السبت , 23 فبراير 2019
الرئيسية » مقالات » الملتقى الوطني الجامع.. تطلعات وغموض

الملتقى الوطني الجامع.. تطلعات وغموض

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

 

لم يبقَ من خطة غسان سلامة التي أعلن عنها في بداية توليه مهامه رئيساً للبعثة الأممية في ليبيا إلا عقد الملتقى الجامع، الذي كان من المفترض أن يكون هدفُه ودورُه تهيئة المناخ لإجراء الاستفتاء على الدستور وما يتلوه من استحقاقات انتخابية، ولكن من يقارن الحديث عن الملتقى الجامع اليوم يجده يختلف تماماً عما كان يتصوره سلامة في بداية مقْدَمه إلى ليبيا، ولا شك أن لذلك أسباب معتبرة وجوهرية.

 

حديث سلامة عن الملتقى يتّسم بالعمومية والاقتضاب، وبعيد عن التفصيلات، وهذه الطريقة في الحديث عن الملتقى الجامع ورفض سلامة إعلان موعده أو آلية التمثيل فيه، كل هذا كان له صداه العالي في المشهد السياسي، وكان سبباً للهجوم على سلامة واتهامه بالتخبط والارتباك والانحياز وغياب الرؤية، فلماذا هذا الموقف من سلامة؟ وهل فعلاً لن يقدّم الملتقى الجامع شيئاً على الصعيد السياسي؟

 

يدرك الجميع أن الملتقى الجامع اليوم لم يعد الهدف منه مجرّد تهيئة المناخ للعملية الانتخابية كما كان المقرر منه مسبقاً، بل صار يعوّل عليه ليكون المخرج الأخير من حالة الانسداد السياسي المزمنة التي صارت تهيمن على المشهد الليبي. إن فشل محاولة التوافق الأخيرة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة فيما يخص تعديل السلطة التنفيذية وتضمين الاتفاق السياسي، وعدم إيفاء مجلس النواب بما تمّ الاتفاق عليه مع المجلس الأعلى للدولة فيما يخص قانون الاستفتاء على الدستور، هذه الأمور جعلت أي تعويل على تجاوز الانسداد السياسي من خلال هذين الجسمين ضرباً من العبث ونوعاً من السفَه الذي لن يزيد إلا من المعاناة ويكرّس حالة الانقسام.

 

مجلس النواب بإصراره على رفض تضمين الاتفاق السياسي وعدم الإيفاء بالتزاماته يؤكد أنه عاجز وعاقر عن الإنتاج سياسياً، والمجلس الأعلى للدولة بصلاحياته المحدودة لا يمكن أن يُتِمّ الاستحقاقات التشريعية للاستفتاء على الدستور وإجراء الانتخابات، لذلك فإن الاتفاق السياسي المطبّق جزئياً صار غير قادر إنجاز الحلّ السياسي ولابدّ من حلول خارج الصندوق كما أشار سلامة في بعض إحاطاته، وهذا ما دفع المجلس الأعلى للدولة في خطوة محمودة إلى تكليف لجنة بإعداد مقترح أو تصوّر يشارك بها في الملتقى الجامع ولم يعد يعطي أولوية للتوافق مع مجلس النواب الذي لازال يركب مطايا العبث السياسي بزعامة رئيسه ماضياً في تعنّته يشغّب تارة بإجراء الاستفتاء بالقانون المشوه المعيب وتارةً بمناقشة قانون انتخاب رئيس الدولة المعلّق منذ 2015.

 

كما أدرك سلامة أيضاً أن توحيد المؤسسة التنفيذية في ظل هذه المؤسسة التشريعية المنقسمة غير ممكن لذلك فهو يسعى للتنسيق بين المؤسسات المنقسمة وقد بدأ هذا الأمر على مستوى وزارة الداخلية، وهذا التنسيق ماضٍ بشكل أبطأ فيما يخص المصرف المركزي، وقد صرّح سلامة بذلك في لقائه الأخير مع الشرق الأوسط.

 

كل هذه الأسباب جعلت من الملتقى الجامع محطة هامة لتجاوز الانسداد السياسي والخروج بالعملية السياسية من حالة الجمود، لذلك فإن عدم الاستعجال في عقد المؤتمر الجامع والإبهام الذي يلفّ أجندته يمكن تبريرها بأن المبعوث الأممي لازال في طور العمل مع الأطراف السياسية لتشكيل حد أدنى من التوافق يلتقي حولَه الليبيون في الملتقى الجامع، وهذا بلا شكّ يحتاج بعض الوقت لتنضج الرؤية والتصور عند مختلف الأطراف بعيداً عن تصريحات قد تنعكس سلباً على نجاح الملتقى وجدواه.

 

الحديث عن توحيد السلطة التشريعية بانتخاب جسم جديد له صلاحيات محدودة في إطار إنجاز الاستحقاقات التشريعية للانتقال للمرحلة الدائمة مقترح مقبول ومنطقي، ومع ذلك فإن الملتقى الجامع أمامه الكثير من العقبات والتحديات يجب أن يتجاوزها لينجح، أبرزها الموقف المعرقل من مجلس النواب وكذلك داخل مجلس الدولة والذي تدل عليها كثير من التصريحات، وهذه العرقلة المتوقعة مردّها أن الملتقى الجامع سيسعى لتجاوزهم كأجسام عاجزة وغير قادرة على تقديم حل سياسي، لذلك فإن التعويل ينبغي أن يكون على اختراق التعنت والعرقلة من خلال إيجاد كتل داخل المجلسين تقوم بواجبها الوطني في إنهاء هذا الوضع المتأزم وتشارك بفاعلية في الملتقى الجامع.

 

كذلك فإن الأحزاب التجمعات السياسية الوليدة أغلبها ينظر للملتقى الجامع على أنه بوابة ولوج للمشهد السياسي لا أكثر، لذلك نسمع المطالبات بتعجيل انعقاده وتعجيل إجراء الانتخابات التشريعية، لذلك فإن المشاركة في الملتقى الجامع بهذه الدوافع ستساهم في إفشاله أو خروجه بمخرجات هزيلة ربما تكرّس حالة الانقسام والتفكك.

 

الملتقى الجامع بارقة أمل في المشهد السياسي المظلم والمكفهر، وهو بلا شك غير مضمون النجاح وفيه هامش من المغامرة كبير، إلا أن الزخم الشعبي الذي ضاق بهذا الوضع المتأزّم، والطيف السياسي الواسع الذي يريد إحياء العملية السياسية بدماء جديدة، والمجتمع الدولي الذي بات ينشد حالة استقرار تضمن مصالحه في ليبيا، كل هذه العوامل ستساعد في نجاحه متى ما أدرك الليبيون كيف يتعلّمون من أخطائهم ويضمِّنون مخرجات هذا الملتقى كل الآليات والتدابير التي يتجاوزن بها أي محاولة للعرقلة أو الإفشال.

شاهد أيضاً

ويسألونك عن الدولة والثورة

صلاح الشلوي/ كاتب ليبي   قل هي مقاربة اجتماعية سياسية اقتصادية أمنية في آن واحد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.