السبت , 23 فبراير 2019
الرئيسية » مقالات » مفاتيح الحل في ليبيا … تفكيك المركزية

مفاتيح الحل في ليبيا … تفكيك المركزية

فرج كندي/ كاتب ليبي

 

 يعتبر عامل المركزية  من أهم العوامل المساهمة والمساعدة في تشكيل وتعقيد  الأزمة الليبية الراهنة التي شارفت على الدخول في سنتها التاسعة وهي تسير حثيثا نحو السنة العاشرة متأثرة بعوامل داخلية وخارجية محلية وإقليمية ودولية متداخلة ومتشابكة ومتقاطعة ؛ يقف أمامها الناظر  الثاقب  المدقق المتفحص المحقق حيران.

 

لقد عانت الدولة الليبية من مشكلة   الإدارة المركزية بصورتها المقيتة التي ظهرت بأبشع صورتها المقيتة مع تمكن نظام سبتمبر الذي استولى فيه مجموعة من الضباط الصغار في السن والرتب في التسلسل العسكري في فجر الأول من سبتمبر عام 1969 ميلادية .

 

وأقاموا نظامهم الجديد بعد الإطاحة بالنظام الملكي الذي كان على رأسه الملك ” إدريس السنوسي ” وإعلان النظام الجمهوري الذي قاده الملازم أول ثم اصبح العقيد ” معمر القذافي ” الذي سعى جاهدا في التخلص من أصدقاء الأمس شركاء الانقلاب الأقوياء ؛ وبشكل متسارع وقياسي هو القائد الأوحد للنظام وتفرد بشكل حاسم وحازم  بمقاليد الحكم ؛ فأصبح يتفرد بحكم دولة مترامية الأطراف وعدد سكان محدود يتميز بمقومات التجانس والتقارب الديني والإثني واللغوي والثقافي مع وفرة  هائلة في الثروات الطبيعة الطبيعية خاصة ” النفط ” الذي وفر له مردودا ماديا كبيرا يفوق احتياجات البلاد ويوفر ثروة طائلة تساهم في اقامة مشاريع تنموية وبناء بنية تحتية وإقامة مؤسسات إدارية وتعليمية تساهم في رفعة الوطن وترفع من مستوى المواطن الاقتصادي والصحي والتعليمي.

 

وهذا هو الشعار الذي رفعه انقلابيو سبتمبر فيما عرف ببيانهم الأول الذي أذيع للشعب الليبي إثر نجاح الانقلاب واستيلاء الضباط ‘ الأحرار ‘ على السلطة في البلاد ..

 

إلا أنه بعد أن سيطر العقيد القذافي على زمام الأمور وخلا له الجو عمل جاهدا على جمع كل السلطات في يده وأصبح يتحكم في جميع الأمور من خلال إنشاء منظومة مركزية معقدة لا تسمح بمرور أي أمر ذي بال إلا من خلال تعليمات وتوجيهات وقرارات ” القذافي” شخصيا .

 

وقد ساعده على تحقيق ذلك أنه استطاع بناء وتشكيل بطانة تابعة لا تملك من أمرها شيئا بل تعتز وتفتخر بمقدرتها في تحقيق وتنفيذ تعليمات وتوجيهات القائد المفكر الملهم  الفذ ، وهو ما جعل البلاد في جميع تفاصيلها رهينة لفكر ورغبات وأحلام وتهيؤات شخص واحد يمسي على رأي ويصبح على آخر نقيض مع وجود جوقة تتهافت في التسابق على الإطراء والمدح والتنفيد ولا تستطيع أن تقدم شيئا يخدم البلاد ولا تستطيع أن تؤخر شيئا قد يؤدي إلى ضياع البلاد .

 

في وقت كان رأس السلطة يسعي حثيثا في تركيز كل مقدرات البلاد في يده من خلال استخدام أذرع متعددة ومتنوعة لا تؤمن إلا بما يمليه عليها سيدها الأوحد .

 

وهذا ما دفع البلاد للدخول في نفق مظلم يحوطه الظلام في كل جوانبه ألا وهو نفق المركزية المقيتة التي أخرت كل حركة نحو الأمام وعززت البيروقراطية والترهل في كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية  مما انعكس على الحالة الاجتماعية الأمر الذي دفع بالأجيال الجديدة التي تأثرت بما تناقلته وسائل الإعلام الحديثة من قنوات فضائية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى التطلع للوصول إلى ما وصلت إليه المجتمعات المجاورة ولديها من الإمكانيات المادية ما لدى ليبيا و المجتمعات المتقدمة من تطور وتقدم في أنماط الحياة الاقتصادية والتعليمية والإدارية إلى هبة عارمة في وجه النظام القائم على مدى أربعة عقود لم يقدم ما يصبوا إليه الشباب وكان أهم مطالبهم الحرية .

