الإثنين , 22 أكتوبر 2018
الرئيسية » مقالات » الاستفتاء على الدستور أو ماذا؟

الاستفتاء على الدستور أو ماذا؟

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

تتفق جميع الأطراف في المشهد الليبي على ضرورة إجراء انتخابات عامة للخروج بالبلاد من أزمتها وأن تكون هذه الانتخابات بداية جديدة لعملية سياسية مستقرة بعيداً عن الصراع وتنازع الشرعية والتكدس في مراكز السلطة، وإجراء هذه الانتخابات يحتاج إلى إطار دستوري يعطي نتائجها الشرعية، ويمثل المرجعية التي يُحتكم إليها عند الاختلاف والتنازع القانوني أوالدستوري، وهذا الأمر هو ما يمثل نقطة الخلاف الكبرى التي تحول دون إجراء الانتخابات، ويبرز عنده اتجاهان مختلفان: الأول ينادي بضرورة الاستفتاء على مشروع الدستور الذي انتهت من إعداده منذ أكثر من سنة هيئة منتخبة ثم إقراره أو تعديله، -والذي لازال يمنع من الاستفتاء عليه مجلس النواب الملزَم بإصدار قانون للاستفتاء على مشروع الدستور يضمن من خلاله أن يكون هذا الاستفتاء شفافاً ومعبراً عن إرادة الشعب-، ثم بعد ذلك الذهاب إلى الانتخابات العامة.

ويدعو الاتجاه الثاني إلى الذهاب إلى الانتخابات قبل الاستفتاء على مشروع الدستور وإقراره أو تعديله، والتوافق على إطار دستوري لهذه الانتخابات يُعدَّل بموجبه الإعلان الدستوري، وتبدأ بذلك مرحلة انتقالية جديدة يتم فيها إعادة النظر في مشروع الدستور والحكم عليه، ولعل ما حدث أخيراً في مجلس النواب من عرقلة ومنع لعقد الجلسة الخاصة بالتصويت على قانون الاستفتاء يعكس إصرار أصحاب التوجه الثاني على فرض رؤيتهم السياسية ومصادرة حق الشعب من الاستفتاء على الدستور، ويؤكد العجز المستمر لمجلس النواب عن القيام بمهامه أو حتى عقده جلساته بشكل صحيح وسلس، وأنه–أي مجلس النواب- أصبح أداة لرئاسته المتمثلة في المستشار عقيلة صالح، يقامر به من أجل تحقيقه طموحاته السياسية.

وأبرز ما يحتج به الرافضون لمشروع الدستور أنه غير توافقي وتم إعداده وصياغته في حالة انقسام وأزمة سياسية حادة ولا يمكنه بذلك أن يحقق الاستقرار المنشود، إضافة إلى اعتراض مكونا الأمازيغ والتبو عليه، وهنا يجب الإشارة إلى أنّ مشروع الدستور هو نتاج هيئة منتخبة مباشرةً من الشعب، لذلك فإن الذي يملك حق قبول أو رفض مشروع الدستور هو الشعب، وليس لمجلس النواب هذا الحق، فمجلس النواب مهمته إقرار قانون الاستفتاء الذي يضمن أن يكون الاستفتاء معبراً عن إرادة الشعب بكل شفافية ونزاهة، ومن أراد رفض الدستور وعدم إقراره فليبحث عن سبيل غير مجلس النواب ليحثّ الناس على رفضه وعدم الرضا به لأنهم أصحاب الكلمة الفصل في ذلك.

أما فيما يخصّ المكونات الاجتماعية سواء التي قاطعت عمل الهيئة أو التي شاركت فيه ولم تكن راضية عما خلصت إليه الهيئة، فإنها مسؤولة أمام من تمثلهم عن هذا سلوكها وموقفها، ومع ذلك فإن مشروع الدستور يعترف ويضمن بشكل كبير جداً حقوق كل مكونات المجتمع الليبي، وكل محاولات التضخيم لقضية المكونات الاجتماعية هي من باب المناكفة السياسية لا غير.

إن مشروع الدستور يمكن أن ينتقد عليه الشيء الكثير بلا شك، إلا أنه نتاج هيئة منتخبة ومستقلة وهو الفرصة الأكبر لإنهاء ركام المراحل الانتقالية المتداخلة والمتنازعة التي مرّت بها ليبيا والدخول في مرحلة الاستقرار السياسي بمرجعية دستورية متكاملة وواضحة، وإهمالُه ورفضُه والإصرار على الذهاب إلى مرحلة انتقالية جديدة هو استمرار في محاولة الإقصاء والتفرد بالسلطة، لأن المنادين بذلك يجعلون التوافق على إطار دستوري للانتخابات حقّاً حصرياً لمجلس النواب العاجز عن عقد جلساته، وهذا يبين الدافع الحقيقي للإصرار على الذهاب إلى مرحلة انتقالية جديدة، فهي تمثّل لهم الفرصة الأخيرة لإقصاء خصومهم السياسيين أو القضاء عليهم، ثم تعديل مشروع الدستور وتفصيله بما يناسب مقاساتهم السياسية بمعزل عن إرادة الشعب.

ومادامت هذه العقلية هي الدافع والمحرّض على هذا التوجه الرافض لإرادة الشعب، فإن عملية الفوضى والانقسام ستبقى مستمرة خاصةً وأن الإعلان الدستوري أصبح مهترئاً لكثرة ما طاله من تعديلات، واتسعت فيه خروق الفوضى والانقسام على أن ترقعها تعديلات المنقسمين والمتنازعين.

شاهد أيضاً

حروب الوكالة في ليبيا

أبوبكر بلال/ كاتب ليبي   حدث الانقسام السياسي الليبي في عام 2014م بعد أن انطلقت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.