الإثنين , 25 يونيو 2018
الرئيسية » مقالات » السلفية الحركية ومعضلة العمل السياسي

السلفية الحركية ومعضلة العمل السياسي

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

بعد الربيع العربي وجدت التيارات الإسلامية نفسها في خضمّ المعركة السياسية، وأحد لاعبيها الأساسيين، ومرجع ذلك قاعدتها الشعبية الكبيرة التي بَنَتْها من خلال ممارسة كثير من هذه التيارات للعمل الدعوي ضمن المساحات الضيقة التي وفّرتها لها أنظمة الاستبداد في محاولاتها الإصلاحية الفاشلة، وقد مثّل الربيع العربي لكثير من التيارات الإسلامية – ونعني هنا تيار السلفية الحركية – لحظة ميلاد مشروعها السياسي بعد أن كان عملها وممارستها مقتصراً على العمل الدعوي، وهذا أدّى إلى أمرين رئيسين، أحدهما: تبنّي الخطاب الثوري المتصلّب وادّعاء حصرية تمثيل الثورة والحفاظ عليها، والآخر: عدم وجود مرجعية واضحة لها قادرة على إيجاد مشروع سياسي يمكن أن يكون فاعلاً وقادراً على الصمود في مرحلة الهزّات الارتدادية للربيع العربي، والذي عرف بالثورة المضادة.

وهنا يجب التنبيه إلى أمر مهم يعاني منه تيار السلفية الحركية – ونقصد به في ليبيا بقايا الجماعة الليبية المقاتلة ممن انخرطوا في العمل السياسي والمقربين والمتبنين لخطاب دار الإفتاء وتوجهها السياسي-، وهو خلطه بين الممارسة الدعوية والممارسة السياسية في تعاطي الشأن العام، حيث اعتاد كثير من وجوه هذا التيار على طرح أفكاره ورُؤَاه ضمن السياق الدعوي الذي غالباً ما يتلقى جمهوره هذا الخطاب بالموافقة والتسليم خاصة وأنه يصدر من مؤسسة رسمية كدار الإفتاء، مما جعله يفشل في تقديم هذا الأفكار والرؤى في السياق السياسي بما يتناسب مع معطيات الواقع وحدود الإمكان، وأصبح عاجزاً عن الممارسة السياسية في الإطار الحزبي القادر على التعاطي مع التيارات السياسية الأخرى وفق قواعد التنافس والمواجهة السياسية.

والخلط عند السلفية الحركية بين المجال الدعوي والمجال السياسي مرجعه إلى قلة الخبرة السياسية، وقصور الفهم  لطبيعة الميدان السياسي وما يحتاجه من آليات ووسائل، وإصراره على تقديم نفسه سياسياً من خلال خطاب دعوي ثوري يضفي به على نفسه الشرعية الثورية ويتجاهل به حقيقة الأمر الواقع مما جعله على هامش المشهد السياسي وإن كانت له آثاره السلبية على بقية تيارات الإسلام السياسي التي انخرطت في العملية السياسية واستطاعت أن تحافظ على وجودها برغم حملات التشهير الإعلامي الشرسة ضدها ومحاولات إقصائها من العملية السياسية بالكامل.

وتبني الخطاب الثوري في بيئة سياسية مضطربة وجو سياسي محتقن جعل من سلوك هذا التيار سلوكاً متصلباً لا يمتلك أي قدر من المرونة المطلوبة سياسياً مما جعله في حالة صدام مع كل التيارات السياسية، حتى التيارات السياسية التي تشاركه المرجعية الإسلامية، وبدلاً من أن يعمل في مثل هذه الظروف ضمن شراكة مع تيارا الإسلام السياسي الأخرى للحفاظ على المساحة التي تم اكتسابها بعد الربيع العربي، أحدث بصدامه هذا تصدعات أضعفت هذا التيارات وجعلته يتراجع ويخسر كثيراً من مكاسبه، بل اتجه خطابه اليوم لمهاجمة تيارات الإسلام السياسي الأكثر مرونةً وانفتاحاً على الواقع بشراسة أكبر وأشد من مهاجمته للتيارات السياسية الأخرى وأخذ ينازعها المرجعية الإسلامية مدعياً أنه الوحيد ذو المرجعية الإسلامية، كما أنه وفر على الدوام بمواقفها وخطابها المتشدد مادة جيدة لمهاجمة تيار الإسلام السياسي عامةً وتشويهه، وهو ما تحسن التيارات الأخرى استغلاله بنجاح.

والسلفية الحركية مع تعنتها وتصلبها تعاني من غياب استراتيجية لإيجاد الحل، وليس لها إلا استراتيجية التعقيب على المواقف في رداء الواعظ السياسي، ولقد ظهر إفلاسها السياسي في ليبيا جلياً بدعمها وتأييدها لحراك 25 سبتمبر الذي دعا إليه عبد الباسط قطيط من مكانة إقامته المريح في الولايات المتحدة، وهذا الدعم والتأييد جاء نتيجة غياب أي رؤية للحل لديها ولما حواه خطاب قطيط من إقصاء غير واقعي وغير ممكن وافق هوى هذا التيار.

إن السلفية الحركية ستبقى عامل شدّ للوراء في العملية السياسية، وستسبب مزيداً من الضرر لتيار الإسلام السياسي ما لم تتمكن من صياغة خطاب ورؤية سياسية تستطيع قراءة الواقع وتدرك حدود الإمكان فيه، وتتخلى عن خطاب التصعيد الذي جعلها في حالة انعزال على هامش المشهد السياسي، وهو أمر يحتاج إلى مراجعة جادة وقرار شجاع يعيد النظر حتى في مفهوم السلفية نفسه وظروف نشأته ووجوده وملائمته للواقع والبيئة السياسية، خاصة وأن النظام السعودي التي نشر هذا المصطلح بإصداراته ونسخه المتعددة بدأت سياسته مؤخراً في التخلي عنه، وربما نرى إصداراً جديدة للسلفية يتلائم مع رؤية 2030.

شاهد أيضاً

المال السياسي والحركات الإسلامية

أبوبكر بلال/ صحفي ليبي ثمة مهلكات للحركة الإسلامية التي تهدف في مجمل أهدافها إلى نشر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.