الأربعاء , 21 نوفمبر 2018
الرئيسية » مقالات » برنامج  الإصلاح الاقتصادي في ليبيا على ضوء التطورات الإقليمية و الدولية .

برنامج  الإصلاح الاقتصادي في ليبيا على ضوء التطورات الإقليمية و الدولية .

صقر الجيباني/ محلل اقتصادي ليبي

 

 بعد  إقامة عديد من المؤتمرات العلمية وعقد  ورش العمل و ندوات  و اجتماعات  حضر البعض منها  محافظ مصرف ليبيا المركزي وإداراته المختلفة  و أعضاء من المجلس الرئاسي ،و بعد جهود بُذلت و بحوث  أُنجزت  و مقالات نُشرت وكثير من اللقاءات المتلفزة  وشهور طويلة من انتظار  برنامج ” الإصلاح الاقتصادي ” ليخرج من  حيّز التنظير إلى حيّز التنفيذ تبين في الأخير أنه “حمل كاذب” بعد ورود أنباء عن  خلافات شبت في اللحظات الأخيرة بين المركزي و الرئاسي حول تنفيذ البرنامج .

 

الصراع المسلح الذي اندلع في العاصمة طرابلس في الأيام الماضية و إحاطة المبعوث الأممي إلى ليبيا  غسّان سلامة بمجلس الأمن و توصيته بضرورة تنفيذ البرنامج ستُجبر الأطراف المعنية ببدء التنفيذ . و  بعيداً عن الظروف و التطورات  المحلية  (الأمنية و السياسية ) شديدة التقلب ، عميقة الإنقسام   و أثرها على نجاح هذا البرنامج ، ماذا عن الظروف الإقليمية من حرب اقتصادية تشنها واشنطن على كل من أنقرة و طهران  و تأثيرها على الاقتصاد العالمي و بالتالي الاقتصاد الليبي عامة و برنامج الإصلاح خاصة ؟!

 

يُعد الاقتصاد الليبي من أكثر الاقتصادات في العالم انفتاحاً  على الخارج بسبب اعتماده على انتاج و تصدير سلعة وحيدة و هي النفط الخام و استيراده لاغلب احتياجاته من الخارج و بالتالي فهو حساس جداً  للتطورات  الإقليمية و الدولية  و انعكاساتها على حركة  الاقتصاد العالمي لا سيما حركة  أسواق النفط .

 

و في هذا السياق نحن أمام سيناريوهين مختلفين حد التناقض ، فالأول  و على افتراض  تفاقم الخلافات السياسية بين واشنطن و أنقرة و بالتالي تزايد الضغوط الاقتصادية من قبل واشنطن فإن ذلك يعني المزيد من  تدهور سعر صرف الليرة التركية و انهيارها ،و سينعكس  ذلك على أسواق المال في منطقة اليورو و خاصة اقتصادات ايطاليا و اسبانيا و البرتغال التي أفلتت بصعوبة من أزمة الديون اليونانية و لها ارتباط وثيق بالاقتصاد التركي و من ثم فهي عرضة لإنتقال عدوى الأزمة و ستكون  النتيجة كما يتوقع العديد من الخبراء الاقتصاديين الوقوع في أزمة مالية عالمية جديدة سوف تكون لها انعكاسات سلبية على أسعار النفط العالمية و تراجع ايرادات النفط للدول المصدّرة له و من بينها ليبيا التي تعتمد اعتماد شبه  كلي على  النفط في تمويل إيرادات  الميزانية الحكومية و يستحوذ فيها  على كل الصادرات و بالتالي تفاقم العجز المالي المزدوج في الميزانية العامة و ميزان المدفوعات  سيترجم هذا العجز في شكل ضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي و بالتالي ضعف القوة الهجومية للمصرف المركزي على السوق السوداء و المضاربين على سعر صرف العملة ،و سينعكس ذلك على  تعثر برنامج الإصلاح في تحقيق أبرز  أهدافه المعلنة المتمثلة في القضاء على السوق السوداء  و تصحيح تشوهات الأسعار  .

 

أما السيناريو الآخر فهو جد متفائل تجاه انفراج كبير ينتظر الأزمة المالية في ليبيا و نجاح سريع  لبرنامج الإصلاح الاقتصادي حيث ينظر إلى  العقوبات التجارية المشددة  و الحرب الاقتصادية التي  تشنها  واشنطن أيضاً على طهران و التي  بدأت تداعياتها تظهر بجلاء في انهيار الريال الإيراني الذي تهاوى إلى مستويات قياسية و مازالت هذه الحرب في مرحلتها الأولى  و بحلول نوفمبر القادم ستبدأ المرحلة الثانية من العقوبات الاقتصادية   إذا لم يتوصل الطرفان (الأمريكي و الإيراني) إلى تسوية حيث سيكون من ضمن العقوبات الاقتصادية التي تفرضها واشنطن على طهران  حظر تصدير النفط الإيراني  مما يعني خروج حوالى أربعة ملايين برميل نفط (صادرات النفط الإيرانية )  من أسواق النفط العالمية  و هي كمية ضخمة من الصعب تعويضها  في الأسواق ،  و بالتالي حدوث نقص مفاجئ و كبير في إمدادات أسواق النفط  و نحن على أبواب فصل الشتاء حيث يزداد الطلب على الطاقة و سينعكس ذلك على ارتفاع أسعار النفط العالمية و من الطبيعي  سيكون هناك رابحون و خاسرون من هذا الوضع و من أوائل الرابحين هي ليبيا التي ستتحقق  لها فوائض مالية كبيرة بالدولار  و من ثم تعزيز قدرات المركزي في الدفاع عن العملة المحلية (الدينار الليبي ) في وجه العملات الصعبة بالسوق السوداء بل سهولة و سرعة  القضاء على هذه السوق .

 

و على افتراض تصعيد الأزمة من قبل واشنطن و طهران و قيام الأخيرة بتنفيذ وعيدها  بإغلاق مضيق هرمز  الذي يمر عبره 40 في المئة من الإنتاج العالمي للنفط  في حال أقدمت  واشنطن على حظر تصدير النفط الإيراني  فسيصاب الاقتصاد العالمي بصدمة عنيفة نتيجتها قفزة هائلة في أسعار النفط العالمية قد تصل كما قدّرها بعض الخبراء إلى مئتين و مئتين و خمسين دولاراً للبرميل ستكون فرصة ثمينة  للإقتصاد الليبي للخروج من أزمته   و استئناف البرامج التنموية التي تستهدف تحقيق رفاهية المواطن  و انعكاس هذا الرفاه على  استقرار نسبي في البلاد  .

شاهد أيضاً

ما بعد مؤتمر باليرمو

علي أبوزيد/ كاتب ليبي   منذ لقاء باريس في مايو الماضي والذي تمخّض عن إعلان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.