الثلاثاء , 21 مايو 2019
الرئيسية » مقالات » فلسفة الأمن والأمان

فلسفة الأمن والأمان

عبد المجيد العويتي/ كاتب ليبي

 

منذ أن اعتلت قوى الاستبداد الديكتاتوري سدد الحكم في العالم الثالث ، وما كان ثالثاً لولا أفعالها ، حتى دمرت هذه القوى كل مقدرات الحياة الطبيعية للشعوب الراغبة في مزيد من التطور والانفتاح والتقدم على جميع الصعد ، فما كان منها إلا أن ألغت كل ما من شأنه أن يمد مواطنيها لكي يعبروا إلى ما تطمح إليه الدول النامية الخارجة حديثاً من نير الاستعمار منتصف القرن المنصرم ، فأطاحت بالثقافة فكانت البطانة المثقفة هي من تقود الناس إلى فكر يستسيغ شراب الذل في الفكر والمعرفة فأنتجت أشباه مثقفين لا تجد في قصائدهم مثلاً إلا أبيات التمجيد والاحتفاء بالفرد المخلص ،  كما أهملت تطوير القيم المجتمعية فأصبح الفرد في هذه الدول حبيس قيم بالية تصلح لقرون مضت ولا تتواكب مع التطور الحاصل في العالم فتكررت الحروب البينية بين الأهالي والنزاعات القبلية على موروثات عفا عنها الزمن فتجد في ليبيا حرباً بين قبيلتين في العام 2012 قد تكررت لنفس الأسباب العقيمة في سنة 1920 .

 

أطاحت هذه النظم أيضاً بمقدرات الشعوب الخدمية والمانحة حيزاً لا بأس به من الرخاء الغير مكلف لتستطيع التواءم مع متطلبات العيش الكريم ، فأطاحت بالخدمة الصحية حتى أصبح الليبيون على سبيل المثال يدفعون أموالاً للعلاج في دول الجوار ودول أبعد ، وأسهمت هذه الأنظمة بشكل كبير في تدمير قطاع التعليم والعدالة الاجتماعية والقضاء و البنى التحتية البسيطة لأي دولة متحضرة .

 

ولكن وبالتوازي استطاعت أن تصنع لنفسها و لشعوبها حالة أمنية تعم كامل التراب قل نضيرها حتى في الدول المتقدمة ، فتجد على سبيل المثال أن دمشق العاصمة السورية في قلب العالم الثالث قبل ربيع الثورات أكثر أماناً بمراحل من عديد المدن القابعة في تصنيف العالم الأول وبعضها يقع في الولايات المتحدة وأوروبا ، فكان المواطن العربي في ظل هذه الأنظمة يأمن على نفسه الخروج في ساعة متأخرة من الليل سائراً بكل أمن وأمان يقطع المسافات الطويلة في كامل بقاع بلده لا يجد من ينغص عليه أمنه الشخصي إلا الساهرين على أمن بلده من رجال الدولة متفقدين حال الرعية .

 

عند اندلاع ثورات الربيع العربي لم يجد هؤلاء القابعون على رأس السلطة سوى الأمن والأمان ليذلوا به شعوبهم فخوفوهم بقصص من سبقوهم وظلوا كالحكواتي يقصون علينا ويلات وثبور من خرج عن عصا الطاعة وما آل إليه مصيرهم ، ويقسمون بأعظم الأيمان أنهم لن يفرطوا في ما صنعوه من جميل الأمن ومن قوة الأمان لقلة مندسة تريد تعليماً وصحة وعدالة اجتماعية وحريات و كرامة ، وفي بلدان نجحت فيها الثورات العارمة اتفق آخرون لا يزالون يعتلون السلطة في بلدهم مع بقايا تلك الأنظمة الهاربة إليها على جعل تلك الدول أمثلة على ما يقولون يخوفون بها شعوبهم وليكملوا دور الحكواتي صاحب الروايات المرعبة والبوليسية وكأن عالم الأدب لا مكان للرومانسية فيه (( مش أحسن ما تكونوا زي ليبيا واليمن وسوريا )) ؟؟!! .

 

إن هؤلاء القلة المتحكمة في الكثرة وهذه سنة الله في خلقه ، دأبت على تقديم الخدمات لشعوبها بنظام البيع بالتجزئة لا بالجملة ، فإن احتاج المواطن العربي لمادة ما فإنه سيضطر للعودة مراراً وتكراراً للبائع وهو الدولة القمعية مسبحاً لها وبحمدها أن تعطيه ما ينقصه .

 

إن فلسفة الأمن والأمان المنتشرة لدى كثير من الناس بفعل الدعاية السلبية لمفهوم الأمن لدى الناس من قبل الأنظمة الديكتاتورية تقوم على التنعم في أمن الشوارع وعدم التعرض لشخصك في المرور بين مكان وآخر ، وفي هذا منطق مقبول فالأمن الشخصي والأمن من العصابات والميليشيات أمر مهم للازدهار والتقدم ، ولكنه لا يجب أن يقدم كقطعة واحدة من أنظمة الخدمة العديدة التي يجب على النظام (( صاغراً )) تقديمها ، تعليم وصحة وعدالة اجتماعية وقضاء نزيه وحياة كريمة واكتفاء ذاتي ويمكنك أن تضع على كل هذا البكج في فاتورة الخدمة الأمن و الأمان .

 

ماذا أفعل بالأمن والأمان إذا كنت لا آمن على مستقبل أولادي في تعليم حضاري يفرز لهم مستقبلاً زاهراً يستقوون به على متطلبات الحياة فيخرجون للميدان وهم مزودون بمعرفة عالية ، ماذا أفعل بالأمن والأمان وخروجي في ساعة متأخرة من الليل أذهب إلى تونس بسيارتي ولا يعترض طريقي أحد من العصابات وأنا الذاهب هنالك بابنتي أو أمي المريضة لكي أعالجها هرباً من مستشفيات بلادي السيئة باحثاً عن ما ينجيهم لي .

 

ماذا أفعل بالأمن والأمان وأنا الساكت عن ظلمي ولا أستطيع أن أقرب مركز الشرطة ليأخذوا لي حقي المغتصب ، وماذا أفعل بالأمن والأمان وأنا العامل ليل نهار لأوفر قوت أولادي ؟؟؟

 

اكتب هذا المقال وأنا أستمع إلى خطاب رئيس الأركان الجزائري لشعبه المنتفض ضد ترشيح جثة لترأس البلاد ، في أوقح استخفاف بمشاعر الشعوب على الإطلاق ، مهدداً إياهم في خطابه بانعدام نعمة الأمن والأمان ولكم في ليبيا واليمن وسوريا خير مثال ، وكأن الخيارات التي تقبع بين القوسين لا ثالث فيهما إما نحن أو الخراب .

شاهد أيضاً

أحلام السيسي في ليبيا يدفع ثمنها الفقراء

ياسر عبد العزيز / إعلامي وباحث سياسي مصري   زيارة ثانية لقائد الانقلاب في ليبيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.