الجمعة , 14 ديسمبر 2018
الرئيسية » مقالات » الإخوان وصراع الأجنحة… مدخل تاريخي لأثر صراع الأجنحة على أداء الإخوان

الإخوان وصراع الأجنحة… مدخل تاريخي لأثر صراع الأجنحة على أداء الإخوان

صلاح الشلوي/ كاتب ليبي

 

عند النظر إلى حركة المجموعات البشرية من خلال وجهة نظر فرع من فروع المعارف الإنسانية المختصة بدراسة ظاهرة الاجتماع الإنساني، وهو فرع علم ( السلوك التنظيمي Organizational Behavior ) نجد أنه يوفر لنا أدوات بحثية غاية في الدقة الوصفية من جانب والموضوعية من جانب أخر.

.

حيث يطرح في داخل هذا الفرع المعرفي حزمة من التساؤلات حول:

الطبيعة الاجتماعية للكائن البشري، وبواعثها، ضمن هرم ماسلو( maslow’s hierarchy ) للحاجات الأساسية والتكميلية، لشرح الدوافع، والحقيقة أن الغزالي سبق ماسلو في توصيف تلك النوازع البشرية وتشبيهها بالقوة السبعية للتعبير عن الغضب والصولة والمطاولة، والقوة الكلبية للتعبير عن الحرص والوفاء، والقوة القردية للتعبير عن الخفة والقوة الطاووسية للتعبير عن الخيلاء والكبر، وهكذا في محاولة لترتيب النوازع، وإلى هنا لا يوجد أي إشكال في وجود تلك النوازع أو القوى أو الشعور بالحاجات أساسية كانت أم تكميلية، ولكن عندما يختلط الإنسان بغيره من البشر تبدأ تلك القوى في التفاعل البيني، بين فعل ورد فعل بقدر ما، فينشأ عن تلك الأفعال وردودها شبكة معقدة من العلاقات البينية، وتتسع حتى تصل في نهاية رأس هرم التطور الإجتماعي إلى تكوين مجموعة ثم فريق ثم مجتمع.

؛،؛،؛

وهنا يسلط علم السلوك التنظيمي الضوء على نشأة المجموعة ( The Group ) ويرصد تطورها وجملة التحولات التي تطرأ عليها منذ لحظة نشأتها مرورا بأطوار ترعرها أو ضعفها أو تفككها أو انشطارها إلى مجموعات أصغر أو اندماجها مع مجموعات أخرى لتكوين مجموعات أكبر حتى تضخمت مباحث دراسة المجموعات مع تزايد أهميته خاصة في مجال إدارة الأعمال فصار يوصف هذا الجزء بوصف خاص( دينمائية المجموعات Group dynamics ) وصار علما على النظم الفرعية ذات العلاقة بالجوانب النفسية والثقافية والأيديولوجيا والعرقية والسياسية والاجتماعية والفئوية والجهوية الجغرافية، كل هذه الجوانب تدخلت وأسهمت بشكل أو بآخر وبدرجة أو بأخرى في نشأة المجموعات البشرية الوظيفية المختلفة، وصار من الضروري عند تناول أي مجموعة بشرية صغيرة كانت أم كبيرة مراعاة أسس هذا الفرع المعرفي في فهم محركاتها وأسباب بقائها أو فنائها أو تطورها أو سقوطها، في الغالب يوجد تفسير لكل سلوك تبديه المجموعة، وهناك قواعد وقوانين اجتماعية رصدت كضوابط لسلوك تلك المجموعات..

.

فبينما تتوافر في وقت ما أسباب عدة لولادة مجموعة ما فإنها تستمر في النمو ما لم يعترض العمليات الحيوية لنموها عارض من عوارض الاعتلال والمرض، ويمكن أن تعالج منها ويمكن أن يستشري فيها ويضعفها أو قد يقضى عليها تماما وتصبح خبرا بعد عين، وهنا قد لا يلزم الاستطراد وراء الحالات الدراسية التي عرضها القرآن الكريم في ذكر مجموعات بادت بل حضارات سقطت وانمحت من على الخارطة بالكامل.

.

