الإثنين , 21 يناير 2019
الرئيسية » مقالات » جدلية القطاعين العام والخاص في النشاط الاقتصادي

جدلية القطاعين العام والخاص في النشاط الاقتصادي

صقر الجيباني/ خبير اقتصادي

 

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كان القطاع العام يلعب دوراً رئيسياً في النشاط الاقتصادي في الدول العربية حديثة الاستقلال السياسي حينذاك وكان يُنظر إليه كرمز من الرموز الوطنية والقومية.

 

وفي السبعينيات والثمانينيات ظهرت أفكار ومبادئ الليبراليين الجدد  ووصل كل من رونالد ريجان ومارجريت تاتشر إلى سدة الحكم في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وتبنّيا أفكار الليبرالية الجديدة واتبعا سياسات الخصخصة للقطاع العام واستطاعا فرضها على دول العالم الثالث، إما طوعاً بالترغيب والإغراء بقروض صندوق النقد والبنك الدُّوليّيْن أو بالترهيب والابتزاز وحياكة المؤامرات الاقتصادية والإيقاع في الأزمات المالية.

 

فسارت جميع الدول نحوالخصخصة وتقليص دور القطاع الحكومي، شجعها على ذلك شيخوخة القطاع الحكومي المبكرة وعجزه عن تحقيق أرباح اقتصادية بعد أن ترهّل وتكدّس بالبطالة المقنعة وأصبح عبئاً على الميزانيات الحكومية ومرتعاً للفساد بشتى صوره.

 

ثم جاءت الألفية الجديدة وبعد انقضاء عقدها الاول وعلى غير المتوقع انفجرت شعوب بعض الدول العربية في وجه حكامها واندلعت الثورات والانتفاضات الشعبية، في موجة عرفت بثورات الربيع العربي، مطالبة بحقوقها السياسية والاقتصادية.

 

وبغض النظر عن النتائج التي أفرزتها تلك الثورات في أكثر من بلد عربي، فإن مطالبها تتفق في تحسين مستوى المعيشة واضطلاع الدولة (الحكومة ) بدورها في تحقيق المستوى المعيشي اللائق بآدمية الإنسان

 

في السابع من نوفمبر تشرين الثاني من العام المنصرم خرجت تظاهرات حاشدة في فرنسا (أصحاب السترات الصفراء) والغريب أن مطالبها شعبوية بامتياز، حيث إن  من أبرزها إعادة القطاع العام لمكانته في النشاط الاقتصادي وإلغاء الخصخصة ثم تطورت المطالب إلى إسقاط الحكومة وحلّ الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) .

 

مؤيدو الخصخصة يقولون إن ثمار الخصخصة تنضج في المدى المتوسط والطويل، وبالتالي تحتاج إلى صبر شعبي وتحمل بعض الآثار الجانبية الناجمة عنها، وبالتالي الخصخصة لا تمتلك حل سحري للمشكلة الاقتصادية، فهي جاءت في ظروف زمنية معينة ودول معينة انتهجتها بما يتوافق مع بيئتها وإمكانياتها، وليس بالضرورة أن تكون صالحة لجميع الدول كما إن القطاع العام ليس سيئاً دائماً فبالإمكان بعد تطهيره من الفساد تطويره وإعادته للواجهة بالحسابات الاقتصادية دون إغفال المسؤولية الاجتماعية تجاه الشرائح الضعيفة اقتصادياً لكي لا تواجه البلاد طوفان شعبي آخر على غرار ما حدث في سنة 2011 من انتفاضات شعبية، وكما يحدث الآن في السودان البلد العربي الشقيق .

 

هذا الكلام لا يعني القضاء على القطاع الخاص كما فعل النظام السابق، إبان عهد معمر القذافي، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بل نعني به في هذه المرحلة تحديداً أن يكون القطاع العام هو رائد وقائد النشاط الاقتصادي ويأخذ بيد القطاع الخاص إلى أن ينمو بالشكل الكافي وإلى حين اجتياز هذه المرحلة والتي تشهد فيها البلاد أزمة اقتصادية والعالم من حولنا يشهد صعود التيارات الشعبوية .

شاهد أيضاً

إضاءات حول كتاب .. القرآن التوراة والإنجيل والعلم

زهرة سليمان أوشن / كاتبة ليبية إضاءات حول كتاب: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ….دراسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.