الأحد , 16 يونيو 2019
الرئيسية » مقالات » شيوخ الثورة المضادة

شيوخ الثورة المضادة

أبوبكر بلال/ كاتب ليبي

مع تعالي أمواج الثورة المضادة ظهر نوع من أصحاب العمائم يشرعنون لها أفعالها وجرائمها بفتاوى وآراء فقهية خاصة يحاولون التأصيل لها بآيات من الذكر الحكيم والحديث النبوي الشريف، ولئن كان هذا النوع من أصحاب العمائم قد ظهر في كل الانقلابات العسكرية على مدى تاريخها وباركها إذ الحاجة إليه ملحة في توطيد أركانها إلا أن ظهوره بعد الثورات رفقة الثورة المضادة يعد أمرا كفيلا بالتوقف عنده والبحث فيه.

والمتابع لسلوك هؤلاء المشايخ وماضيهم يجد أن معظمهم قد تربوا في كنف السلطات القمعية التي ثارت عليه الشعوب وأسقطتها فالعلاقة مع السلطة الحاكمة أيا كانت لا بد من أن تظل قائمة راسخة، ولئن بارك بعضهم الثورات وأيدها تماشيا مع الرأي العام وعدم مخالفته إلا أنهم سرعان ما نكسوا على رؤوسهم لما علت موجة الثورة المضادة ورجعت الانقلابات العسكرية فارتموا في أحضانها غير آبهين بنكسة الديمقراطية ووأد الحرية متحججين بحجة رواد الانقلاب باستتباب الأمن والحرب على ما يسمونه الإرهاب والتطرف.

طرقهم في دعم الديكتاتوريات معروفة وهي قديمة حديثة رأيناها في ماضيهم القديم زمن الحكم العسكري ورأيناها اليوم في زمانهم الجديد زمن الديكتاتورية المستترة في ثوب ديقمراطي؛ إذ يعمدون مباشرة إلى تحريم الجماعات الإسلامية فيزعمون أن هذه الجماعات ليست من الإسلام في شيء، وأنها تفرق الأمة وتمزقها، ويلوون في ذلك أعناق النصوص فيكيفونها من أجل خدمة رأيهم اللافقهي الذي هو في الحقيقة رأي السلطان الجائر، متناسين أن هناك جماعات غير إسلامية غضوا الطرف عنها بل ربما باركوا وجودها رغم أن الشكل الذي اتخذه الاتجاهات غير الإسلامية وبناؤها المؤسسي يتفق وشكل الاتجاهات الإسلامية وبنيتها الداخلية، وكيف لا يباركون وجودها وهي التي يؤدي بعضها خدمة للديكتاتوريات كالتي يؤيدونها هم، فلو اتخذوا ضدها موقفا غير الذي يريده الديكتاتور فإن ذلك مخرجهم عن إطار الخدمة المكلفين بها.

في أحسن الأحوال يغفلون عن أن تلبيتهم لرأي السلطان وسوق النصوص التي تخدم رأيه إنما هي في الحقيقة دفع لعملية القضاء على المؤسسية والتنوع وتنظيم الاختلاف والتنافس الموصل إلى الإبداع والازدهار؛ حتى تكون الساحة خالية لفرد ﻻ فكر يسمح بوجوده وﻻ مؤسسة يرخِّص لها وجودها وممارسة نشاطها.

وفي أسوأ الأحوال فإنهم يدركون جيدا سوء صنيعهم وفعالهم وخبث الطبخة التي تورطوا في طبخها؛ فهم مجرد مساكين لم يكونوا في يوم من الأيام أصحاب قضية وأرباب مبادئ يذودون عنها ويموتون عليها ويعضون بنواجذهم عليها، فلا مانع عندهم من لوي أعناق النصوص التي تخدم عودة الديكتاتورية وتئد الحرية وتفرط في ديمقراطية وشورى رجعا بعد فترة من الزمن، وتضيع حق الإنسان في المشاركة السياسية.

ولأن تماشيهم مع الحجج الحديثة للديكتاتوريات أمر لا بد منه فإن وظيفتهم لا تقتصر فقط على الوقوف ضد المشروع الإسلامي المعتدل وتحريم المؤسسية، بل إن مهامهم لا تكتمل إﻻ إذا اشتغلوا بحرب ما يسمى بالإرهاب فعملوا على تصنيف الناس وتقسيمهم إلى قسمين: إرهابي وغير إرهابي، فالمتظاهر والداعي إلى التظاهرات إرهابي، والمتصدي بقلمه لبطش السلطة وجبروتها إرهابي، ومن نادى بالحرية والمشاركة السياسية إرهابي، أما غير الإرهابي فهو الذي يبارك كلما تبغيه السلطة ويلبي رغباتها وإن مارس عمله ضمن مؤسسة يحرمون عملا لأنها حسب أفهامهم وفهم الدكتاتور داخلة ضمن قول الله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء } وقوله: { كل حزب بما لديهم فرحون }.

شاهد أيضاً

هل تحث ليبيا الخطى إلى التقسيم؟

رشيد خشانة/ صحفي وكاتب تونسي لعل من أكثر الأسئلة شيوعا، هذه الأيام، في الأوساط الأكاديمية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.