الجمعة , 14 ديسمبر 2018
الرئيسية » مقالات » الجماعة ومغامرة السياسة

الجماعة ومغامرة السياسة

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

 

لا يستطيع المتابع للمشهد الليبي أن يتجاوز حالة التجاذب بين جماعة الإخوان المسلمين الليبية وحزب العدالة والبناء، ورفض الأخير ما سمّاه محاولة الجماعة الاستحواذ على الحزب والسيطرة على القرار فيه بما يخالف نظامه الأساسي الذي ينص على استقلاليته عن الجماعة –حسب بيان دائرة الإعلام في الحزب-.

 

حدث هذا نتيجة ما سُرِّب عن إصدار الجماعة بياناً داخلياً تحرّض فيه أعضاءها المنتسبين لحزب العدالة والبناء على تجديد عضويتهم استعداداً للانتخابات الداخلية للحزب والتي ستفرز قيادة جديدة له بعد إعلان رئيسه الحالي “محمد صوّان” رفضه التمديد لنفسه أو ترشيح نفسه مرة أخرى لرئاسة الحزب، وهذا يشير بوضوح إلى نية الجماعة العودة بقوة إلى معترك السياسة خاصة وأن البلاد مقبلة على انتخابات عامة محتملة العام القادم.

 

حالة التجاذب التي ربما بلغت درجة من الحدّة غير خافية بين قيادة الحزب والجماعة تؤكد بصدق اختلاف التوجه السياسي وعمق الخلاف بينهما، وأن قيادة الحزب مستقلةٌ في قرارها بعكس ما يروّج له المناوئون للحزب ومواقفه من التيارات الأخرى، وعند البحث عن جذور الخلاف نجده بدأ منذ انخراط الحزب في مسار الحوار الذي بدأ أواخر سنة 2014، حيث أدركت قيادة الحزب من خلال تعاطيها مع الواقع ضرورة هذه الخطوة للبقاء بفاعلية في المشهد بينما رفض الطيف الأوسع من الجماعة هذه الخطوة مما أدى إلى تصدعات وشروخ كادت تودي بالحزب لولا تماسك قيادته وحسن استثمارها للإمكانات المتاحة لديها على الصعيد السياسي الذي يعتبر نجاحاً هاماً إذا قورن بما آلت إليه غيره من الأحزاب.

 

استقال بعض أعضاء الجماعة الرافضين لتوجه الحزب المنحاز لمسار الحوار وآثر آخرون الانعزال ليشاهدوا ما يؤول إليه الحزب، والذي تمكن من البقاء في المشهد كأكثر الأحزاب تأثيراً وأقدرهم مرونة على التعاطي مع المتغيرات السياسية.

 

وبإعلان قيادة الحزب الحالية عدم ترشحها مرة أخرى يبدو أن الجماعة تريد العودة إلى المشهد السياسي مرة أخرى من بوابة حزب العدالة والبناء التي ساهمت في تأسيسه، والذي له الرصيد الأكبر بين الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة، ولكن يبدو أنها هذه المرة تريد العودة بسيطرة أكبر على الحزب وعلى قراره السياسي، وهنا لا بد من التساؤل هل الجماعة بوضعها الحالي قادرة على خوض غمار السياسة والتأثير في المشهد الوطني؟

 

بعيداً عن الخطاب المعادي للجماعة الذي يصورها محوراً للشرّ وأصلاً للبلاء، فإن كل منصف يدرك أن أدبيات جماعة الإخوان المسلمين هي أكثر أدبيات الحركات الإسلامية اعتدالاً ومرونة وتجاوباً مع الواقع وتأصيلاً له، إلا أن الحالة الخاصة بكل بلدٍ يوجد فيه من ينتمي لفكر هذه الجماعة تفرض عليهم أن تكون لهم مرجعيتهم الفكرية المستقلة القادرة على التعاطي مع واقعه بما يحقق رؤيتهم المنسجمة مع المصلحة الوطنية والمؤطّرة في إطارها.

 

والناظر لحال جماعة الإخوان المسلمين الليبية لا يخفى عليه انعدام هذه المرجعية الذي انعكس تيهاً وشتاتاً بين أفرادها، وغياباً لنشاطها الدعويّ وتأثيرها في المجتمع، بل بعبارة صريحة وواضحة يستغرب المتابع لحال الجماعة كيف يعتبر كثير من أعضائها دار الإفتاء مرجعيته وهي التي يرفض مفتيها فكرة وجود الجماعة أصلاً، كما أن نهج الجماعة -في عمومه- يشبه نهج دار الإفتاء في التعاطي مع الشأن السياسي، وهو نهجٌ مربكٌ لكل من يتبناه لعجزه عن التعاطي مع الواقع، فالعمل السياسي لا ينطلق من مبدأ الحق والباطل الذي لا يخفى على أحد، بل العمل السياسي يسعى لدفع الضرر ودرء المفسدة وجلب المصلحة، وموازنة المفاسد والمصالح واعتبار المآلات، وهذا التعاطي هو ما يفرضه الواقع السياسي، وهذا ما تعجز الجماعة عن الوصول إليه في تعاطيها الشأنَ السياسي ويجعلها معزولةً عن الواقع غير قادرةٍ على التأثير فيه.

