السبت , 26 مايو 2018
الرئيسية » مقالات » فاتورة الحرب على التجار

فاتورة الحرب على التجار

عبد القادر الاجطل/ صحفي وكاتب ليبي

تعلمت فنون البيع والشراء مبكرا عن طريق والديَّ، وبعت واشتريت في سن مبكرة جعلتني أعرف معنى الادخار ومكنتني من شراء دراجتي الأولى من مالي الخاص قبل دخولي الصف السادس الابتدائي تقريبا، ما تلقيته من دروس نظرية قليلة، ودروس عملية كثيرة رسخ في ذهني قواعد عديدة للتجارة كشفت الأيام جدارتها.

فالأمانة والصدق، والاهتمام بإرضاء الزبون، واستثمار  رأس المال مهما كان قليلًا، والادخار ، والمثابرة على العمل، وتوصيل البضاعة إلى الزبون، وغيرها كثير اكتسبتها من خلال الممارسة والمتابعة، وانتفعت بها خلال عملي في التجارة طوال سنوات.

تجارة الترانزيت   

الموقع الذي تشغله بلادنا منحها فرصة تاريخية للقيام بدور تجارة الترانزيت بين أوروبا التي تطل عليها بساحل طويل، وإفريقيا التي تتعمق فيها وتشترك معها بحدود برية طويلة مع دولتي تشاد والنيجر، كما تربط ليبيا دولا من شرق القارة حيث مصر والسودان مع تونس والجزائر الواقعتين إلى الغرب من ليبيا، وهو ما أكسب التاجر الليبي مهارات شهد له بها القاصي والداني.

الاشتراكية

وكان من أخطر ما فعلته الاشتراكية بالمجتمع الليبي أنها تسببت في إجهاض القطاع الخاص وأوقفت أنشطة رأس المال الليبي الذي كان نشطا مبادرا.

نحو ثلاثمئة ألف تاجر أوقفوا عن ممارسة نشاطهم التجاري في كامل أنحاء البلاد بجرة قلم، ونقل معظمهم إلى العمل موظفين في مواقع مختلفة، وقد شهدتُ ما حل ببعضهم وكان يمتلك متجرا كبيرا لبيع الملابس وفي فترة وجيزة صودر متجره ضمن التصور الاشتراكي وصار سوقا شعبيا وتوظف صاحب المتجر الفعلي بعد ذلك في هذا السوق الشعبي بمرتب شهري زهيد.

شعار تصفية البرجوازية الذي رفع في بنغازي نهاية عقد السبعينيات وصودرت بذريعته أملاك الناس وضيقت عليهم أرزاقهم، كان أحد صور هذا التوجه الاشتراكي، الذي ينقل التجربة دون مراعاة لفروق المكان والإنسان، فصاحب الفيلا مهدد بمصادرتها، وسائق المرسيدس قد تصادر سيارته دون أن يملك أي وسيلة لحمايتها.

ظهرت بعد ذلك مقولات البيت لساكنه والسيارة لمن يقودها والقطيع لمن يرعاه، والتي تحول بعضها إلى قوانين تعطي أملاك الناس التي اكتسبوها بطرق مشروعة، إلى آخرين لم يخسروا فيها درهما ولادينارا.

كان عندنا بيت في بنغازي اشتراه أخي لوالدي في النصف الأول من عقد الستينيات، وأدخلنا عليه عديد التعديلات وأضفنا له غرفا ومطبخا وطابقا علويا غير مسقوف خلال أكثر من عشر سنوات كانت هي فترة سكننا فيه، ثم وبعد انتقالنا إلى مدينة البيضاء منتصف عقد السبعينيات، استأجرنا بيتا في مدينة البيضاء وعرضنا بيتنا في بنغازي للإيجار، وبعد سنوات فقدنا بيتنا، وباعه المستأجر الأول إلى آخر، واستحل أناسٌ أرزاق أناسٍ آخرين، واستولوا عليها في وضح النهار.

وبعد ثورة 17 فبراير ذهبت إلى بيتنا فإذا الساكن فيه ضابط صف من كتيبة الفضيل بوعمر، أصله من الجنوب الليبي، وتعاطفنا مع أولاده فلم نخرجه من بيتنا، ولم نسترجعه منه حتى هذه اللحظة.

فشل التجربة

لم تلبث “التجربة” الاشتراكية إلا قليلا حتى ثبت فشلها، وأحُرقت الأسواق العامة للتغطية على العجز والفشل والسرقات التي عمت وطمت، وضاعت المليارات في مغامرات وتجارب لم يكن هناك من يحاسب عليها.

وبعد وقت يسير أصاب الشركات العامة التي انشئت لتحل محل الشركات الخاصة نفس ما أصاب الأسواق العامة، وطفق أصحاب النظرية يبحثون عن طريقة يغطون بها على خسائر الشركات العامة التي أنشئوها بقرارات اشتراكية “ارتجالية” ، فلم تعمر طويلا بل سقطت سقوطا مدويا لم يقابل بما يستحقه من الإجراءات الرادعة للمتسببين فيه منذ النشأة المتعجلة إلى الانهيار المروع.

أثار فقد القطاع الخاص

التكامل المفترض بين القطاع العام والقطاع الخاص بحيث يسد أحدهما النقص لدى الآخر فقد بسبب هذه الرعونة والتعجل، فحرمنا دور القطاع الخاص الذي يرفع أعباء كثيرة عن القطاع العام، ويتحمل جزءا من أعباء عملية البناء وخطط تحقيق التنمية المستدامة، ويشارك في معالجة بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية مثل البطالة.

إجهاض التجارة والقضاء على القطاع الخاص بشكل شبه كامل جعل مئات الآلاف من الليبيين يعتمدون على مرتبات شهرية من الدولة، وزاد في بند المرتبات في الميزانية العامة، وعندما وردت فكرة تقليص أعداد الموظفين في القطاع العام، وظهرت فكرة الملاك الوظيفي، كانت الحلول التلفيقية مجرد إدارة للأزمة دون وضع حلول حقيقية لها.

قريب من نصف مليون موظف أخرجوا خارج الملاك الوظيفي، وأحيلوا على القوى العاملة، وأطلقت عليهم أسماء عديدة، ولكنها لم تضع حلولا جذرية للمشكلة بل زادت من عمق الأزمة، ولم تقلل من مصروفات الخزانة العامة، بل تحملت الخزانة العامة أعباء القرار الظالم بالقضاء على القطاع الخاص ومناهضة الملكية الخاصة ومحاربة التجارة، واستهداف التجار.

ففي الوقت الذي كانت الدول تتسارع نحو تحفيز القطاع الخاص، ودعمه وتوفير المناخ الجاذب للاستثمار، انشغلت الدولة الليبية خلال أكثر من عقد من الزمان بتجفيف منابع القطاع الخاص، ووضع العراقيل في طريقه، وهو ما ندفع بقية فاتورته الباهظة حتى يوم الناس هذا.

شاهد أيضاً

الركود السياسي .. سيد الموقف

عبد المجيد العويتي/ كاتب ليبي في كل مرة يطرأ فيه حدث مفصلي على الساحة الليبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *