الأربعاء , 21 نوفمبر 2018
الرئيسية » مقالات » الجزائر.. “جواب السفيه السكوتُ”

الجزائر.. “جواب السفيه السكوتُ”

المبروك الهريش/ كاتب ليبي

 

بعد إيطاليا، يهاجم قائد عملية الكرامة بلدا آخر، هذه المرة الجزائر التي ترتبط ارتباط تاريخيا وجغرافيا وثيقا مع ليبيا.

 

فأمام جمعٍ ممن أطلق عليهم “مشائخ وأعيان ليبيا”، لم يُخف حفتر امتعاضه وانزعاجه من الدور الجزائري في الأزمة الليبية، وهي التي رفضت من قبل استقباله بالبدلة العسكرية؛ فهدّد بنقل الحرب إلى الحدود الليبية الجزائرية على خلفية ما اتهم به الجزائر من “استغلال لأوضاع الحرب في ليبيا، وإرسال قواتها إلى الداخل”.

 

بالنظر إلى دوافع هذه التصريحات نجد أن هناك دوافع داخلية تكمن في دغدغة عواطف مؤيديه بالنفخة المعتادة بأن له جيشاً ليس قادرا على محاربة الإرهابيين فحسب، بل حتى على شنّ حروب ضد دولة قائمة ومستقرة، وجيش مثل الجيش الجزائري.

 

ممارسة مثل هذه الفنتازيا تعتبر طريقة مألوفة ومجدية مع هذا النوع من الأتباع والمؤيدين؛ فحفتر ما فتئ يستخدم مثل هذا الخطاب الرافض لأي تدخل خارجي على الرغم من أنه لم يستطع حتى ردع قوات العدل والمساواة التي تصول وتجول في حدود البلاد شرقا وجنوبا دون أن نرى هؤلاء الأتباع ينتقدونه أو حتى يعيدون النظر في تأييده.

 

أما الدافع الثاني فهو خارجي، ولا يحتاج المتابع لحصافة كبيرة ليدرك حجم التوتر في العلاقات الجزائرية المصرية حتى وإن خف التوتر في الأشهر القليلة الماضية، والأزمة الليبية من أهم أسباب هذا التوتر، إذ تسير القاهرة في دعمها القوي للحل العسكري متزامنا مع دعم حفتر، وهو الطريق الذي تتصادم معه الجزائر في موقفها لحل الأزمة الليبية والمطالب بالحل السياسي التوافقي دون الرهان على حليف سياسي في الأزمة الليبية. وبالتالي فإن حفتر يحاول من خلال هذه التصريحات جلب مزيدٍ من الدعم المصري.

 

بالطبع لا يمكن أن تكون مثل هذه الدوافع دوافع وطنية، إذ إنها لا تنم إلا على كسب حلفاء سياسيين ومصالح شخصية بعيدا عن أي مصلحة للوطن، فمصلحة مصر أهم من مصلحة ليبيا كما صرح قائد الكرامة من قبل.

 

وبعيدا عن المصلحة الوطنية، فهذا الخطاب ينطوي على غباء سياسي منقطع النظير، فمن الوارد جدا أن يفقد حيادية الجزائر حيال الأزمة الليبية، والتي يمثل حفتر فيها جزءا من الصراع وهو محتاج لأي طرف خارجي مهما علا شأنه أو سفُل، ومن الوارد أيضا أن تتحالف مع خصومه، إضافة إلى خسارة رصيد شعبي من مؤيديه خاصة في الغرب والجنوب الليبي ممن تربطهم علاقات وثيقة بالجزائريين.

 

واقعيا، لا يمكن لحفتر وقواته التجرؤ على التحرك في اتجاه مواجهات مع الجيش الجزائري على الحدود بين البلدين لأسباب كثيرة، لا تبدأ بالحجم والإمكانيات المتواضعة لقواته التي لا تستطيع الوصول إلى الحدود فضلا عن الدخول في مواجهات، ولا تنتهي برفض فرنسا الداعم الآخر لحفتر والتي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الجزائر خاصة مع انتشار داعش في المغرب العربي الذي يقلق الأوروبيين والفرنسيين جميعا؛ الأمر الذي يجعل من فرنسا محتاجة بشكل كبير للدور الجزائري أمنيا على الحدود في ظل الوضع الداخلي الليبي، وفي ظل عدم اعتمادهم على تونس.

 

الموقف الجزائري لم يكن غريبا تجاه هذه التصريحات؛ فالحكومة الجزائرية قد اعتادت السكوت والتزام الصمت في مثل هدا النوع من التصعيد في أزمات دبلوماسية مختلفة مع دول عربية عدة، حتى مع المغرب عندما كان هناك تصعيد كبير وهجوم كلامي لم يكن للجزائر موقف محدد سوى التزام الصمت، وبالنسبة لحفتر تحديدا، فهم على دراية كافية بقدراته العسكرية، وبالتالي فالمستغرب في هذه الحالة هو التصعيد من الحكومة الجزائرية تجاه مثل هذه التصريحات.

 

المؤسف في الأمر هو محاولة حفتر تفجير صراع إعلامي وسياسي بين البلدين، وهو ما وقع فيه بعض من ضعاف النفوس وأصحاب المصالح ممّن يحاول النيل من الجزائر أو حتى من الذين استغلوا التصريح في دغدغة الحكومة الجزائرية، وهؤلاء بينهم وبين المصلحة الوطنية العليا ما بين المشرق والمغرب.

شاهد أيضاً

ما بعد مؤتمر باليرمو

علي أبوزيد/ كاتب ليبي   منذ لقاء باريس في مايو الماضي والذي تمخّض عن إعلان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.