الأربعاء , 19 يونيو 2019
الرئيسية » مقالات » حتّى لا يُلقى الكلام على عواهنه ..

حتّى لا يُلقى الكلام على عواهنه ..

المبروك الهريش/ كاتب ليبي

من الرائع أن تطارح أفكارك وما تكتب مع الآخرين، فهذا يدل على أنها حرّكت راكدا وأثارت فكرا، وقد حرّك مقالي الأخير عن ذكرى الاستقلال صديقي محمد أبوفلغة، فكتب رادّا عليّ وناقدا لما كتبتُ وناقضا عنوان مقالي تماما، وهنا أشكر “ليبيا الخبر” على إتاحتها هذا البراح ليشاركنا فيه قراؤنا الأعزاء هذا النقاش، وها أنا أعلّق على ردّ العزيز أبوفلغة فأقول:

 

ليس كلّ مقالٍ يُقرأ من عنوانه، وأعتقد أن أبوفلغة استعجل فحكم على ما كتبت دون تروٍّ فأتى بردّ يدور في فلك ما كتبتُ ويقف حيث ما وقفتُ ولم يأتِ بطائل، وقد أشار إلى أن مقالي اشتمل على عللٍ جوهرية بيّنها، وسأتعقّب كلّ علّة لأزيد كلامي إيضاحا وبيانا.

 

فأما قوله: أني أسلط أضوائي على قضية الملكية شاهد صريحٌ على استعجاله الذي أدّاه إلى اعتلال فهمه لما كتبت، فإنما المقصود في المقال الاستقلال أساسا وغيره تبعٌ له، أما اعتباره أن العنوان يوحي بأن من انتزع الاستقلال وحرّر البلاد هو النظام الملكي فليرجع إلى معنى كلمة “إنجاز” في المعاجم ليجد أنها تعني الإتمام، وقد ذكرتُ في ثنايا المقال أن الاستقلال كان بمجهود الملك إدريس ورفاقه وأنه نتاج كفاح الأجداد، وبعد هذا التصريح فلا معنى لما قد يُفهم إيحاءً، وقد أقرّ الكاتب أن اعتلاء إدريس للعرش ملكا لليبيا كان شرطا لوفد برقة حتى تتحد الأقاليم الثلاثة وتنال استقلالها، وقد كان ذلك وبه مضى الاستقلال وبه أُنجز.

 

اعتبر الكاتب أن “انهيار” الاستقلال تعبيرٌ مجافٍ للصواب حيث أن الاستقلال ليس بناءً، وأعتقد أنه يعرف أنه تعبيرٌ مجازيٌّ صحيح، فهو الأساس الذي تبنى عليه الدولة ومتى انهار تداعت الدولة وانهارت، والاستقلال لا معنى ولا قيمة له ما لم يعبقه بناء للوطن والإنسان، يشارك فيه الشعب بأجمعه ليحقق هذا الاستقلالُ ثمرته وغايته.

 

ثم أشار إلى أنّ هناك خلطا في مقالي بين مفهوم الاستقلال ومفهوم السيادة، وقد بيّن الفرق بينهما، وهذا نصّ عبارته: “الاستقلال هو التحرر من أي سلطة خارجية، أما السيادة فهي قدرة الدولة على حكم نفسها بدون تدخل خارجي”، وأترك للقارئ أن يدرك الفرق الذي بينهما بحسب ما كتب إن وجده.

 

أما القول بأنّ ليبيا كانت مستقلة زمن المملكة ولكنها لم تكن ذات سيادة فهو تهوّر في إرسال الكلام على عواهنه، ولا أعتقد أن تأثير دولة ما هو انتهاك للسيادة، فليبيا كان لها دستورها وسلطاتها القائمة المحكومة به، وإن كانت العملية السياسية تنقصها التعددية الحزبية.

