الأحد , 18 نوفمبر 2018
الرئيسية » مقالات » زيادة رواتب قطاع التعليم بين الاعتبارات الاجتماعية والمعايير الاقتصادية

زيادة رواتب قطاع التعليم بين الاعتبارات الاجتماعية والمعايير الاقتصادية

صقر الجيباني/ محلل مالي واقتصادي ليبي

 

قبل أيام صوّت مجلس النواب الليبي بالإجماع وتحت ضغط نقابة المعلمين وإضراب المعلمين على قانون يقضي بزيادة مرتبات قطاع التعليم، وحسب الترتيبات المالية لسنة 2017 فإن إجمالي الباب الأول الذي يشمل المرتبات والمهايا وما في حكمها بلغ 24 مليار دينار وهذا مبلغ كبير جداً لاقتصاد صغير الحجم ومُعـوّق مثل الاقتصاد الليبي ويعيش أزمة اقتصادية ومالية حادة .

 

وحسب تصريح لوزير العمل الليبي في لقاء متلفز على قناة (ليبيا الأحرار) قبل فترة قصيرة فإن إجمالي العاملين والموظفين بالقطاع العام بلغ 1700000 موظف ( مليون وسبعمائة ألف موظف ) ، أكثر من ثلث هذا العدد يعملون بقطاع التعليم أي أنه أكثر من نصف مليون موظف بقطاع التعليم .

 

زيادة في المرتبات وبهذا الحجم وفي هذا التوقيت يعني زيادة كبيرة ومفاجئة في الطلب الكلي على السلع والخدمات مما يعني ارتفاع أسعارها نظرا لإنعدام مرونة الجهاز الإنتاجي في الاقتصاد الليبي من حيث سرعة تلبيته للطلب من جهة ومحدودية العرض المحلي من السلع من جهة أخرى .

 

في حال تم تنفيذ هذا القرار وارتفعت الأسعار وسترتفع حتماً في حال تنفيذه فسيتطور التضخم الركودي الذي يعانيه الاقتصاد الوطني اليوم إلى ما يعرف في الأدب الاقتصادي بالتضخم الحلزوني وهوتضخم (الأجور – الأسعار ) بمعنى الزيادة في الأجور ستعقبها زيادة في الأسعار بمعدل يفوق معدل الزيادة في الأجور فتتم المطالبة من جديد بزيادة الأجور مرة أخرى لمجاراة ارتفاع الأسعار ويكون الضغط من قبل النقابات وتنظيم الإضرابات والاحتجاجات في هذا الاتجاه وعندما تستجيب السلطات المخولة لهذه الضغوط وتقر زيادة جديدة في الأجور ستزيد الأسعار مرة أخرى وهكذا.

 

كما أن عامل المحاكاة والتقليد وارتفاع معدلات التضخم الناجمة عن زيادة أجور أكبر قطاع بالاقتصاد الوطني ستجعل شرائح أخرى تطالب بزيادة أجورها أسوة بنظرائها من موظفي القطاع الحكومي .

 

والنتيجة النهائية ستكون وقوع الجميع في ظاهرة “الوهم النقدي ” أي الزيادة الإسمية (النقدية فقط) في الأجور دون الزيادة الحقيقية في هذه الأجور ( زيادة السلع والخدمات المتحصل عليها جراء زيادة الأجر ) بسبب تضخم المستوى العام للأسعار وهذا أمر طبيعي ومفروغ منه في اقتصاد يحوي مجتمع استهلاكي تتصف هياكله الإنتاجية بالقصور والتخلف والضعف الشديد .

 

يضاف إلى ما سبق فإن زيادة مرتبات وأجور ومكافأت قطاع التعليم أضخم قطاع حكومي بالدولة الليبية يعني ضخ المزيد من النقود في الاقتصاد الوطني بمعنى زيادة عرض النقد المحلي وهذا من أهم العوامل التي أدت إلى ظهور مشكلة التضخم التي نعانيها في المرحلة الراهنة وزيادة الطلب على النقد الأجنبي وازدهار السوق السوداء .

 

برأينا أن الأوْلى والأجدر في هذه المرحلة هوالآتي :

أولا : تخفيض رواتب ومكافآت ذوي الدخول المرتفعة في البرلمان والرئاسي والأعلى للدولة والقضاء والسلك الدبلوماسي والجهاز المصرفي والديوان والمؤسسة الليبية للاستثمار وشركات الاتصالات إذا كنا نرغب حقاً في تحقيق العدالة في توزيع الدخل القومي بين جميع شرائح المجتمع .

 

ثانيا: تحسين المستوى المعيشي لموظفي قطاع التعليم لا يكون بتشريع قانون يقضي بزيادة مرتباتهم في الوقت الراهن بناء على اعتبارات اجتماعية مع إهمال المعايير الاقتصادية وهي الأهم خلال هذه الأزمة ، بل يكون بحل أزمة السيولة لكي يستلم موظفو هذا القطاع رواتبهم كاملة بالتزامن مع القضاء على التضخم بتطبيق سياسة مالية انكماشية ممثلة في الخطوة (أولاً) المذكورة آنفا بما ينعكس على انخفاض عرض النقود وبالتالي انخفاض المستوى العام لأسعار السلع والخدمات المتحصلين عليها وبالتالي ارتفاع دخولهم الحقيقة ولجميع الموظفين من ذوي الدخل الثابت وتعزيز قدرتهم الشرائية بدلاً من زيادة نقدية بالمرتبات تصدر بقانون لكن مفعولها في السوق يلتهمه التضخم وتذيبه أزمة السيولة فتكون المحصلة النهائية ارتفاعات موجبة في القيمة النقدية لكن القيمة الحقيقية صفر ولربما تكون سالبة .

شاهد أيضاً

 ما الذي أسفر عنه باليرمو؟

أبو بكر بلال/ كاتب ليبي   بدا واضحا أن مؤتمر باليرمو لم يحقق أي شيء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.