الأحد , 18 نوفمبر 2018
الرئيسية » مقالات » ليبيا المنتحرة بمتلازمة الإقصاء

ليبيا المنتحرة بمتلازمة الإقصاء

إبراهيم موسى قرادة/ كاتب ليبي

وزير تونسي يهودي هو “روني الطرابلسي” في التعديل الوزاري الجديد في تونس. (من أصول أو أثر ليبي كما ينبئ لقبه). فلماذا لا نفكر بصورة اوسع وأعمق في الاختلالات؟ وهل نرى وزير ليبي يهودي؟ هل بالإمكان التعلم من تونس؟

 

دائماً، من وقت إلى وقت تبهرنا تونس، بعضنا يوافق وبعضنا يرفض، غير أن هناك الكثير لتعلمه من التوانسة، وخصوصاً أنهم شعب شقيق، ومن أقرب الشعوب ترابطاً واشتراكاً وتشابهاً مع الليبيين.

 

ورغم ذلك يخالف الليبيون التونسيين. ففي حين تحاول تونس جاهدة ضم واحتواء كل مكوناتها وتنوعاتها الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية، يصر الليبيون بعناد محير على السير قهقرياً نحو التخلف والانغلاق، وعكس مسار التطور الإنساني الحتمي، والذي لا محالة متحقق، بتعمد سياسات القهر والاضطهاد والمغالبة ضد الأضعف عدديا، عبر التهميش والإقصاء والإلغاء.

 

وحتى لا يكون الكلام مجرداً، قد يفهمه البعض تحاملاً وجلداً للذات، فمن أمثلة الحيف الليبي الأصيل:

– رفض منح الجنسية الليبية لبنات وأبناء الليبيات المتزوجات من غير الليبيين، وبعضهم عاش طويلاً في ليبيا، ولا يعرف موطناً وانتماءً غير ليبيا.

– رفض منح الجنسية للمقيمين في ليبيا، وبعضهم أقام لعقود طويلة في ليبيا، وتشرب الثقافة الليبية، وعمل في ليبيا بجد واجتهاد.

– ممانعة وعرقلة المكونات الليبية من غير العرب، الأمازيغ والتبو، من نيل كامل حقوق المواطنة الثقافية والسياسية، رغم أنهم يؤدون ويقومون بواجباتهم الوطنية كغيرهم من المواطنين.

– مماطلة وتأخير وتسييس إجراءات جنسية أعداد من الطوارق والتبو الليبيين، رغم سكنهم في ليبيا لعقود طويلة وانخراطهم في أجهزة الدولة.

– مطاردة والتضييق على الليبيين المزدوجي الجنسية، وإلصاق التهم وإخراجهم من الانتماء الليبي.

– ممارسة الترفع لدرجة التمييز السلبي ضد الليبيين العائدين من المهجر، وبعضهم له عشرات العقود (عشرات من رموز ليبيا عاشوا في المهجر كالملك إدريس والباروني والسعداوي والطاهر الزاوي…)

– إهمال والتعالي على عشرات القبائل والمدن الصغيرة، كأن أبنائها من طبقة الأتباع، ضمن وحسب تصنيف القبائل القوية الشريفة.

– الترفع والتعدي واستصغار عشرات الفئات المجتمعية من ذوي الاحتياجات الخاصة أو الظروف المجتمعية الصعبة. (يشمل ذلك معاملة البعض القاسية للعمالة الوافدة والمهاجرين)

– ومن ذلك طرد وخروج يهود ليبيا من ليبيا  بحجة أنهم خرجوا طوعاً لا تصمد. وجدلاً، فلو هاجر بعضهم طوعاً، إلا أن المعروف أن الكثير تم إرغامهم على الخروج من ليبيا. كما أن لا أحد يملك وطنياً وأخلاقياً وقانوناً (سواء محلي أو دولي) يملك حق سبغ أو سحب الانتماء الليبي جماعياً وفردياً.

