الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
الرئيسية » مقالات » عقلية الفساد.. “الوطن الغنيمة”

عقلية الفساد.. “الوطن الغنيمة”

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

أثار التقرير السنوي لديوان المحاسبة الأخير استهجان الرأي العام واستغرابه لتضخّم الفساد واستشرائه في مختلف مفاصل الدولة ومؤسساتها، وقد كانت ضخامة التقرير البالغ 920 صفحة وضخامة أرقام الفساد التي تضمنها دليل صدق على أنه أحد أهمّ الأوضاع المعيشية المتردية التي يعانيها الناس بشكل عام.

إنّ تقرير ديوان المحاسبة لم يَعْدُ كونَه أتى بتفصيلات مدعّمة بالأرقام لوباء الفساد العام الذي يستشعره الجميع والذي أصاب مختلف مؤسسات الدولة وإداراتها بشتى أنواعه وأشكاله، هذا الفساد الذي لم تسلم منه حتى مؤسسات يعول عليها في محاربته كالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أو دار الإفتاء، وهذا ما يؤكد على أن الفساد في الدولة لم يعد يكفي في محاربته الأجهزة والأنظمة الرقابية التي باتت غير فاعلة أو مؤثرة في ظل بيئة حاضنة للفساد وملائمة لتمدده ونموّه.

إنّ قضية محاربة الفساد اليوم تبدأ من إعادة بناء عقلية المواطن وتصحيح مفهوم الانتماء الوطني لديه، إنّ أغلبنا اليوم يحسّ ويشعر أن المواطنة عبارة عن امتياز يجعل من حقّه أن ينال من مقدّرات الوطن وخيراته كل ما تستطيع يده أن تناله وتطوله دون أن يكون للوطن حقٌّ وواجبٌ عليه، ودون أن يكون للكفاءة والجُهد والأداء معيارٌ في تحديد حقّ كل مواطن وواجباته.

إنّ هذه العقلية جعلت من نظرة المواطن إلى وطنه ودولته نظرة مغنمٍ يحاول بشتى الطرق والوسائل أن يستحوذ فيها على أكبر نصيب، وهو في ذلك يستعين بعلاقاته القبلية والجهوية والشخصية، ويستخدم نفوذ السلطة والمال والوجاهة ليُحصّل منفعته الخاصة دون اعتبار لما يترتب على ذلك من تضييع للأمانة وهدر للمقدرات وإفساد للنفوس باستساغتها للحرام وتعويدها الكسل وعدم الإنتاج.

ولأن عقلية الفساد هذه التي لا ترى في الوطن إلا غنيمة مستباحة صارت اليوم هي المُحدّد الأبرز لمفهوم المواطنة في الوعي المجتمعي فقد انعكست في سلوك الأفراد وتصرفاتهم حتى صار الفساد هواءً نتنفسه دون أن ندرك طعماً أو رائحةً له، وشاهد ذلك الفساد الذي نعايش ألواناً منه يوميّاً في تعاملنا مع دوائر القطاع العام وموظفيه بل وحتى القطاع الخاص المتأثر بسلوك القطاع العام وفساده، ويؤكّد هذا أنّ متوسط الأداء الفعلي للموظفين العموميين لا يتجاوز الربع ساعة يومياً كما ينقل تقرير الديوان عن بعض الدراسات.

وإذا كان الحال كذلك فلا غرابة من أن يكون الفساد بهذه الضخامة والتغلغل، بل الغريب أن تبقى الدولة مواردها وخزائنها صامدة إلى الآن والكل يراها غنيمة وصيداً يسعى أن ينال منه بقدر استطاعته وجهده، ومادامت نظرة المغنم والعقلية الانتهازية ما الحاكمان للعلاقة بين المواطن والدولة فإنّ وسائل محاربة الفساد لن تكون ذات جدوى لأنّ القائمين عليها أنفسهم يحكمهم السلوك العام المتفشي في المجتمع، وها نحن لا تنقصنا التشريعات القانونية لمحاربة الفساد، ولا تُعوِزنا الأجهزة الرقابية لرصده، ولا نفتقد القضاء الذي يحاكمه ويعاقبه، ولكننا نفتقر إلى الفرد الذي يأنفُ منه ويرفضه، ويراه سلوكاً مشيناً ينافي دينه وخُلُقَه، بل صرنا نتعايش معه ونتكيف مع أضراره ونوطّن أنفسنا على مظاهره وأشكاله دون رفض له أو امتناعٍ عنه، وما نعانيه اليوم من أزمة سياسية متطاولة، ووضعية اقتصادية متفاقمة، وحالة اجتماعية وأخلاقية متردية إلا نِتاجُ هذا الفساد الذي قبلناه وتعايشنا معه منذ عقود الاستبداد وقبلها، والذي كانت تخفيه سطوة المستبدّ وبطشه، واليوم انكشف بعد أن رفعت عنه غطاءَهُ حريةٌّ لم تمسك زمامها المسؤولية والأمانة والحق.

إن محاربة الفساد اليوم لا يمكن أن تؤتي ثمرتها بتغيير هرم السلطة فقط، فالفساد ليس مقتصراً عليها وحدها، فقد عمّ الفساد أيضاً القاعدة وتغلغل في الجذور ولذلك فالانتخابات لن تأتي من القاعدة بجديد، وعليه فإن الفساد لن يُقضى عليه ما لم يتغير الوعي المجتمعي بأن يدرك الجميع أنهم مواطنون لدولتهم وأن عليهم واجباتهم التي بأدائها يستوجبون حقوقهم، وأن كل فرد له من الحقوق ما يناسب كفاءته وجهده الذي يسهم به في بناء وطنه وإعماره، وتغيير هذا الوعي ليصبح سلوكاً عاماً يحتاج تكاثف الجميع ومساهمتهم في تعزيز الانتماء الوطني بهذا المفهوم، ومؤسسات المجتمع المدني والمثقفون والمؤسسات التعليمية والدينية عليها أن تعمل على هذا بالتوازي مع عمل المؤسسات الرقابية والقضائية ليتمّ استئصال هذا الداء قبل أن يأتي على الوطن ومقدراته وخيراته ولات حين مندم.

شاهد أيضاً

الزمن كفيل بعلاج العقول أيضا

أبوبكر بلال/ كاتب ليبي   جاء في المثل السائر على ألسنة الناس إن الزمن كفيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.