغربا فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا منهم فإن استقام اتبعوه، وإن جنف قتلوه.

فقال طلحة : لو قلت: وإن تعوج عزلوه؟ قال عمر: لا بل القتل أنكل لمن بعده.

فماذا حصل منذ بداية الدولة الأموية وحتى اللحظة الراهنة؟ لما أسدل ستار الطمس على مطارحات عمر تولى الحكام الحكم غصبا، وتفشى ظلم الناس وقهرهم، وورثت الدولة كما يورث البعير، وأبطل مبدأ الديمقراطية على أساس أن الله من فوق سبع سموات لا يرضاها ويرضى الاستبداد وأن يحكم الناس بالحديد والنار والقهر، إنها ( صرايك ) الأحبار والرهبان في جميع الديانات السماوية فافسدوا تعاليمها وشوشوا على هداياتها، تارة بالطمس لبعض قيمها، وأخرى بالزيادة عليها وثالثة بتحريف القول عن مواضعه وصرفه إلى غير وجهه.

واليوم نخوض تجربة جديدة لعلنا نستفيد من مطارحات الفاروق السياسية وأن يكون ما حصل في فبراير السابع عشر وقتل الطاغية وسحله مدعاة وأنكل لمن بعده. من أراد أن يحكم فاليحكم عن طريق الاختيار وصندوق الانتخاب، إن أحسن أعين على إحسانه وأمهل أربع سنوات ينظر بعدها هل يجدد له فترة أخيرة أم لا، وإن جنف وأفسد فيعارض ويضغط عليه سياسيا كي يستقيم فإن رفض أقيل من منصبه وأعفى، فإن تجبر قتل ولا كرامة كما قال عمر الخطاب كي لا يغري بقاءه وتركه في الحكم من بعده أن يفعل نفس الشيء.

لو كان لنا أن نتخذ نصب للحرية فستكون مطارحات الفاروق هي المدونات على ذاك النصب، فلتكن لنا حرية مثل تلك التي في أمريكا، ومن يرى أن هذا لا يناسبنا فليذهب وليعيش في السعودية تحت حكم العوائل بما يناسبه، أما نحن فلم يعد لنا من بد إلا مواصلة السير على الطريق واستيفاء حقنا وما ضحينا من أجله أن نكون أحرارا، ولأن نخطأ ونحن أحرارا خير من صوابنا ونحن عبيد!، لا لحكم العائلة والقبيلة والفرد والاقطاعيات والإبراشيات لم يكن يحق لأحد أن يتولى الحكم اغتصابا، ولم يكن الخروج عليهم وإسقاطهم حراما عند الله، والطغاة هم المسؤولون عن الفوضى التى تحدث بعد سقوط عروشهم وتفكك منظوماتهم العفنة.

شاهد أيضاً

مؤثرون أم مجرد دمى ؟

عماد المدولي/ صحفي وكاتب ليبي كان لي صديق أيام الطفولة يكذب في حديثه دائما بشكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.