 

مجموع هذه التنوعات المجتمعية ليس ولن يكون صغيراً لا في العدد والتأثير، وقد يتجاوز نسب مئوية معتبرة. وإخراجها من معادلة الوطن والدولة، إذا كان ممكنا بالاستقواء والتغول، غير هذه التنوعات ستجد وسائل للمقاومة والانتقام، والذي سيدفع الجميع ثمنه في مزيد من التخلف والفوضى والخسران.

 

مثال حاضر وجلي، هو عدم تسوية وتطبيع أوضاع العديد من الطوارق والتبو وعدم منحهم أوراق المواطنة الثبوتية سينتج عنه مضاعفات جدية، نرى بعضها في جنوبنا. فعدم التسوية سينتج عنه شعور سلبي منهم اتجاه الوطن والدولة الليبية، وسيلجأون إلى كل ما يمكنهم من أجل تسوية أوضاعهم. وقد يضطر بعضهم إلى الاستعانة بامتداداتهم الاجتماعية أو بدول خارجية لتحقيق التوازن وضمان الحماية. وكذلك فتح باب تسوية الأوضاع سيوفر فرصة فرز المستحقين من المدعين، الذين يستغلون حالة الارتباك الراهنة. مع الاعتبار، أن القوانين الإنسانية والدولية ستحكم في صالح تسوية أوضاعهم. أرجو أن لا يفهم ما سبق بأنه دعوة لانفلات الأمور بل المعالجة القانونية المنضبطة كما هو معمول به لدى الدول الواعية.

 

التساؤل، هل الليبيين أذكى وأحرص من الأمريكان الشماليين والجنوبيين والأوروبيين الغربيين والشرقيين والأتراك وباقي الدول الأفريقية والآسيوية، الذين لا يعرفون الصواب من الخطأ والمفيد من المضر؟ فقط، هي الشعوب البداونية المتضخمة بالنقاء الهوياتي والطهارة العرقية والتسامي الطبقي التي تقترف ذلك، والتي لن تتوقف تلقائياً حتى الفناء اندثاراً، ما لم نتعلم ونطبق التضامن والتكافل والتشارك.

 

وبالمناسبة، فمشروع الدستور الليبي المقترح مليء حد التخمة بالجمود والانغلاقية والتضيقات والقيود غير الواقعية واللاعملية، والمجافية لمباديء الإنسانية والمواطنية، والمنافية لشروط المتطلبات المستقبلية والمرونة حسب مقتضيات الضرورة، مما يجعلها سبباً لتوالد الأزمات المتكررة بدلاً من أن يكون منظماً وناظماً وضامناً مطئمناً.

 

وأخيراً، نحن بحاجة لنفض غبار الوهم ودخان الغرور وبخار العجرفة، بأننا شعب مختار وبديع وعبقري واستثنائي يختلف عن باقي الشعوب. نعم نحن شعب عريق وكريم غير أن الرقي والجدارة ليست اجترار “هدرزة” ذاتية، بل ما نعيشه اليوم من عجز وضعف، وما ينتظرنا من تحديات مستقبلية تواجه الأجيال الحاضرة والقادمة. فليس كافياً ما نعتقده في أنفسنا، بل وأيضاً كيف وأين يصنفنا العالم، قريبه وبعيده.

 

مسائل عديدة في تصوراتنا وسلوكياتنا تحتاج للتفكير، إما لأنها غير واقعية أو أن الزمن عفى عليها. علينا أن نفتح عقولنا من أجل النجاة، فالذي لا يتطور يفنى، ولن تجدي معلقات البكاء. فلماذا لا نفكر، مع ضرورة الإبعاد العمدي المزيدات والتشنجات والشطحات الغوغائية والديماغوجية الصادرة عن المغرضين، والتي تغرقنا بصراخها الأجوف في الوحل.

 

المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك

شاهد أيضاً

 ما الذي أسفر عنه باليرمو؟

أبو بكر بلال/ كاتب ليبي   بدا واضحا أن مؤتمر باليرمو لم يحقق أي شيء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.