الثلاثاء , 21 مايو 2019
الرئيسية » مقالات » إهدار الفرص يتوالى

إهدار الفرص يتوالى

عبد المجيد العويتي/ كاتب ليبي

 

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء الحرب الباردة بين قطبي السيادة في العالم المتمثل في الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية حتى بدأت عمليات الاصطفاف الدولي حسب المصلحة السياسية لكل دولة من دول العالم لإحدى المعسكرين الشيوعي والرأسمالي ، فمن لم يكن مع موسكو فهو بطبيعة الحال مع واشنطن ، فحتى بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي وخلافة روسيا الاتحادية له حافظت موسكو على الحد الأدنى من الندية مع واشنطن برغم تقدم واستفراد الأخيرة بالموقف الدولي خطوات إلى الأمام ، واستمرت إلى يومنا هذا حالة الاصطفاف والتخير بين القوتين .

 

ولم تحظى معظم الملفات الشائكة في العالم باتفاق طرفي السيادة ، فجل الملفات ينظر إليها الطرفان بعين الفرصة اقتناصاً من فرص الطرف الآخر ، فظلت معظم الحالات الدولية المتأزمة بين شد وجدب منتظرة لحلها بعيداً عن التدخل الدولي فيها الذي يزيد في العادة بسبب الاصطفاف من أمد عمرها وتضييع وقت شعوبها التي تتحين الفرص للخلاص ، فتصطدم بواقعية عدم الاتفاق الدولي على الحل والذي يلغي مفهوماً سائداً في العلوم السياسية وهو رغبة المجتمع الدولي ، فالمجتمع الدولي لم يكن يوماً متفقاً على ملف ما حتى يتحدث أحدهم بمنطلق رغبته ، فالذي تريده الولايات المتحدة يختلف عما تريده فرنسا وما تذهب إليه بريطانيا مختلف عن ما تذهب إليه روسيا .

 

وأمام هذه الواقعية السياسية نجد بعض الملفات المستثناة من هذه القاعدة فيصير لها إجماع دولي يمكن الحديث فيه حقيقة عن رغبة المجتمع الدولي ، ومن هذه الملفات والأزمات تأتي الأزمة الليبية التي حظت بتوافق دولي حول حلها عن طريق الحوار السياسي ودعم حكومة موحدة وتأطير الأزمة الليبية وجعلها تركن في خانة اليك حتى لا تتناثر هنا وهناك وتصبح أزمة مصدرة للمشاكل عابرة للمتوسط متوجهة لقلب أوروبا ومنه للعالم ، فالقضية الليبية لم تصطدم بحائط الفيتو في مجلس الأمن في أكثر من مناسبة فالجميع هناك وأثناء جلسات تخص ليبيا يرفعون أيديهم بالموافقة والتمرير ، وهذا مرده لأن الملف الليبي يأتي في اهتمام متأخر لدى المجتمع الدولي بالعموم أمام ملفات ساخنة يتصدر فيها الاصطفاف والتحالف الأزمة فيها ، فالمشاكل المصدرة من ليبيا لا تتعدى مشكلة الهجرة الغير شرعية وتحدي الإرهاب الذي تظافرت الجهود ضده .

 

كل هذا كان إلى حين ، فأطراف الصراع في ليبيا لم يهنأ لها بال ولم تهدأ سريرتها طمعاً وشوقاً في إثبات وجودها وانتصاراً لذاتها على خصمها ، فأصرت دائماً على إيجاد طرف دولي يدعم توجهها ولكنها كانت دائماً تصطدم بحائط الوفاق الدولي ، بيد أنها لاقت اصطفافًا إقليمياً لجانبها فكانت الإمارات وقطر على سبيل المثال ، ولكن هذا الدعم لم يتجاوز بسخائه المال والسلاح ولكنه لم يستطع أن يغير في معادلة القبول بفرض الأمر الواقع لكلا الطرفين فبقي الصراع مسلحاً دامياً تصعيدياً دون وصول أحد الطرفين إلى ما يصبو .

 

ولكن ولأن الزن أمر من السحر كما يقول المثل ، ومع طول المدة وازدياد وتيرة التصعيد في عرض السلعة الليبية على الرصيف الدولي مقابل كل شيء استطاعت الأطراف المحلية أن تؤلب بعض الأطراف الدولية على الإجماع الدولي بتحملها رسوم الدعاية لمعسكر ما أمام العالم ليقبله أمراً واقعاً ، و بهذا استطاع طرف المنطقة الشرقية أن يواؤم رغباته مع رغبات فرنسا الإفريقية مقابل امتيازات مرهونة بفوز الحليف في ليبيا ، وأمام هذا التحول لم يكن أمام الطرف الآخر القابع في غرب البلاد إلا أن يبحث له عن حليف يضاهي درجة قوة وتأثير فرنسا فكانت إيطاليا ، يأتي هذا بعد فشل الطرفين في إقناع أمريكا أو روسيا بوجهة نظرها للحل ، فكان التوجه لدولتين أقل قوة ولكنهما ليستا بقلة في عالم استعراض القوى .

 

ويأتي دور روما خوفاً من استفراد باريس بكعكة ليبيا الاقتصادية وارتهان القرار السياسي فيها لقصر الإليزيه ، كيف وليبيا الشاطئ الرابع حسب تخاريف الأساطير الايطالية ووجود فرنسا على ساحل ليبيا يعني وجودها في جنوب إيطاليا ، ومن هنا تصاعدت حدة التوتر وتناقض ردود الأفعال والأقوال بين العاصمتين الأوروبيتين حول أزمة ليبيا والتي ألقت بظلالها على العلاقة الحذرة بينهما فأخرجتها من حالة الحذر إلى حالة العلن حيث التصريحات المختلفة لحل الأزمة الليبية وقيام كل منهما باستضافة اجتماعات ليبية تحاول بها سحب البساط من أرجل الآخر .

 

إن نجاح طرفي الصراع في ليبيا في الحصول على اصطفافات دولية وإضاعة ميزة التوافق الدولي حولها سيكون له عواقب وخيمة ليست أقل من إطالة أمد الأزمة الليبية بل واستخدام أراضيها لمعارك دولية تستعيض بها هذه القوى عن تلطيخ أراضيها كما جرت العادة ، وسيعطي هذا الاصطفاف نفساً أطول لأطراف الصراع الليبي بنيله اهتماماً ودعماً ودعاية في المحافل والمؤتمرات والقمم حول العالم ، فنبقى نحن الليبيين رهيني الصراع بتجدد أطرافه وتنوع مؤيديه وسخاء داعميه .

شاهد أيضاً

أحلام السيسي في ليبيا يدفع ثمنها الفقراء

ياسر عبد العزيز / إعلامي وباحث سياسي مصري   زيارة ثانية لقائد الانقلاب في ليبيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.