الأحد , 18 نوفمبر 2018
الرئيسية » مقالات » ضعفُ اللغة.. الخلل والعلاج؟

ضعفُ اللغة.. الخلل والعلاج؟

أبوبكر بلال/ كاتب ليبي

 

لم يعد خافيًا على أحد المستوى المتدني الذي وصلت إليه اللغة العربية في بلادنا قراءة وكتابة، وهو مستوى غير بعيد عما وصلت إليه الحالة ذاتها في عديد الدول العربية الأخرى، مع فارق طفيف بين دولة ودولة، إذ طالت هذه الحالة غير المرضية التي وصلتها اللغة في بلادنا كل المراحل التعليمية بدءا من المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الجامعية التي خرجت معلمين يستودعون الناشئة ضعفهم اللغوي، بل طالت حتى مرحلة الدراسات العليا التي بدورها باتت تخرج أساتذة جامعات ضعاف في مكتوبهم ومقروئهم، ليس ذلك فحسب بل تعدَّى الأمرُ كل شرائح المجتمع المهنية فأصبح المستوى اللغوي المتدني سمة واضحة للمجتمع كله.

 

ومما لا شك فيه أن الديكتاتورية التي حكمت البلد لمدة أربع عقود كانت السبب الرئيس في الحالة التي وصل إليها التعليم واللغة العربية على وجه الخصوص؛ إذ لا يخفى أن الاستبداد يعني الفساد والفوضى والتخلف في كل مناحي الحياة، مع اعتبار الفارق بين استبداد واستبداد آخر، فكلما كان الاستبداد شديدا كان التخلف أعم وأشمل، لذلك نلحظ فوارق عدة بين مستوى التعليم واللغة على وجه الخصوص في بلدين تحكمهما الديكتاتوريات نفسها، فضلا عن الفوارق بين مختلف مجالات الحياة الأخرى، إذ أن الشغل الأهم الذي يشغل الديكتاتوريات هي تثبيت حكمها وقمع أي معارضة قد تنشأ هنا أو هناك ومراقبة الأنشطة العلمية والثقافية التي قد تتطور مستقبلا إلى حركة سياسية تهدد وجود الاستبداد، كل ذلك على حساب إدارة الحياة ومناحيها المختلفة والعمل على تطويرها وصولا إلى نتاج مرضٍ وسليم يعود بالخير والفلاح على عموم الشعوب، وفي مقدمتها مجال التعليم.

 

ضرب الفساد والتخلف الذي أنتجه الاستبداد في بلادنا التعليم بكامل مستوياته ومراحله وفي مقدمته اللغة العربية وسيلة التخاطب ومفتاح العلوم فقدم لنا معلما مفتقدا لأساسيات اللغة فضلا عن قصوره في قراءتها وكتابتها، كما قدم لنا مناهج ذات مداخل غير سليمة تصعب على إدراك الطلاب فضلا عن التشويش الذي يصيبهم بسبب غموضها وعدم ترتيب موضوعاتها ترتيبا سليما يتدرج بالطلاب ويرتقي بهم سلم العلم درجة درجة.

 

لذلك كله لم تكن هنالك خارطة سليمة في مناهج اللغة تيسر على الطلاب وتختصر المسافة عليهم وتدفعهم إلى قبولها بصدر رحب، فالطالب طوال فترة تلقيه الدرس، وذهنه يفيض بالأسئلة، وتنهمر عليه الاستفهامات التي تتكفل الخارطة الواضحة السليمة إن وجدت بالإجابة عليها فضلا عن مساهمة المعلم فيها.

 

إن أي بداية لمسيرة تعليمية دون رؤية واضحة لمفرداته ودروسه من شأنها أن تصد المتلقي عن إتمام المسيرة أو أن يتلقاه شائكا مشوشا قد يستطيع حل تعقيداته فيما بعد لكنه كما تلقاه معقدا سيؤديه معقدا، وهذا أحد العوامل الرئيسة التي أدت إلى حال اللغة والتعليم اليوم.

 

في بعض مناهج النحو ـ مثلا ـ نجد أن دروسها تستفتح بدرس الفعل، وأن الفعل منقسم إلى ماض ومضارع وأمر، وهذا مثال حي على خلل الخارطة وغموضها، فالمتلقي الخالي الذهن بهذه البداية الغريبة يظل يتساءل ما الفعل وما الماضي وما المضارع وما الأمر؟ فإما أن يستأنف ويصارع هذه الضبابية حتى يصل بعد تشويش وتعقيد، وإما أن يصد عنه ويرتد.

 

وخير مثال للمنهج السليم والخارطة الصحيحة لعلم النحو هو كتاب الآجروميَّةُ وشروحها التي تجيب على تساؤلات الطالب لحظة بلحظة فتبدأ بتعريف كلمة النحو في اللغة والاصطلاح وما موضوع هذا العلم ولماذا ندرسه ومن واضعه ومن أين استُمدّ وما حكم الشارع في تعلمه وغيرها من مفاتيح العلم.

 

ثم إن اللغة تتكون من كلام والكلمة في اللغة العربية تنقسم إلى اسم وفعل وحرف ثم كيف نميز كل قسم عن الآخر، حتى يصل الطالب إلى مقصوده عبر هذه الرؤية الواضحة دون عناء أو صدود، ويصل التعليم واللغة إلى نتيجة مرضية.

 

وقبل هذه المناهج السليمة التي تتدرج بالطلاب نحو المقصود ينبغي أن يتوافر مخزون من اللغة لديهم وأن يشرعوا في كتابته وقراءته، فالمران على اللغة كتابة وقراءة ييسر القواعد ويسهل على الطلاب فهمها وتلقيها فيما بعد، لذلك فإن الطلاب الذين يدرسون في مراكز تحفيظ القرآن الكريم يتفوقون على الطلاب المكتفين بالتعليم الرسمي فقط في مستواهم اللغوي، ولتفادي إخراج جيل آخر بالمستوى اللغوي الضعيف نفسه ينبغي أن يكون هناك مقرر دسم للمحفوظات قراءة وكتابة؛ كالقرآن لكريم والحديث النبوي الشريف والشعر والنثر ليرتفع المستوى اللغوي للأجيال القادمة.

شاهد أيضاً

 ما الذي أسفر عنه باليرمو؟

أبو بكر بلال/ كاتب ليبي   بدا واضحا أن مؤتمر باليرمو لم يحقق أي شيء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.