الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
الرئيسية » مقالات » خالد المشري من الرمال الناعمة للصخور المدببة

خالد المشري من الرمال الناعمة للصخور المدببة

عبد الفتاح الشلوي/ عضو المؤتمر الوطني العام السابق

أدى الخلاف السياسي بين بعض أعضاء المؤتمر الوطني العام ونظرائهم به وكذلك مع رئاسته إلى تشظيه وفقدانه لقوته السياسية أمام مجلس النواب شريكه بالعملية السياسية المفترضة التوازن، ليس هذا فحسب وإنما طال الشقاق والتصدع الكتلة المعارضة للاتفاق السياسي داخل قاعة المؤتمر الوطني، وخاصة بين صقورها، وتحديدًا مع عبد الرحمن السويحلي، وعندما أقول عنهم صقورًا فليس من باب التقنين السياسي، بل من خلال توصيفهم بمواقفهم التي تمسكون بها فترة من الوقت  .

كيف للصقور أن تُهذب مناقيرها ومخالبها الحادة؟ وبهذه السرعة والانقلاب المفاجئ، هم صقور بالفعل، وليس أدل على ذلك من اتهام عمر حميدان — أحد  أعضاء وفدنا المفاوض —  مصافحته الشريف الوافي — الساند لفريق البرلمان بالحوار، ورئيس كتلة 94 المشتتة الأن، فقد سمعنا أن المصافحة تمت على شاطئ الصخيرات،  ودونتها بمحضر لجنة تقييم فريق الحوار والتي كنت أحد أعضائها، كانت الأجواء مهيأة لمثل هذا في ذلك الوقت .

زادت الشُقة بين قطبي المؤتمر المؤيدين للإتفاق السياسي والمعارضين له، ودبّ خلافٌ لم يكن بوسع الرئاسة لملمته، وبرز هنا عبد الرحمن السويحلي يقود الفريق المعارض، ويقوي شوكتهم، واتخذ من القصر المقابل لقصر رئيس المؤتمر الوطني في ذلك الوقت نوري بوسهمين مقرًا لإدارة معركة المعارضة، يجتمعون به، وفيه يتخذون قرارتهم والرئاسة على بعد مرمى حجر منهم، بل بإمكانهم التحاور معها عبر نافذتي القصرين .

لا شك أن السويحلي كان مهندس ولادة مجلس الدولة على أرض الواقع، و”برلندينو ليون” مصممه على ورق كلك الاتفاق، لكن ومع تقديرنا لدور بقية الأعضاء ما كان لمجلس الدولة أن يرى النور لو لم  تبنه السويحلي، ويقر بهذا المنصفون منهم، وإن كان عبد الرحمن السويحلي قد تجهز بشكل مبكر لرئاسته وكانت له الرغبة بتوسط دكة الرئاسة، خاصة وأن “ليون” قد نفخ بجذوة تطلعه عندما أشار الى أن السويحلي قد يكون رئيسًا لمجلس الدولة، وهو يدشن ولادة الإتفاق السياسي وشرعنته.

الأخير هذا كان بمثابة الأب الروحي لمعارضي الإتفاق السياسي، وداعمهم المعنوي “واللوجستي” وما اختياره لعضوية فريق الحوار بعد حركة التغير الأخيرة قبيل توقيع الاتفاق السياسي بمدينة الصخيرات المغربية إلا دليل على ذلك، وكأنما دُفع به ليكون رأس حربة ووسط خط الدفاع في آنٍ واحد، غير أن ملعب السياسية ليس كملعب كرة القدم، فالأخير مستطيل والأول دائري، السويحلي يؤدي المهمة باقتدار ولكن في غير صف الاتفاق السياسي .

يصفه البعض بالشخصية  الجدلية، وهو كذلك بالفعل، لكنه استطاع أن يمرر ويستقبل بذات الملعب، وتمكن بسنتي رئاسته أن يؤكد لأعضاء المجلس الأعلى للدولة أنه صمام الأمان لهم ولمشروعهم وعموده الفقري، فنال ثقتهم لدورتين سنويتين متتاليتين، وهنا لست بمعرض نقد الدكتور السويحلي سلبًا أم إيجابًا، وإنما من باب عرض أحداث وقعت ومنقلبات حدثت،

فبالدورة الثالثة طرأت متغيرات، ووصف السويحلي بأُحادية القرار، وذهب آخرون لنعته بالدكتاتورية بضاعته التي طالما رمى بها رئيس المؤتمر الوطني نوري بوسهمين، وفي المقابل لم يستكن لهذه الأوصاف ولم يحد عن خطه الذي انتهجه وإن كان خسر من خلاله كرسي الزعامة، ليس بالضرورة أن يكون ذلك بسابق علم وإصرار لكنها الواقعة وقد قيدها ملف المشهد السياسي في ليبيا.

