الأحد , 18 نوفمبر 2018
الرئيسية » مقالات » -شيء- قصة قصيرة

-شيء- قصة قصيرة

آية دخيل/ كاتبة ليبية

مثل ظلّ يخلقه ابتعاد الشّمس وغيابها، يزحف ببطء إليك، إلى الأماكن المنيرة فيك، يتسلّل عبر مخاوفك وشكوكك مثل شقوق يعبر منها إلى قلبك وروحك، يغطّيك فتلتحفه مضطرا من شدّة الوحشة الّتي تهب عليك كريح باردة مجنونة، تنخر عظامك وتعمل في كل خليّة من خلاياك أنيابها، ولا تعرف من بعد غطاءً غيره، وتنسى كلّ ما كان يوما قبل هذه الظّلمة الّتي حلّت بك، هذه الّلعنة الّتي نزلت عليك، تراقب من مكانك كلّ الناس حولك بشموسهم الّتي تحجبها عنك عزلتك وسعادتك المزيّفة، أنت فقط وحيد، ولا تدري كيف تقولها للآخرين! تنصرف عنهم متعذّرا بوقتك الضّيق، وأعمالك الّتي لا تنتهي، لألّا يحسبك أحدهم فقيرا إليهم، محتاجا لهم، أنت لست بائسا إلى هذه الدّرجة، بل أنت أكثر بؤسا، تلتصق بالفراش تبكي حزنك لثلاثة أيّام متتالية، تلتصق به حتّى تكاد تكون جزءً منه، قطعة أثاث في المنزل، يغطيّها الغبار والإهمال، تنسى صوتك فلا أحد لتكلّمه، فتقرّر أن تكلّم نفسك ثم تصمت من فرط الدموع الّتي تملأ حلقك لأنك تخاف أن تصاب بالجنون، تنظر إلى المرآة باستمرار مذعورا، متوجّسا في كل مرّة من أن تنظر إليها ولا تجد أيّ شيء، تخاف أن تنسى وجودك أيضا، وتتحوّل دون أن تشعر إلى امتداد للخواء الّذي يملأ جوفك، يتغلغل الشّعور بالكآبة في مفاصلك، يشلّ حركتك، ولا يعود ثمّة أيّ ضرورة للنهوض في الصّباح، تغرق في أحلام من صنيعتك، فيها أطفال يلعبون عند قدميك وزوج يحتضن رأسك، فيها مكان تملؤه وشخص يهتم لأمرك وتهتم لأمره، يخدّرك الحلم ويدغدغ قلبك الضّعيف، فينير لثانية، قبل أن يطفئه واقعك، إنّك حقّا وحيد، ولا تدري من الملام! هل النّاس الّذين تخلّوا عنك، أم العالم الّذي يأبى إلا أن يلفظك، هل تلوم نفسك لأنك لست محلاً للحب، لست أهلا له، لست جيّدا بما يكفي، لا أحد أصلا موجود لتلومه غيرك، إنّه أنت فقط، دائما كنت أنت فقط، رغم كل الأكاذيب الّتي ترويها لنفسك، بأنّ عائلتك تفكّر فيك، وأنّ أصدقائك يتذكّرونك، إنّه أمر سخيف ما تفعله، أنّه أمر سخيف أن تكذب على نفسك وتصّدق كذبتك، لكنّك لا تملك أي شيء آخر لفعله، تعيش في سلسلة من الإنتظار والتّرقّب، تتوهّم صوت الهاتف يرن، تتحقّق من هاتفك عشرات المرات، لا أحد يتصّل، تنظر إلى الباب بيأس، تتمنّى لو يفتحه شخص من الخارج، أن يضيء بشمسه عتمتك الّتي تخنقك، لكن لا أحد، ترتجف بعنف من شدّة الوحشة، فتتدثّر بحزنك ووحدتك أكثر، تتمنّى لو كنت تستطيع أن تهب نفسك لشخص آخر، أن يكون لك قيمة، أن تعني شيئا، وأن تشغل حيزا من الفراغ، أن تحدث قدماك صوتا عندما تمشي، وأن تسمع صدا لصوتك عندما تتكلم، أن ترى انعكاسا لصورتك في عينين تحدّقان بك، أن يلمسك أحدهم، كم تشتاق لأن يلمسك أحدهم، أن يصافحك أحد، أو أن يلكز كتفك دون قصد، أن يسألك أحد الغرباء اتجاه الطّريق، فتخوض معه حديثا يسمح لك بقول كل الكلمات الّتي تريد أن تقولها، تتمنّى.. لكنّك في الحقيقة وحيد ومتروك.. مثل عجلة إحتياط مثقوبة، مثل جورب لا زوج له، مثل مقبض باب بارد، مثل مشبك شعر ضائع، مثل أشياء لا تأتي إلا فرادى، لا ضلع تُخلق منه، ولا تخلق من ضلعك أي حي، ملعون في هذه الدنيا، بلعنة هي أنت.

شاهد أيضاً

 ما الذي أسفر عنه باليرمو؟

أبو بكر بلال/ كاتب ليبي   بدا واضحا أن مؤتمر باليرمو لم يحقق أي شيء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.