السبت , 23 مارس 2019
الرئيسية » مقالات » كيف ضيعنا القرار الوطني؟

كيف ضيعنا القرار الوطني؟

أبوبكر بلال/ كاتب ليبي

 

رغم ضعف الدولة الليبية وانهيار مؤسساتها الهشة عقب انتفاضة فبراير في عام 2011م بسبب المؤسساتية الغائبة وتحكم النظام السابق في قراراتها إلا أن القرار الوطني والسيادة الوطنية كانا قويين حاضرين، ولم تكن دول الإقليم والعالم التي تتدخل في كل كبيرة وصغيرة اليوم تمارس هذا السلوك حتى الانقسام السياسي عام 2014م.

 

صحيح أن مخابرات الدول الأجنبية كانت تعيث في البلاد فسادا بسبب هشاشة مؤسسات الدولة والتركة التي خلفها النظام السابق لكنها لم تجد الثغرة التي وجدتها اليوم ودخلت من خلالها فاختطفت القرار الوطني الليبي وغيبت السيادة الوطنية.

 

ولا شك في أن القرار الوطني والسيادة الوطنية التي كانت تمارس بكل أريحية تستمد قوتها من قرار الليبيين في عام 2012 اختيار من يحكمهم وأنتجوا المؤتمر الوطني العام، فالظهير الشعبي وشعوره بالمسؤولية مقوم من مقومات الحفاظ على السيادة والقرار الوطني.

 

ورغم ذلك فإن الدول الإقليمية والغربية التي لها مصالح ومنافع في ليبيا كانت لها محاولات عديدة ومتكررة في فرض حكام للبلاد، إلا أنها نتيجة لاستمداد قوة القرار من الظهير الشعبي لم تكن تجرؤ أن تفرض حكاما لليبيا أو أن تحقق مصلحة من مصالحها كما تفعل اليوم أمام أعين الساسة والليبيين، بل كانت طريقتها في ذلك هو تحريك أذرعها بالإكراه أو بالإغراء عبر المؤتمر الوطني العام الجهة التشريعة المستمدة قوتها من قبل الليبيين والتي تقرر ي نهاية المطاف.

 

ومنذ أن بدأت الخلافات السياسية تدب في أروقة المؤتمر الوطني العام وغلبة ثقاقة المغالبة لا المشاركة والتوافق لتأسيس الدولة الليبية الثانية بدأ القرار الوطني يتقلص شيئا فشيئا وبدأت السيادة الوطنية في انحسار مستمر كل يوم بسبب هذه الخلافات والأزمات التي يدخل المتربصون من أبوابها.

 

أعلن القرار الوطني عن بداية رحلة وداعه منذ أن اختلف الفرقاء داخل المؤتمر الوطني العام حول مدة ولايته، فقائل بانتهائه بتاريخ 7. 2. 2014م وقائل ببقائه حتى يكمل استحقاقاته التي انتخب من أجلها وآخرها هيأة الدستور، ومن هنا كان التدخل المباشر من البعثة الأممية في ليبيا التي لم يكن الليبيون قد سمعوا بها قبل هذا التاريخ الذي بدأت فيه البعثة تتدخل عبر حوار بين الأطراف السياسية أرادت أن ترعاه للوصول إلى حلول سياسية ولم يتحقق لها ذلك نتيجة إصرار طرف سياسي على المغالبة والاحتكام للسلاح ولم يتحقق له ذلك.

 

ولما دخلت البلاد مرحلة الانقسام السياسي عام 2014م كان القرار الوطني يحتضر، وطبيعي أن تدخل السيادة مرحلة الاحتضار لتعدد الشرعيات التي يسند كلا منها ظهير شعبي والتي أنتجت تعدد المؤسسات أو انقسامها.

 

ومثل الانقسام السياسي الثغرة التي سلب منها القرار الوطني للبلاد فمن البديهي عندما يدخل بلد ما في شرك الخلاف والانقسام يكون الباب مفتوحا على مصراعيه لكل من هب ودب التدخل في شؤونه، من أقوى الدول إلى أضعفها، وهو ما حدث تماما في بلدنا.

 

دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة وأصبحت الأخبار الرئيسية في الفضائيات المنقسمة أيضا تتحدث عن البعثة الأمم وماذا قالت وماذا فعلت، والأمم المتحدة تعني الدول التي تتحكم في العالم اليوم ومن خلالها يقتسمون المصالح ويوزعون الغنائم.

 

ثم ماذا؟ أنتجت البعثة الأممية في ليبيا عبر حوارها الطويل حكومة الوفاق الوطني التي استمدت شرعيتها من الأمم المتحدة، ولأنها استمدت شرعيتها من العالم كله إلا الليبيين فقد بات قرارها الوطني مسلوبا بالكامل إذ لا شرعية محلية تسندها وتتقوى بها، وقد بات العالم بأقطابه المختلفة يوجهها أينما أراد التوجيه، إما من خلالها أو من خلال القوى العسكرية المختلفة التي لا تخضع لها إلا شكلا، والتي تتواصل مع العالم مباشرة.

 

قد يبدو للقارئ أن الرافضين لهذه الحكومة مسلوبة القرار والسيادة خاصة من تيار العسكر يرفضونها لأنها غير شرعية أو أنها تستمد شرعيتها من غير الليبيين، لا وألف لا، فالرفض من قبلهم لا يعدو إلا أن يكون رفضا من قبل جهات إقليمية ودولية يتبعونها؛ أي أن رفضهم هو في حد ذاته قرار نابع من غيرهم، فهم قد سلبوا القرار كما سلب من إخوانهم.

 

وأمام هذه الحالة التي نعيشها اليوم من سلب القرار الوطني من كل السلطات عندنا لا يسع الليبيين إلا أن يفكروا في كيفية إعادته، وأول الطريق في ذلك هو الاجتماع الذي يعيد الرشد إلى عقولنا، عبر ثوابت وقيم يتفق عليها الجميع قولا وعملا، فمتى نجتمع؟، وأنّى نسعيد قرارنا الوطني؟

شاهد أيضاً

الملتقى الجامع .. آمال الانعقاد ومخاوف المخرجات

المبروك الهريش/ كاتب ليبي   يطرح المبعوث الأممي غسان سلامة مؤتمره الجامع وسط أزمة حادة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.