تنشأ أي مجموعة فتية قوية، وتعتمد في نشأتها الحيوية على جملة أسباب، ثم ما تلبث أن تمر بمنعطفات الصراع الاجتماعي على عدة موارد محدودة على رأسها السلطة ثم المال ثم الترف، فيتحول أعضاء المجموعة الواحدة إلى شركاء متشاكسون على الفرص المحدودة المتاحة أمامهم، وتبدأ عملية فرز طبيعي وتمر المجموعة هنا عبر سلسلة من الاستقطابات على أسس مختلفة معنوية ومادية، وتتباين وجهات النظر والأفكار أو تتباين المصالح والاعتبارات، وتتعدد مناحي التهديد وتخلتف طرق الاستجابة للتحديات، وبالتالي تفقد المجموعة المتجانسة الواحدة بعض عوامل وحدة تجانسها، ويتمايز أعضاءها إلى مجموعات عدة بدل البقاء في حالة سائبة داخل المجموعة، ومع الوقت تتطور إلى أجنحة متصارعة متطاحنة على مصالح متناقضة أو أيديولوجيات متعاكسه.

.

الحقيقة بدون استثناء يذكر مرت كل المجموعات البشرية بأحجامها المختلفة بهذه الدينمائية الطبيعية، وخضعت لعين الدوافع التي خضعت لها بقية المجموعات، وتأثرت بنفس الكيفية التي تأثرت بها المجموعات الأخرى، فمثلا كل المجموعات بمجرد أن تهب عليها رياح التغيير يقاوم بعض عناصرها أو أعضاءها ذلك التغير لسبب أو لأخر، بعضها أسباب معنوية وبعضها أسباب مادية صرفة.

؛،؛،؛

حتى المجتمعات البشرية التي ظهرت فيها الديانات السماوية حصل لها نفس الشيء، ومن هنا يفيد علم السلوك التنظيمي في تحليل المجموعة البشرية وتفسير وجودها وسلوكها بعد ذلك، وتتبع تطور النشأة في جميع أطوارها من قوة إلى ضعف إلى قوة إلى اضمحلال إلى أفول وافناء واختفاء تام ربما، على أساس قوانين وأسباب العافية وعلل المرض والقوة والضعف، ليس هناك حتمية كما يذهب إلى ذلك الماديون وعلى رأسهم ابن خلدون في تفسيره لحركة الأمم والحضارات.

؛،؛،

هذه المقدمة خلتها مهمة كمدخل لدراسة ظاهرة صراع الأجنحة في حركة الإخوان المسلمين كمجموعة بشرية يسرى عليها ما يسرى على سواها من المجموعات البشرية، وكمحاولة منهجية أن لا يكون تناول ظاهرة صراع الأجنحة في الجماعة مادة للطعن فيها بمقدار ما يسهم في فهم سلوكها العام منذ النشأة حتى اللحظة الحاضرة، وعدم الانسياق وراء ما كتب عنها من خلال الكتابات التي كانت إما مناهج تدريب أمني لقيادات الأجهزة الأمنية التي أنيط دور وعملية مكافحة ومواجهة الجماعة خاصة إبان الحقبة الناصرية، وكيف صدرت تلك المناهج لبقية الدول العربية، ثم كيف تسللت إلى عالم الكتابة لتتحول إلى مادة لتوجيه الرأى العام، وبعض تلك الكتابات كان بدافع الاختلاف الإيديولوجيا على أيدي أمثال محمد قطب فيما أسهب بكتابته في واقعنا المعاصر، أو ما كتبته الجماعات الجهادية عنها مثل كتاب الحصاد المر للظواهري أو مقالات وقصاصات كتبت من قبل التيار الوهابي المناكف لفكر الجماعة، أو بعض المنافسين أمثال حسن الترابي المنشق عن إخوان السودان أو المنصفين المعتدلين ممن كتبوا بطرق موضوعية نقدية.

؛،؛،

هنا من المهم أن التعرض بالشرح لظاهرة أجنحة الإخوان المتصارعة منذ نشأتها وعبر تطوراتها وتقلباتها ووتأثيرها على سلوكيات الجماعة من خلال خمسة حالات دراسة في خمسة مناطق رئيسية هي مصر، سوريا، العراق، الأردن، الجزائر، السودان، ومنطقتين فرعيتين هما لبنان والخليج. ثم الحلقة الأخيرة ليبيا.

؛آ؛آ؛

وسيكون المقال القادم عن نشأة الأجنحة المتصارعة في بلد النشأة مصر، وكذلك في سوريا.

مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن هذه ليست دراسة بل مقالة.

شاهد أيضاً

هل ستنقذ حزمة الإصلاحات الاقتصادية الليبيين من الفقر؟

صقر الجيباني/ أكاديمي ليبي   الفقر هوأم المشاكل وأب الأزمات والفقر الذي تعانيه أغلبية الأفراد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.