الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
الرئيسية » مقالات » .. أوباري مافيها ضي !

.. أوباري مافيها ضي !

عبدالله عزالدين/صحفي ليبي

(النفط ايدخن فوق اوباري، واوباري ما فيها ضي، حتي البنزينة يا ناري، ما اتقولش مالنفط الحي..)

 

هذه الكلمات من قصيدة للشاعر علي العربي وضع خلالها إصبعه على الخلل وأظهر عجز أدوات الحكم في البلاد عن تحقيق التنمية المكانية منذ اكتشاف النفط لبلدة أوباري وسكانها القاطنين على مرمى حجر من حقل الشرارة النفطي الذي ينتج أكثر من 350 ألف برميل بترول يوميا، فيما يعيش الأوباريون تحت خط الفقر وتنهش أجساد أطفالهم لسعات الأفاعي ولا يراهم سوى والله ورادارات الطيران المجهول الذي يصطاد أفرادا من جماعات متطرفة بين الفينة والأخرى بالمدينة وضواحيها بعد أن وجدوا فيها مناخا مناسبا لا تعكر صفوه أي سلطات أمنية للدولة.

 

الحديث عن أحوال أوباري ليس هو مقصدي في هذه الأسطر فمعاناة أوباري وغيرها من مناطق الجنوب الليبي واضحة وضوح الشمس أمام أعين الجميع .ما دعاني إلى الكتابة هو اقتراح من أحد الشخصيات الأكاديمية المعروفة بحسن الخلق ونظافة اليد بالمنطقة الجنوبية؛ والقاضي بالسعي في مبادرة لإعادة محطة أوباري لتوليد الطاقة الكهربائية للعمل بعد توقفها ومغادرة طاقمها؛ بسبب تدهور الوضع الأمني بالمنطقة في ظل تكرر حالات الخطف والاعتداء على مشغليها.

 

الشخص الفاضل سعى في مبادرته وتواصل معي بشأنها مدفوعًا بمعاناة شهدها أهالي المنطقة الجنوبية لعدة أيام في شهر سبتمبر الماضي؛ تمثلت في انقطاع كامل للتيار الكهربائي لأيام وانقطاع للمياه تزامنا مع ارتفاع شديد في درجات الحرارة .

 

و تتلخص فكرة المبادرة في دعوة أشخاص وكيانات من المنطقة الجنوبية؛ ممثلين في رجال أمن وعسكريين وأعيان قبائل ووزراء ومجالس بلدية ونواب، والخروج باتفاق على ضرورة وقف الاعتداءت على المحطة وتأمينها والوصول إلى ما يشبه الميثاق الاجتماعي يمنع الاعتداء ويقر خطوات وحلول تنفذ على الأرض، هذا مايقوله مقترح المبادرة إلا أن الواقع لم يقل ذلك ولم تنجح المساعي في جمع اثنين على طاولة رغم اتساع دائرة التواصل والعمل وفق صاحب المبادرة الذي عزا لي ذلك التراجع إلى تعمد أطراف بعينها وضع العصي في دولاب أي محاولة للإصلاح في الجنوب .

 

انتابني شعور من الإحباط حيال عدم تفاعل أهل الجنوب مع مبادرة تلك الشخصية الجنوبية الوطنية الفاضلة التي نظن فيها صدق نية الإصلاح، وافتقاد المجتمع الجنوبي لروح المبادرة لإيجاد حلول لما تعانيه البلاد حاله في ذلك كحال كل ليبيا

 

مبادرة أوباري أعادتني إلى تجربة شبيهة في سبها القريبة منها، حيث كنا في زيارة إلى المدينة بعد ثورة فبراير رفقة وفد حكومي ..شملت جولتنا كصحفيين مرافقين للوفد آنذاك عدة مرافق حكومية بسبها: مركز سبها الطبي.. البلدية ..قاعة الشعب ..الأحياء الرئيسية ..المطار …

 

المفزع في الزيارة هو أنه كلما دخلنا مرفقا شهدنا مشادة كلامية أواشتباكا بالأيدي أو إطلاق رصاص وألفاظا عنصرية بين المكونات الاجتماعية للمدينة.

 

جميع ممثلي مكونات سبها الاجتماعية كان يتهم الآخر بالتقصير والفشل والمسؤولية عن ما تمر به المدينة من وضع أمني متدهور وأزمة معيشية خانقة بالدرجة التي أنستهم طرح معاناتهم أمام الوفد الحكومي لطلب حلول لها عوضا عن البحث عن أخطاء الماضي ونبش الأحقاد القديمة وهو ما كون انطباعي الأول حيال الجنوب وعجز منظومته الاجتماعية عن الإصلاح .

 

ماحدث في سبها ذكرني بقصة لي مع أحد قادة المجموعات المسلحة في الجنوب والذي تتهمه بعض الأطراف بزعزعة الأمن في الجنوب..حيث اتصلت به وكانت تربطني به علاقة مودة ولدت من خلال تعامل وبناء ثقة لعدة سنوات من العمل الصحفي.

 

اتصلت بالرجل أسأله عن اتهامه بالهجوم على منظومة النهر الصناعي بمنطقة الشويرف وتسببه في انقطاع المياه عن الشق الغربي من البلاد وترهيب الموظفين واختطاف آخرين ..وماهي إلا بضع ثوان وتحول الرجل من اللغة الترحيبية التي عادة ما يلقاني بها إلى سباب وشتم بداية باتهامي بالعمالة وانتهاء بألفاظ نابية لا تقال ..تركته يشتم لنصف ساعة حتى أعياه التعب دون أن يكون لي رد أو تعقيب سوى شكره بعد الإنصات له ومتابعة سبابه بكلمة نعم كي لا يظن أن الاتصال الهاتفي بيننا قد قطع.

 

وفور انتهاء المكاملة دخلت في حالة من الإحباط لا حدود لها من مؤشرات الانسداد التي شهدتها أمامي وقلت إن البلاد لن تصل إلى أي بر أمان .

 

ما أفسدته السياسية والانقسام قطعا هو ما يعيق أي بادرة للإصلاح في الجنوب وغير الجنوب هذا ما وصلت إليه بعد متابعتي وانطباعاتي.

 

لن يستقيم الوضع في هذا الكم الهائل من الكراهية هكذا قلت مع نفسي وذهبت مخيلتي إلى سيناريو سيئ ونفق مظلم لا نهاية له ، إلا أن الزمن عاد بي إلى الروايات التي نقلت لنا عن بداية الاحتلال الإيطالي وعام المجاعة الذي عاشه الليبيون عام 1915 بشاعة الرويات عن تلك الحقبة والحروب الأهلية التي فتكت بالبلاد قبل ذلك ..الوضع وفق مانقله لنا المؤرخون يبدو أكثر سوءًا وتعقيدًا من اليوم غير أن ذلك الوضع تبدل إلى استقلال كامل عام 1951 وسيادة ودولة متحضرة مثالية نوعا ما في زمن قصيرة قبل أن يعكر صفوها العسكر .

 

حكاية الاستقلال الذي صنعه الأجداد ضوء في آخر النفق المظلم علينا أن نعيد تحقيقه بمشروع وطني يتجاوز كل الخلافات ويصنع وئامًا حقيقيًا بين مكونات المجتمع الليبي بعيدًا عن الأيادي العابثة.

شاهد أيضاً

الزمن كفيل بعلاج العقول أيضا

أبوبكر بلال/ كاتب ليبي   جاء في المثل السائر على ألسنة الناس إن الزمن كفيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.