 

وبعد نجاح الانتفاضة الشعبية العارمة التي نأى بها الجيل الشباب في ليبيا وساهمت أطراف إقليمية ودولية في الإطاحة بالنظام ونجاح ثورة الشباب العارمة وبدء مرحلة جديدة من تاريخ ليبيا المعصر واجهت الليبيين عدة صعوبات في إدارة البلاد و إنشاء نظام جديد يلائم طبيعة البلاد ويتماشى مع متطلبات العصر ويلبي احياجات المواطن ، وكانت المركزية والنظام المركزي التي ورثته الحكومات التي تلت نجاح الثورة وكانت سببا مباشرا في تأخر تقديم الخدمات وعرقلة نجاح الحكومات المتتالية في الوصول بشكل سريع ومباشر في تقديم الخدمات المتساوية لكل السكان وكافة المناطق .

 

مما سبب التذمر السريع من المواطنين الذين عولوا الكثير على نتائج الثورة ووعود الساسة الجدد وهو ما دفع البعض إلى الخروج في تظاهرات شعبية تطالب بتسريع الخدمات والإسراع في إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة تعطي صلاحيات واسعة وتوفير إمكانيات متناسبة مع مساحة وعدد سكان واحتياجات المناطق بحسب ما تقتضية احتياجاتها كما ظهر صوت آخر قوي ومؤثر أعلن مطالبته بالعودة إلى النظام الفيدرالي الذي كان معمولا به إبان فترة الحكم الملكي في الفترة ما بين عام (  1951- 1963  ميلادي ) وبعد ذلك دخلت البلاد في صراعات قبلية و جهوية مناطقية وايدولوجية مازالت في غمارها ،ولا يلوح في الأفق القريب أي مؤشر إلى قرب نهايتها لأنها مرتهنة بعوامل داخلية وخارجية متشابكة ومعقدة .

 

إلا أن أهم عامل من عوامل حل الأزمة الليبية الداخلية هو الإسراع في إيجاد نظام إداري حقيقي وفاعل يخفف من حدة المركزية ويعطي الصلاحيات مع الامكانيات الحقيقة للادارة المحلية ووضعها اما مسؤليتها الحقيقة لتقديم الخدمات اللازمة للمواطن ويشعر شعور حقيقي بهذه الخدمات المباشرة ويدرك ان المسؤلية لا تقع على عاتق الحكومة المركزية بقدر ما تقع على الادارة المحلية .

 

ما يساهم في نجاح اللامركزية هو تقسيم البلاد إلى مناطق إدارية ( محافظات ، بلديات ) يكون توزيعها وفق معايير علمية وجغرافية تتناسب مع طبية البلاد – وربما تقسيم العشر محافظات قبل انقلاب سبتمبر 1969 يكون الانسب و لا باس لو احدثت عليه تعديلات بما يتناسب مع المستجدات ولمعطيات القائمة حاليا .

 

إن تفكيك المركزية لا يمكن أن يكتب له النجاح والاستمرار بقرار سياسي من الحكومة المركزية بقدر ما يسبقة نشر الوعي بالنظام اللامركزي وان يعي المواطن بحقيقة هذا النظام واهم طرق ووسائل نجاح هذا النظام وخطورته في نفس الوقت .اذ ان اختيار اختيار السلطة التنفيذية مناطة بالمواطن الذ ينتخب ادارة البلدية او المحافظة فكلما كان المواطع على دراية باهمية انتخابه وخطورة تداعيات اخفاقه في اختيار المسؤل المؤهل المناسب سوف ينعكس على الخدمات التى يرجوها المواطن وهذا يحتاج من الحكومة المركزية الى القيام بحملات تثقيفية توعوية بالانتخابات لترفع من مستوى المواطن الذي هو حديث عهد بالانتخابات التي لم يالفها من قبل ولم يخوض تجربتها بصورتها الحقيقية .

 

الأمر الأهم الذي يساهم في نجاح إدارة الحكم المحلي هو أن تتولى الحكومة المركزية بالمساهمة الحقيقية في نشر الوعي بالادارة والحكم المحلى وانشاء المعاهد والكليات ومراكز الابحاث وايفاد الطلاب للخارج للتعليم والتدريب والتشبع من خبرات ونظريات الحكم المحلي والاستفادة من التجارب العالمية وخاصة البلدان والبيئات المشابه مع طبيعة وتركيبة المجتمع الليبي .

 

هذا أحد العوامل  من كم هائل من العوامل التي يجب على الساسة وصناع القرار في ليبيا الإسراع في تنفيذها وفي أسرع وقت حتى نصل جميعا دون استثناء  بليبيا إلى بدايات الطريق لننطلق معا في رحلة البناء والتعمير والتطوير لتحقيق حلمنا المنشود . ليبيا دولة واحدة حرة نامية متالقة بأبنائها البررة .

شاهد أيضاً

ويسألونك عن الدولة والثورة

صلاح الشلوي/ كاتب ليبي   قل هي مقاربة اجتماعية سياسية اقتصادية أمنية في آن واحد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.