 

كما أن ضمور النشاط الدعوي للجماعة وغياب خطابها جعل قاعدتها محدودة جداً وغير مؤثرة، إضافةً إلى أن الدعاية الشرسة الموجهة ضدها جعلت صورتها النمطية في أذهان الناس مقترنة بالرفض مما يجعل فرص نجاحها مجتمعياً ضئيلةً جداً، إضافة إلى ذلك فإن كثيراً من وجوه الجماعة البارزة بعيدةٌ تماماً عن واقع الحالة الليبية، وهي غير مستعدة للتخلي عن حياة الترف التي تحياها متنقلةً بين عواصم عدّة منشغلة عن الشأن الوطني، لذلك فإن تأثير هؤلاء على قرار الجماعة فيما يخص الشأن الوطني سيكون غالباً مجافياً لما يتطلبه الواقع لبعدهم عنه.

 

إن ما تحتاجه الجماعة ليس مجرد مراجعات وهيكلة جديدة، إنها في حاجة ملحة إلى إعادة تأصيل يعتبرُ الواقع ويتفهمه جيدا ويبني من خلاله كوادره بعيداً عن خطاب العاطفة والاتكاء على الرصيد الفكري للجماعة في أقطار أخرى.

 

إن تقحّم الجماعة للمشهد السياسي بهذا التيه والعجز والعزلة سيكرّس حالة الرفض المجتمعية المقترنة بها، وستكون عواقبه مدمّرة على الحزب الذي استطاع أن ينجو وينجح في أخطر وأصعب المنعطفات السياسية التي شهدتها الساحة الوطنية وأثبت أنه عنصر توازن مهم في العملية السياسية وثقل اعتدال لا يمكن تجاوزه، كما أن أي شخصية تدفع بها الجماعة في حالتها هذه لقيادة الحزب مهما كان لهذه الشخصية من قدرات القيادة ورصيد الخبرة ستكون مكبلة بقيود فوضى المرجعية ومشوشة بضبابية الرؤية التي تعانيها الجماعة مما سينعكس سلباً على أدائها السياسي والحزب بشكل عام.

شاهد أيضاً

هل ستنقذ حزمة الإصلاحات الاقتصادية الليبيين من الفقر؟

صقر الجيباني/ أكاديمي ليبي   الفقر هوأم المشاكل وأب الأزمات والفقر الذي تعانيه أغلبية الأفراد …

3 تعليقات

  1. هذا الكلام تدخل سلبي في شأن مؤسستين ما يجمع بينهن أكثر مما يفرق ..المؤسسة الأولى سبب في وجود الثانية و أعضاء الثانية أغلبهم من الأولى ..و بالتالي فإن محاولة تضخيم بعض الإشكالات العادية-هي من بتب صب الزيت على النار- كما أن توظيفها بشكل مغرض لضرب أحدهما بالآخر أمر لا أشك أنه يدخل في إطار حملات التشويه للإخوان والتحريض ولا يخدم سوى أجندة الإنقلابات العسكرية المدعومة من الإمارات والسعودية ، والتي يمثلها في ليبيا حفتر و غيره من أصحاب المصلحة في القضاء على التيار الوسطي وتمظهراته المختلفة …
    مسألة ضعف الإخوان وغيابهم عن الساحة ،مسألة طبيعية في ظل التضييق والإقصاء و المطاردة وتجنيد عملاء المخابرات -مداخلة و كرامة و قبلية متعصبة -ولكن هم موجودون ويكفي أن بعضالشخصيات في الحزب أهتزت لمجرد بيان ،فصنعت منه زوبعة ولو كانت هذه الشخصيات تحترم العمل المؤسسي وتثق في نفسها لأدركت أن هذا حق المؤسسة الأم في مخاطبة أعضائها و هو أمر طبيعي يقومون هم به في كل الإنتخابات .فالتحشيد لشخص مرشح والدعاية الإنتخابية جزء من اللعبة الديمقراطية .وهو في نهاية المطاف لا يفرض شيء على أحد ولكل عضو أن يختار من شاء .أليس صوان من الإخوان والمشري كذلك ،هل فرض عليهم اختيار اسم معين ؟! تصوير أن الإخوان يريدون السيطرة ،أمر غير صحيح ،وأنهم يريدون أن يلغوا مكتسبات و يمارسوا تشدد وأنهم تبع للمفتي ،وكل هذا الكلام هو مجرد هراء ودعاية رخيصة لطرف يريد الكاتب أن يظهره بدون وجه حق .
    ما يحث ببساطة هو مجرد ممارسة للعملية الديمقراطية و تجسيد لاختلاف الآراء و التعددية المطلوبة ،مالم يتدخل أصحاب المصالح والمغرضين من أجل التوظيف و تكبير الشورخ .

  2. الكاتب يبدوا انه غفل او لايعلم ان قيادة الحزب التي قادة المرحلة حتى اليوم هي ايضا من الاخوان —فالاخوان يتعاطون في السياسة —–
    بنظرهم لدفع الضرر ودرء المفسدة وجلب المصلحة، وموازنة المفاسد والمصالح واعتبار المآلات–وهذه هي ثقافتهم وهذا من ادبياتهم في المحال العام -بل هذا من اسس تربيتهم

  3. عبدالله المغربي

    كاتب المقال يحاول أن يفهنا عبثا أن الجماعة تريد أن تستولي على الحزب الذي هي من أرادته أن يكون مستقلا وأن الحزب قد نجح سياسيا بقيادته الحكيمة التي هي من الإخوان الذين لا يفقهون السياسة!!!
    محاولة مرتبكة من الكاتب لضرب مؤسسة عريقة لولاها لما كان للحزب وجود ولابقاء والمنصفون من أبناء الحزب يعرفون ذلك جديدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.