الإثنين , 19 نوفمبر 2018
الرئيسية » مقالات » نظرات إقليمية

نظرات إقليمية

عبد المجيد العويتي/ كاتب ليبي

تقبع ليبيا في مساحة إقليمية تعتبر الأكثر حساسية في الكرة الأرضية ، فهي تتوسط الشمال الإفريقي المطل على البحر الأبيض المتوسط ، فعيناها على جنوب أوروبا وظهرها لإفريقيا بأكملها ، كما تقع ضمن امتداد الشرق الأوسط من جناحه الغربي ، الذي يبدأ بالجارة مصر وحتى إيران مروراً بدول الخليج العربي ودول الشام .

أثناء الأزمة الليبية ظهرت على الساحة السياسية الخاصة بليبيا عديد التقاطعات مع دول الإقليم الليبي سواء من دول الجوار الملاصق أو مع دول حدود الإقليم العربي والزنجي والأوروبي البعيدة ، ولعلي في هذا المقال أحاول أن أسلط بقعة ضوء حول منظور كل دولة من هذه الدول والحاجة من وراء التدخل في الشأن الليبي أو حتى تناوله بدءاً من باب الجيرة وحقها وصولاً إلى باب المصلحة السلبية .

دعم الاستقرار :

لعلي تحت هذا العنوان الجانبي أضع مجموعة من الدول التي دعمت بشكل مباشر عبر افعال معينة الاستقرار في ليبيا أو أخرى دعمت الاستقرار عن طريق سياسات اتبعتها من مبدأ حسن الجوار وتثبيت عرى السلم والأمن المجتمعي في ليبيا ليعود عليها إيجاباً .

الجزائر دولة جارة لليبيا مثل رأيها في الأزمة الليبية ثباتاً لم يتغير فهي عارضت التدخل الدولي ضد القذافي في بادئ الثورة وعارضته فيما بعد عندما أقدمت بعض الدول الإقليمية والدولية بالوقوف مع طرف على حساب الآخر ، ويأتي فهم الموقف الجزائري من مبدأ في السياسة الخارجية الجزائرية وهو ابعاد التدخل الاستعماري القديم أو عملائه في المنطقة عنها وعن دول جوارها وهي المكوية بالتدخل الفرنسي في وسط القارة الإفريقية بالذات في مالي الملاصقة ، ويأتي دور كل من تونس والمغرب في اتجاه دعم الاستقرار وذلك باستعمال سياسة الدعوة إلى التهدئة واستضافة أطراف الصراع الليبي على أراضيهما للخروج بحلول سياسية للأزمة السياسية في ليبيا ، كما يأتي الدور الإيطالي داعماً هو أيضاً للتهدئة والاستقرار من جانبين ، الأول لعلم إيطاليا أن ليبيا تمثل خاصرتها التي إن انفجرت فسينفجر جنوب المتوسط في وجهها محملاً بمزيد من المهاجرين الغير شرعيين الذين أصبحوا يمثلون عبئاً إضافياً على ايطاليا المتأزمة اقتصادياً أصلاً ، والباب الثاني يمثل حاجة إيطاليا لاستقرار ليبيا الواعدة بالمشاريع التنموية الكبيرة والتي تمني روما نفسها بأكبر حصة فيها لينشط الاقتصاد الايطالي بالتزامن مع حركة تنمية المشروعات في ليبيا حال الاستقرار .

أما عن الدول الاقليمية الأكثر بعداً فتمثل تركيا حاضنة للاستقرار هي أيضاً بجانب تونس والمغرب والجزائر وهذا يتضح من السياسة الخارجية لأنقرة تجاه طرابلس الداعي دائماً في بياناتها إلى رأب الصدع السياسي ولملمة الصراع ووقف الاقتتال ، ويظهر أيضاً من خلال بعض الأفعال الداعمة للاستقرار فتركيا من الدول التي حافظت على تمثيلها الدبلوماسي والقنصلية أثناء وبعد الأزمة المسلحة في العاصمة طرابلس وساعدت المنظمات الإنسانية والمدنية الليبية بتقديم كل وسائل الدعم اللوجستي لأعمال الإغاثة أثناء النزاعات حتى طال عمالها نصيباً من الاختطاف والترهيب في بؤر التوتر حيث كانت تعمل على بعض المشاريع منها الكهربائية .

دعم الأطراف المتصارعة :

فضلت بعض دول الإقليم القريبة والبعيدة عن ليبيا دعم أطراف على حساب أخرى ولن أتهمهم هنا بأنهم يدعمون عدم الاستقرار بل سأقول أنهم يدعمون طرفاً ما يظنون أنه يملك الحل ، ولكن هذا الخيار دائماً ما يذهب إلى دعم عدم الاستقرار .

