الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
الرئيسية » مقالات » دراما المائدة الرمضانية

دراما المائدة الرمضانية

عبد المجيد العويتي/ كاتب ليبي

تعاني صناعة الدراما في ليبيا الكثير من المشاكل حالها حال بقية الصناعات والقطاعات العامة والخاصة ، وكغيرهم على الأغلب من صناع الدراما في العالم العربي يتجه صناعها إلى مائدة رمضان من كل عام لعرض إنتاجاتهم التي يغلب عليها الطابع الكوميدي لكون تلك الفترة هي الأكثر تركيزاً حيث تلتقي العائلة أثنائها على التلفاز وهم يتناولون إفطارهم ويتابعون ما يعرض على الفضائيات .

وتأتي أهمية الصناعة الفنية من مسلسلات كانت أم أفلاماً أم أغانٍ وغيرها على عدة أوجه منها ما يتعلق بالأغلب في الترفيه العائلي والتسلية وأيضاً ترجمة الواقع المعاش في قوالب مرئية تبرز حالات يعاني منها المجتمع توصف بالسلبية فتحذر منها ومن عواقبها وأخرى إيجابية يؤكد عليها المنتوج المرئي ويحث على الاقتداء بها ، ولكن الأعمال الليبية بصفة عامة إلا ما نذر تغيب عنها الشخصية القدوة أو القدوة المثالية التي تحفز المجتمع على الاقتداء بها .

وعلى الرغم من التجربة التراكمية للصناعة الفنية بشكل عام ولصناعة الدراما بشكل خاص في ليبيا فإن مشاكل وعواقب عديدة لا زالت تؤثر على المخرج النهائي للعمل مما يحيله لعادة ليبية نقدية تعاد كل سنة يبدي فيها المتفرج الليبي استيائه مما يعرض عليه والذي من المفترض أنه يترجم واقعه ، فلا يجد المشاهد نفسه ولا مشاكله معروضة أمامه ناهيك عن القدوة الفنية التي يلعبها أبطال العمل الفني والتي إن غابت فقد غاب مضمون العمل وهو التوجيه ، ولا يتبقى حينها إلا قليل من جرعات الكوميديا الارتجالية التي تعتمد على شخص الممثل في الأصل لا الدور الذي يتقمصه .

من المشاكل التي تؤثر على هذه الصناعة في بلدنا هي الشح الواضح في كتاب السيناريو ، فتجد عملاً ذو فكرة جيدة يحاول فيه أبطاله إيصال فكرة ما ولكنها تصطدم بسيناريو ضعيف لا يؤدي الغرض فيجعل من الممثلين يرتجلون المصطلحات والحركات لإيصال الفكرة التي لا يجدها في ما قرأه في القصة المكتوبة ، وحتى أولئك السيناريست القدامى لا يزالون يعانون من هذه المشكلة فلم تسعفهم خبرتهم الطويلة على تقديم سيناريو محكم يتمتع بمدخل واضح ونهاية مرضية للمشاهد ، فتجد العمل المقدم قد دخل في التفاصيل دون نبذة عن الشخصيات وفجأة دون مقدمات ترى تتر النهاية يبلغك بأن ما في جعبة المؤلف وما يحويه السكربت قد انتهى .

الانتاج هو الآخر أحد مشاكل الدراما الليبية ، ويتأتى ذلك باتجاهين ، الأول ضعف الميزانية المرصودة في الأساس والثاني سوء توزيعها على العمل وسوء اختيار البيئة المناسبة ، فتجد معظم الأعمال تقام إما في استوديوهات غير ملائمة أو في أماكن عشوائية لا تبدو مناسبة أثناء العرض على الشاشة ، وإلى جانب السيناريو و الانتاج هناك مشاكل أخرى تتمثل في تحول العمل الدرامي والفني من عمل إبداعي وطني إلى عمل تجاري بحت ، فقد حوت كثير من الأعمال هذه السنة على إسفاف واضح وتحطيم لقيم المنتوج الفني سواء في مضامين العمل التي تعتمد في كثير منها على سيناريوهات أقل ما توصف بالسخيفة تحوي نكتاً متداولة على السوشال ميديا يتم عرضها دون تحسين أو تهذيب في قالب هزلي بعيد عن مضمون الكوميديا الراقي والهادف إلى التسلية والإفادة في وقت واحد ، فلا تستطيع ان تجزم بالمردود على هؤلاء الممثلين ومخرجيهم إلا أن تقول بأنهم ( أكالوا عيش ) من منتجين دخلاء على المهنة .

وتأتي مشكلة التسويق للأعمال الليبية الناجحة في التلفزيونات العربية كعائق أخر أمام صناع الدراما والتي لا تقف فيها اللهجة الليبية عائقاً على فهم المشاهد العربي للمفردات الليبية بالذات عندما يضع السيناريست الليبي هذا في الحسبان فيخفف من حدة المصطلحات الليبية الصرفة ويجعلها مكتوبة بلكنة بيضاء ، فالتسويق سيجعل من المادة الليبية مادة مرغوبة مع تكرار التجربة مع تطعيم العمل بفنانين عرب ليتقبل المشاهد العربي ما يقدم له ويشجعه على النظر فيه ، فالتسويق الصحيح سيرفع من وتيرة المنافسة على تقديم أعمال أكثر احترافية  و اكثر تميزاً .

و بالرغم من هذه المشاكل المعروضة تطل في السنوات الأخيرة محاولات موفقة من بعض صناع الدراما الليبيين الذين كونوا مجموعات عمل متكامل تجمع السيناريست والمخرج والمنتج والممثل والبيئة في ورش عمل مركزة تفضي بأعمال مميزة استطاعت أن تمثل منعطفاً حقيقياً لهذه الصناعة يمكن أن تنقلها من حالة إلى حالة أفضل ، فقد لاحظ المشاهد الليبي خلال هذه السنوات انتاجاً شجاعاً لبعض الأعمال مما أدى إلى تحسين صورة كثير منها مرفقاً بسيناريو مكتوب بعناية وموزع بميزان على الممثلين ورؤية إخراجية اختارت بيئة مناسبة وكوادر مميزة لتقدم عملاً أقرب للاحترافية وقد نالت ترحيباً اقليمياً بتسويقها على بعض الفضائيات المغاربية .

نأمل أن نرى الدراما الليبية وقد أخذت خطوات مميزة نحو الإنجاز الفني المتقن لتقود دورها المهم في توعية الإنسان وتسد احتياجات الوطن أمام أزماته لتبلور لنا أفكاراً نيرة تبرز من خلالها قدوة حسنة وتسلط بقعة ضوء على السلبيات لتمحوها وعلى الايجابيات لتعززها .

شاهد أيضاً

الزمن كفيل بعلاج العقول أيضا

أبوبكر بلال/ كاتب ليبي   جاء في المثل السائر على ألسنة الناس إن الزمن كفيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.