 

وأما قوله أن الحسّ الوطني لم يكن هشّا ولا ضعيفا خاصة في نهاية الستينات، بل كان في أوجه مستدلا بالحراك الطلابي والشبابي خاصة بين الأعوام 1964 إلى 1969، والذي كان غاضبا من النظام الملكي وتساهله مع الغرب – هذا القولُ فيه مغالطة؛ إذ إن المحرّك للطلبة والشباب في ذلك الوقت هو نداءات القومية التي اجتاحت الوطن العربي وصارت محور تفكير المجتمع، وصارت القُطرية التي تعتبر أهم خصائص الدول مرفوضة والدعوة للوحدوية رائجة، ولا شكّ أن النظام الملكي يعتبر عائقا أمام فكرة الوحدوية لذلك كان هناك رفض له، وهذا ما يفسر عداء جمال عبد الناصر لأغلب الأنظمة الملكية في الوطن العربي ودعمه للانقلاب عليها، وقد أقرّ الكاتب بأن هذه التظاهرات كانت دعما للتيار القومي وغالط بأنها تساند السيادة الوطنية، بل كانت تنادي بالوحدوية المصادمة للدولة القُطرية كما بينتُ آنفا، وأما قضية القواعد العسكرية فليس هذا مكان بيان سبب لجوء الملكية لاتفاقاتها ولا أعتقد أن الكاتب تخفى عليه ملابساتها.

 

أما عدم فهمه لخسارة الاستقلال بانقلاب القذافي، فالقصد منه -وهو واضح لمن تمهّل- وَأْدُ الدولة التي كان ينشدها الليبيون بنيل استقلالهم، دولة المؤسسات والقانون، التي لها دستورها الذي ينظمها ويمثل عقدها الاجتماعي، وقد خسر الليبيون هذه المكاسب بانقلاب سبتمبر، وأصبحوا يعيشون في أطلال دولة محكومة بأشرس أنواع الشمولية الفردية المطلقة، لا سيادة ولا حرية ولا كرامة للشعب فيها، وأستغربُ من اعتبار الكاتب حفاظ نظام سبتمبر على وحدة ليبيا إنجازا، وهو الذي أنهك الشعب في مغامرات أوغندا وتشاد وبعثر أمواله في أوهام الوحدوية والأممية، يحكم بالحديد والنار وينكل بكل من يهمس بكلمة معارضة، والأغرب من ذلك أن يعتبر خروج القواعد العسكرية من ليبيا طرداً من قِبل هذا النظام، وإنما خرجت لانتهاء أجَل بقائها.

 

ليبيا في عهد القذافي لم تفقد استقلالها وسيادتها فحسب، بل فقدت كيانها واضطربت هويتُها وخفتَ حسّ الانتماء إليها من قبل أبنائها، وجلّلها العقيد بعبائته القاتمة وكتم أنفاسها وجثم عليها أربعة عقود وهي تئنّ وكادت أن يتوقف نبضها لو انتفاضة فبراير.

 

ما أريد أن أختم به هو: أن الاستقلال ليس بتحرر البلاد ونيل حرّيتها فقط، بل هو بضمان استمرار هذا الاستقلال وبقائه، وهذا ما قصّر فيه النظام الملكي حين جمّد الأحزاب التي تمثل أساس الحياة السياسية التي تتدافع فيها تيارات المجتمع لتحقق مفهوم السيادة الذي هو ثمرة الاستقلال وغايتُه، ونحن اليوم بعد فبراير بحاجة لإدراك هذه المعاني وتجسيدها من خلال تعايشنا مع اختلافاتنا وقبولنا للآخر واحترامنا وخضوعنا للدستور والقانون، والتزامنا بآليات التداول السلمي على السلطة من خلال مؤسساتها.

شاهد أيضاً

هل تحث ليبيا الخطى إلى التقسيم؟

رشيد خشانة/ صحفي وكاتب تونسي لعل من أكثر الأسئلة شيوعا، هذه الأيام، في الأوساط الأكاديمية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.