تطلع الكثيرون لكرسي الرئاسة، وحضرت الجغرافيا بقوة، فالجنوب المهمش لا تكفيه رئاسة مجلس الدولة لكنها بمثابة صفحة عزاء لما يعانيه اليوم من بُعد جغرافي، وظُلم اجتماعي، ودونية سياسية، وكانت المناطقية والتكتلات الحزبية وكثير من الحسابات الأخرى حاضرة، لكن ومن خلال ما سمعت من بعض الزملاء، فإن تخوفهم من عدم أيجاد من  يسد فراغ رئيسهم الحالي كان هاجسًا لهم، ربما تلاشى ذلك مع تكرار عرضهم المبكر لمن يشغل كرسي الرئاسة بعامه الثالث، وحتى مع بداية استواء الطبخة ليلة الإنتخاب كانت أبواب الخيارات مُشرعةً على كافة الاحتمالات، بل وقبل انطلاق عملية التصويت.

فالسويحلي خصم سياسي شوكته قوية، وبعض الأحزاب لها حسابتها الخاصة بها، وثمة من اقتنص رباعية المتقدمين لخوض غمار المنافسة، لم يتفق أعضاء الجنوب على مرشح واحد فتشتتوا، وتاهت أصواتهم بين المتقدمين، ومنع تربع عقيلة صالح على كرسي رئاسة البرلمان من مجازفة أعضاء برقة دخولهم المنافسة بشكل واضح وصريح، فطالهم شئ مما طال ممثلي الجنوب.

لم يكن فوز خالد المشري مستبعدًا، ولا أظن أنه اعتمد على حزبه بالشكل الذي حقق له هذا الفوز، لقد هيأت له بعض التباعدات وكثير من التناقضات الوصول للرئاسة، ولعل ذلك أدى لتكملة الثالوث الجغرافي الليبي، المشري من غربنا، وحل ناجي مختار نائبًا أول من جنوبنا، وفوزي العقاب من شرقنا .

وعلى الرغم من أن الثلاثة لا يجمعهم قاسم سياسي من حيث الانتماء ولا الأداء، إلا أن مذيب الحالة السياسية بالبلاد سيكون حاضرًا وبقوة، فأي تهاون من قبلهم أو نزاع مبكر سيظهر أن المجلس الأعلى للدولة الذي ولد من خلال السويحلي قد يضعفُ وربما يتلاشى بإبعاده، ولا أستبعد أن يكون ذلك هو العامل الممازج والستار الذي سيحجب أي خلافات قد تظهر بشكل مبكر، ناهيك عن الخاسرين بالمنافسة سيتحينون الفرص لإظهار إخفاقاتهم، وستكون الحملة الإعلامية الشرسة والمبكرة التي سيواجهها المشري من أقوى العوامل التي تجعله يغض الطرف عن كثير من المؤلمات السياسية التي تعترضه، وسيمد يده للحلحلة بالعتمة قبل الظهيرة، خاصة وأن هناك من يشكك في أن المشري فقد بعض أصوات حزبه بصندوق الانتخابات الذي لا يؤمن بإفشاء أسرار الناخبين وتوجهاتهم وخيارتهم المعلنة والدفينة .

جاء إنتخاب المشري متزامنًا مع التصريحات الأخيرة لرئيس حزبه محمد صوان، والتي ألقت بظلالها على المشهد السياسي الليبي، وحركت ساكنًا، كبّ بجنادل تواجهات الليبيين السياسية، وكذلك توافقه مع دعوة الدكتور علي الصلابي بضرورة تبكير الإستفتاء على الدستور قبل إجراء الإنتخابات التشريعية والرئاسية، ومع خروج المشري في أول تصريح صحفي له وصندوق الإنتخاب بقاعة الإجتماع لم تُرفع من على طاولتها فقد يفكر الأخر بغير ما جاء بظاهر قوله، ويعدها من ضمن صفقة مُهرت برضى الخصوم، وبدهاليز خارج أصول اللعبة، وربما خارج حدود الوطن، هذه المفترضات فيم لو كانت حقيقة ستكون عقبة كأداء، وعندها ربما يتمكن المشري ونائباه من قلب ورقات الملف ووضعها بصورة تعيد تصريحات صوان لواجهة الحدث، ويومها لن يكون أمام الرئيس المنتخب إلا السير بطريق التراب الناعم، وإن كانت وجهته الأرض الصخرية .

شاهد أيضاً

الزمن كفيل بعلاج العقول أيضا

أبوبكر بلال/ كاتب ليبي   جاء في المثل السائر على ألسنة الناس إن الزمن كفيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.