مصر الجارة قررت منذ البداية أن تكون بالمرصاد لأي نظام لا يكون على هواها في ليبيا ، وتريد استنساخ نموذجها الخاص بها عبر عسكرة النظام الليبي كما حدث مع النظام المصري الذي أطاح بالنظام الديمقراطي في انقلاب 3 يوليو ، وهي تطمح من وراء هذا بالإضافة الى استنساخ النظام المصري تسعى ايضاً بأن تكون لها حصة في الاقتصاد والعائد المادي الليبي والذي بدأت بالفعل تستفيد منه جراء انصياع المنطقة الشرقية وحكامها بالكامل لها للحد من الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تضرب الدولة المصرية وتجد من خلال السوق الليبية حلاً لمشكلة العمالة المتكدسة بين شبابها .

أما الامارات وهي الداعم الأكر لحفتر فيمكن اختصار علاقتها بالأزمة الليبية بالداعي الى استمرار الفوضى فيها لسبب واحد فقط وهو بمثابة التفكير الاستراتيجي لأبوظبي وهو أن لا تقف ليبيا الواعدة اقتصادياً على قدميها وتنافس أسواق دولة الإمارات في المنطقة ، فإن وقفت ليبيا واستقرت وقعت الإمارات لا محال ، وهذا ما يفسر حالة الهلع الشديد حيال أي انفراجات سياسية ترتبط بإنهاء الأزمة في ليبيا فتقوم أبوظبي من فورها بتزويد حلفائها بالمؤن العسكرية والإعلامية لقطع الطريق أمام أي تسوية ما .

ويمكن الحديث أيضاً عن دور سعودي يدعم اللاستقرار بدعمها بعض الكتائب السلفية في ليبيا والتي تقوم بدورها بالاصطفاف مع طرف دون الآخر ، كما تشجع الرياض بتوجيهات دينية هذه الكتائب والتنظيمات السلفية على إثارة النعرات الدينية بين المجتمع الليبي لتخلق نوعاً من الجدل الفارغ الذي يزيد الحالة سوداوية ، وأيضاً دوراً أخر قطري يدعم طرفاً من الأطراف المتقاتلة ويمده بالمعونات اللوجستية في الإعلام والعلاقات الدولية بدعمها بعض الكتائب المتفرقة هنا وهناك ، كما لا يمكننا التغافل عن دور فرنسا التي تعمل من خلالها منظورها الاستعماري القديم تجاه دول جنوب الصحراء الإفريقية حيث مستعمراتها القديمة ومنها إقليم فزان الليبي والذي انطلقت منه باحثة عن دور في الإقليمين الآخرين طرابلس وبرقة بتشجيع وتجهيز وتدريب طرف عملية الكرامة حتى إن كانت تبدو راعية للحوار السياسي بين طرابلس وطبرق باستضافتها جلسات حوار مباشرة جمعت الأطراف الليبية في باريس ، ولكن الأخيرة لا تبدو جدية في المضي قدماً في هذا الخيار فالتعزيزات العسكرية لمعسكر الكرامة مستمرة .

تصدير الأزمات :

من المهم التعريج على بعض دول الجوار الجنوبي لليبيا ، تلك الدول المثقلة بالأزمات والتي وجدت في ليبيا متنفساً تصدر إليه مختنقاتها ، منهم الشباب العاطلون عن العمل في تشاد ومالي والنيجر الذين وجدوا في الصحراء الليبية مرتعاً يكثر فيه جمعه السلاح والاصطفاف والارتزاق من وراء التمترس وراء أي طرف من أطراف الصراع طالما أنه سيدفع ويبيح الأرض والمال العام والخاص ، وقد نقلت بعض الدول الإفريقية جنوب الصحراء معاركها الداخلية الخاصة بها إلى ليبيا لتصبح أرض جنوب ليبيا مرتعاً لمعراك حقيقية بين المعارضة التشادية مثلاً ونظام إدريس دبي في أنجامينا ومثلها فعلت السودان ، ومنهم من عبر ليبيا ليركب مراكب الهجرة الغير شرعية ليزيد من حالة التوتر مع جيران المتوسط الأوروبي ، وحتى ان بعض الدول التي أرهقتها تجارة المخدرات مثلاً في بلدانها شجعت التجار على سلك طرق ليبيا بدل طرق دولته كما يحدث مع تجارة الرقيق .

 

تظل الأزمة الليبية بكل تشعباتها مسألة ليبية خالصة لا تنتظر من أي دولة جارة أو بعيدة إلا الاستمرار في دعم سبل الوفاق والمصالحة والتهدئة وهذا ما يجب على الخارجية الليبية أن توضحه للعالم أجمع ، بأنها مستعدة دائماً للعمل مع الجميع لحل الأزمة الليبية وتؤكد للجميع أيضاً أن خيار السلم الاجتماعي في ليبيا هو خيار استراتيجي يصب في مصلحة المتوسط وشمالي أفريقيا وجنوب صحرائها وأن ليبيا موعودة بمستقبل زاهر يجب على داعمي الفوضى أن يدركوا أنهم لن يكونوا جزءاً منه ولن يرحب بهم في ذلك اليوم الموعود .

شاهد أيضاً

 ما الذي أسفر عنه باليرمو؟

أبو بكر بلال/ كاتب ليبي   بدا واضحا أن مؤتمر باليرمو لم يحقق أي شيء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.