الجمعة , 6 ديسمبر 2019
الرئيسية » مقالات » الأيديولوجيا في صراعنا السياسي

الأيديولوجيا في صراعنا السياسي

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

 

أثارت تصريحات غسان سلامة في لقائه الأخير على قناة الجزيرة جدلاً واسعاً، وكان هذا اللقاء المستفزّ للمبعوث الأممي سبباً في موجة من الاستياء والاستنكار لهجومه على عموم الطبقة السياسية في ليبيا واتهامها بالفساد، وأعتقد أن سلامة تهوّر في هذا التعميم الذي ربما حمله عليه ما يلاقيه من ضغوط ومصاعب في تحقيق توافق قبل الأجل القريب الذي ضربه موعداً للملتقى الوطني الجامع، حيث أن الطبقة السياسية فيها مِن الشرفاء والوطنيين مَن كان لهم دور غير منظور –للأسف- في المحافظة على توازن العملية السياسية وصمودها رغم ما يعتريها من هشاشة وضعف.

 

ولستُ بصدد الحديث عن الفساد الذي تكلّم عنه غسان سلامة، فقد أوسعه كثيرون إنكاراً وتأييداً، ولكنّ ما يعنيني هنا هو ما أصرّ عليه غسان سلامة من أن الصراع في ليبيا هو صراع على الثروة والنفوذ، وليس صراع الأيديولوجيا والفكر السياسي، فهل صحيح ما يؤكّده سلامة ويدّعي أنه أقنع مجلس الأمن به؟ وأيهما أخطر صراع الأيديولوجيا أم الصراع على النفوذ والمال؟

 

بلا شك أن الأيديولوجيا حاضرة في المشهد السياسي، ولعل حضورها كان مبكراً جداً من خلال تصوير الصراع داخل المؤتمر الوطني العام على أنه بين تيار إسلامي وتيار علماني، وقد روّج لهذه الصورة ورسّخها في الوعي المجمعي الإعلام بخطابه المنفلت وغير المنضبط بأي معايير، ولكن بتطور حالة الصراع إلى المواجهة المسلحة وظهور مشروع الكرامة في 2014 الذي حاول السيطرة عسكرياً ونجح في شرق ليبيا وفشل في غربها، تبيّن أن حقيقة الصراع ليست نتيجة الدافع الأيديولوجي بالدرجة الأولى، وإنما نتيجة سيطرة الإقصائية على السلوك السياسي ورفض المشاركة والتعددية السياسية بدافع السعي وراء النفوذ المطلق والسيطرة الكاملة على مؤسسة الدولة، وهذا ما يفسّر مسارعة أغلب التيارات التي تدّعي المدنية إلى تأييد مشروع حفتر العسكري والتطوع لخدمته إعلامياً وسياسياً مع أنه يصادم مدنية الدولة التي هي أهم المبادئ التي ينبغي عليهم صيانتها وعدم التفريط فيها.

 

كذلك فإن العملية السياسية التي بدأت على أسس هشّة بعد 2011 وفي ظل غياب مؤسسة قوية وقادرة على فرض النظام وصيانة المقدرات والموارد، جعلت شبح الفساد يتغول في جسد الدولة ويتخذ من الأيديولوجيا غطاء للصراع الذي عزّزه تكريس حالة الانقسام في المؤسسات التي تحاول استدامتَها لوبيّات الفساد وبارونات الإثراء غير المشروع المستقوية بالمليشيات المسلحة، وبقيت الأيديولوجيا هي العنوان الكبير للمعركة السياسية التي يتم تحت غطائها صفقات المحاصصة واستنزاف الموارد ونهبها في ظلغياب السلطة الرقابية القادرة على المحاسبة، ولعل تأخّر إقرار الإصلاحات الاقتصادية والمراوغة وبشأنها وتعطيل استكمالها والمماطلة في تنفيذ خطواتها شاهد صدق على ذلك.

 

أيضاً فإن مكامن الانسداد السياسي الذي تعانيه العملية السياسية لا علاقة له بالخلاف الأيديولوجي، بل سببه حرص كل طرف على أن يكون الطرف الأقوى في أي تسوية سياسية وأن يحصل على ضمانات تجعله لا يفقد نفوذه وسيطرته، لذلك تسود العملية السياسية أجواء المغالبة المحمومة ومساعي الإقصاء المطلق، وتعطيل الاستفتاء على الدستور خير دليل على ذلك.

 

لهذا فإن الصراع السياسي في ليبيا ليس صراع الإيديولوجيا بل هو صراع النفوذ والمال من خلال البقاء في السلطة أو الوصول إليها، لذلك فهو يستعين بالأيديولوجيا والدين والقبيلة ويستقوي بتحالفات إقليمية ودولية ليصل إلى ما يريد، وليس تصويره للصراع على أنه محاربة لأيديولوجيا الإرهاب إلا محاولة لإيجاد ما يبرر به هذا الصراع.

 

ولكن أليست العملية السياسية مبنية على التعددية التي تستلزم التنافس والتدافع كلون من ألوان الصراع؟ بلى هي كذلك، ولهذا فإن الأيديولوجيا لا يمكن أن تغيب عن الصراع السياسي، بل يجب أن تكون حاضرةً فيه كهوية وأساس للتيارات السياسية التي ينبغي أن تقود صراع الأفكار في المجتمعات لتخلق حالة النضج في الوعي المجتمعي بما يحقق ثقافة قبول الآخر والتعايش معه في إطار الاحتكام إلى القانون والدستور والنظام، لا أن تجعل الأيديولوجيا مجرّد أداة في الصراع المنفلت والمحموم على السلطة مما يحبسها في شعارات مفرَّغة من معانيها.

 

إن تمسّك التيارات السياسية بمرجعياتها الأيديولوجية وإدخالها في المنظومة السياسية من بوابة إدراك الواقع ضمن إطار العمل الوطني الملتزم بالمصلحة العامة هو ما يجعل المشاريع السياسية تتمايز بناء على قيم ومبادئ كل مرجعية، وتكون المنافسة السياسية في إطار الدستور هي الدافع والضامن دوماً لتحقيق المصلحة الوطنية وصونها.

 

شاهد أيضاً

مؤثرون أم مجرد دمى ؟

عماد المدولي/ صحفي وكاتب ليبي كان لي صديق أيام الطفولة يكذب في حديثه دائما بشكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.