الثلاثاء , 15 أكتوبر 2019
الرئيسية » مقالات » لن يُطفئ الحريق الليبي سوى تسوية لا غالب ولا مغلوب بين الإخوة الأعداء

لن يُطفئ الحريق الليبي سوى تسوية لا غالب ولا مغلوب بين الإخوة الأعداء

رشيد خشانة / كاتب تونسي

وصلت الأزمة الليبية إلى مستوى من التشابك والتعقيد، بات يتعذر معهما وضع حد فاصل بين العناصر الخارجية والداخلية، الدافعة نحو المزيد من إراقة الدماء وتعميم الدمار. وبعدما كانت معاناة الليبيين تقتصر على الوقوف في الطوابير لسحب المال من حساب مصرفي، أو نقص البنزين في محطات الوقود ومصاعب معيشية أخرى، صارت حياة المواطن مُهددة بسبب اقتراب المعارك من الأحياء السكنية، ما اضطر عشرات الآلاف إلى النزوح إلى مناطق أكثر أمنا أو إلى الخارج، وخاصة إلى تونس. وكان التاريخ الفاصل بين المرحلتين هو الهجوم الذي أطلقه القائد العسكري للمنطقة الشرقية اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في الرابع من نيسان/ابريل الماضي، في محاولة للاستيلاء على العاصمة، وإخراج حكومة الوفاق منها. والظاهر أن الأزمة ستستمرُ طالما أن قوى خارجية لها مطامع في البلد، تُزود الطرفين بأحدث الأسلحة الفتاكة.

حرب مواقع

وعلى خلاف الحرب التي دارت بين “عملية الكرامة” بقيادة حفتر وجماعة “فجر ليبيا” في العام 2014، اتسمت الحرب الثالثة (الحالية) بتعادل القوى تقريبا، ما جعل القتال بين الفريقين يتحول إلى عمليات كر وفر وحرب مواقع، واستطرادا إلى حرب استنزاف تُنهك الطرفين على السواء. من هنا أطلق السراج مبادرة سياسية جديدة رمت لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل نهاية العام الجاري، بما يوصد الأبواب أمام التدخلات الأجنبية السافرة في الوضع الليبي. ولا تختلف المبادرة عن المواقف المتداولة، خصوصا من جانب الأمم المتحدة، من حيث الدعوة إلى ملتقى وطني يضع مرجعيات لمسار انتخابي يُتوج بانتخابات رئاسية وبرلمانية. غير أن السراج يعود بالمشهد الليبي، وفق هذا السيناريو، إلى ما قبل اتفاق الصخيرات (2015)، فقد استبعد من الحل اللواء حفتر واضعا قواعد جديدة للعبة. وكانت الأمم المتحدة تصف الملتقى الذي كانت تعمل على إقامته في غدامس، قبل زحف قوات حفتر على طرابلس، بـ”الملتقى الوطني الشامل” أي الذي لا يستثني أحدا من القوى السياسية والاجتماعية الموجودة على الأرض.

بالمقابل اشترط رئيس حكومة الوفاق في مبادرته، أن يكون المشاركون في الملتقى من “المؤمنين بالوصول إلى حل سلمي وديمقراطي وضد عسكرة الدولة” كما اشترط أن يكونوا ممن “ينادون بحق المواطنة وبناء دولة مدنية” وهو استبعاد واضح لحفتر وأنصاره من العسكريين، بالرغم من كونهم يسيطرون على المنطقة الشرقية وقسم مهم من الجنوب. وفي ظل تباعد الرؤى لآليات الحل السياسي سيكون من الصعب الوصول إلى اتفاق على مرجعية دستورية موحدة، تمهيدا لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة. كما سيكون من الصعب أيضا الاتفاق على تسمية لجنة قانونية مختصة يُعينها الملتقى، كي تتولى صياغة القوانين الخاصة بالاستحقاقات التي يتم الاتفاق عليها.

غطاء دولي

أما في خصوص دور الأمم المتحدة، فإن السراج ربط بين الخطوات التي اقترحها والحصول على تزكية من الأمم المتحدة، كي تكون في مثابة غطاء دولي للمبادرة. أكثر من ذلك، اقترح أن تتولى الأمم المتحدة الإعداد والتنظيم اللوجستي للانتخابات، إضافة إلى الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، لكن من الواضح أن الهيكل الوحيد القادر على لعب دور تنسيقي بين الفرقاء هو الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا.

عمليا، اقترح السراج أيضا تشكيل لجان مشتركة بإشراف الأمم المتحدة، من المؤسسات التنفيذية والأمنية الحالية في كافة المناطق، لضمان توفير الإمكانات والموارد اللازمة للعملية الانتخابية، بما في ذلك الترتيبات الأمنية الضرورية لإنجاحها. غير أن هذه الرؤية غير واقعية لأن المُضي فيها يقتضي إيجاد تفاهمات مسبقة على خارطة طريق، لكي يسير الجميع على نفس الخطى، نحو الاستحقاقات الانتخابية.

وما من شك بأن العقبة الأولى التي تعرقل هذا المسار تتمثل بغياب قرار دولي يقضي بإنهاء الأزمة في ليبيا، فالدول الكبرى المؤثرة في المشهد الليبي، مازالت على خلاف عميق بعضها مع بعض، ما يعني أن الحل مازال بعيدا. لا بل هي لا تتوانى عن مد الأطراف المتقاتلة بالسلاح والخبراء على أمل أن ينتصر حلفاؤها وتضمن أن تكون ليبيا من حصتها. ويشكل هذا الموقف اللامسؤول تهديدا بتوسعة رقعة الحرب الأهلية، إذ برزت مؤشرات تدل على محاولة السيطرة على الحقول النفطية عسكريا، خصوصا من جانب قوات حفتر، ما يجعل تلك المواقع قابلة للاشتعال في أية لحظة. وقد تأكد أن هذه الفرضية ممكنة بعدما دمر قصف جوي خزانا تابعا لشركة مليتة للنفط والغاز، مع أن هذه المسألة بالغة الحساسية في مجتمع يتلظى يوميا بنار الحرب الأهلية، وتعتمد الدولة فيه على إيرادات تصدير النفط والغاز.

لا ديون

 من حظ الليبيين أن الدولة غير مدينة لمؤسسات مالية دولية أو إلى دول مُقرضة، ما جعل الإيرادات تُوزع على المنطقتين الشرقية والغربية، بشكل لم يطرح مشاكل كبيرة حتى الآن، بالرغم من الانقسام السياسي بين شرق وغرب. وهذا ردٌ عملي على دُعاة الفدرالية والتقسيم. إلا أنه غير كاف، لأن الظروف المعيشية لليبيين تتدهور يوما بعد يوم، نتيجة للصراع السياسي والعسكري. ومن وجهة نظر المواطن العادي، في الشرق كما في الغرب، تبدو السجالات بين الأطراف السياسية نوعا من الترف الذي لا يعنيه، لأن ما يهمُهُ هو انقطاع الكهرباء وحالة البنية الأساسية في المدارس والمستشفيات وشح السيولة في المصارف. ففي الأيام الأخيرة انقطعت الكهرباء على مدى 15 ساعة، مع تأثيرات ذلك الانقطاع على كبار السن والأطفال، وسط مؤشرات حرارة مرتفعة. صحيح أنه يمكن استخدام بعض المولدات، لكنها في غالب الأحيان غير موجودة، وإن وجدت فهي لا تشتغل.

 وبعد دعوة وزارة التربية الأربعاء الماضي الطلاب إلى العودة إلى دراستهم، تساءل كثيرون: كيف ستعود الدراسة والبنية الأساسية مُخربة، بما فيها دورات المياه، فيما سكنت أسر من النازحين في مدارس أخرى على نحو حرم التلاميذ من فصول الدراسة؟ تلك هي المشاكل الحياتية التي يعاني منها الليبيون آناء الليل وأطراف النهار، وهم عاجزون عن حلها، ولذلك لا تهمهم انتخابات ولا توافقات ولا خرائط طرق.

تغيير جذري

والأخطر من كل ذلك هو ترسُخ العداء بشكل غير مسبوق بين الأطراف المتصارعة، من خلال تغيير جذري في الخطاب السياسي، حتى بات كل طرف يضع فيتو على الطرف المقابل، ما أعاد عقارب الساعة إلى ما قبل اتفاق الصخيرات. وقد يُترجم هذا التصعيد بفتح جبهة حربية جديدة في القربولي بين سوق الجمعة ومصراتة، مثلما يتردد في الكواليس، مما يعني أن الحريق يتوسع. وقد يؤدي ارتفاع منسوب الحقد إلى إقدام أحد الطرفين على التحالف مع الشيطان لمقاتلة الغريم. لكن الاستسلام للعداوة والسعي إلى شطب الآخر لن يحلا أية مشكلة، بل بالعكس يزيدانها تعقيدا. ومن بين التعقيدات المُقلقة تمدُدُ التنظيمات الارهابية، وخاصة “تنظيم الدولة” وشبكة “القاعدة”، نحو الاراضي الليبية، مستثمرين غطاء الحرب جدارا لحماية تنقلاتهم. وبعد التخلص من تلك العناصر، من خلال معارك مكلفة بشريا لليبيين، في كل من سرت ودرنة وبنغازي، ليس من المستبعد العودة إلى المربع الأول، لا سيما بعد تدفق عناصر من التنظيمين على ليبيا في أعقاب تضييق الخناق عليهم في سوريا. بهذا المعنى سيكون للحرب الدائرة بين الغرماء، منذ إطلاق عملية “الفتح المُبين”، انعكاسات استراتيجية ذات أبعاد سياسية واقتصادية، لن يتعافى منها المجتمع الليبي إلا بعد سنوات. وعلى هذا الأساس يبدو الجلوس إلى مائدة الحوار خيارا لا مهرب منه، فهو الممرُ الاجباري الذي توضع الحلول في إطاره، وتُحدد له آليات تنفيذ متوافق عليها. من هنا تأتي الحاجة الملحة للبدء بالتفكير في حلول طويلة الأمد لليبيا ووضع الآليات اللازمة للمحافظة على وحدة البلد بوصفها خطا أحمر، مع كثير من المرونة في العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم، وتعزيز سلطات المجتمعات المحلية ونقل قسم من الموازنات إليها لقطع الطريق على دُعاة التقسيم في الداخل والخارج.

قُصارى القول إن ليبيا بحاجة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى مصالحة كبرى تكون أساسا لتنازل متبادل من الطرفين المتحاربين، بما يجمع نخبها في الداخل وكفاءاتها في الخارج على خطة متكاملة لمعاودة بناء الدولة والمؤسسات. ومهما كانت مُجريات الحرب الحالية، فإن الحل في النهاية لن يكون عسكريا، وإنما سينبثق من مائدة الحوار، ومن داخل ليبيا.

القدس العربي

شاهد أيضاً

مؤثرون أم مجرد دمى ؟

عماد المدولي/ صحفي وكاتب ليبي كان لي صديق أيام الطفولة يكذب في حديثه دائما بشكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.