السبت , 26 مايو 2018
الرئيسية » مقالات » الخلافة أو الدولة الإسلامية بين سيرورة تاريخية، وتقنين فقهي، وفوضى معاصرة!!

الخلافة أو الدولة الإسلامية بين سيرورة تاريخية، وتقنين فقهي، وفوضى معاصرة!!

إسماعيل القريتلي/ صحفي وكاتب ليبي

هناك مناطق اتفاق تتعلق بمسألة الخلافة أو الدولة في الإسلام بين المؤرخين والفقهاء والمفسرين في القديم والحاضر، ربما من بينها أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أسس دولة، ونظم العلاقات فيها، وسير الجيوش وخاض الحروب لحمايتها، ثم توسيع رقعتها وتكثير سكانها ومواردها، وقنن نشاطات السكان الاقتصادية والاجتماعية بحضور كثيف للقرآن الكريم، فكان ينزل منجما يدعم مواقف النبي الكريم أو يعالج نوازل مختلفة الطبائع، أو يجيب على أسئلة سكان الدولة من المسلمين وغيرهم.

ولعل ما تلى فترة رئاسة النبي الكريم من قضايا تتعلق بالإمامة والخلافة والدولة كانت ولاتزال محل خلافات؛ تمظهرت في نقاشات بدأت في سقيفة بني ساعدة، ثم اتسعت حتى تمثلت في حروب ضروس بين الصحابة رضوان الله عليهم، وتمددت على شكل نقاشات تقطر دما قادها الخوارج والعلويون والأمويون والعباسيون والسلاجقة والزنكيون والأيوبيون والفاطميون والأمويون في المغرب ثم الأندلس، والأغالبة والمرابطون، والعثمانيون وعشرات الدويلات والممالك التي تعددت وكثرت وترامت فوق جغرافيا المسلمين حتى يومنا هذا، بعد أن انهارت أكبر وآخر خلافة أو دولة للمسلمين؛ الخلافة العثمانية، إثر صراع لقرون مع أوروبا وروسيا القيصيرية والبلشفية، والثورات الداخلية.

النظر الفقهي غلب عليه منهج ترميمي أو ترقيعي، كان يلهث وراء سيرورة التاريخ وحركته، فلا يكاد يقنن ما انتهى إليه الأمويون، حتى يشرع في ترميم ما نتج عن انتصار العباسيين على الأمويين، ثم يعود ليرقع ما حدث من تراجع دور العرب في الخلافة العباسية ودخول المسلمين من الأعراق الأخرى على خط المشاركة في الحكم، ثم يأتي ليعالج ضعف الخلفاء العباسيين وسط بروز قادة الحرب وأمراء الجيوش غير العرب؛ السلاجقة والزنكيين والأيوبيين ومثلهم آخرون في المغرب الإسلامي، فأعيد فتح النقاش حول شرطي القرشية و الاجتهاد المطلق واستبدل كما عند الجويني بشرط امتلاك القوة والمال فهو فَقِيه نظام الملك وزير السلاجقة، وظهرت اجتهادات بجواز تعدد الخلفاء والرياسات في الأمة الواحدة، واختلفوا في حدود العدد الجائز.

طبعا، كان هناك اتجاه عريض بين الخوارج والمعتزلة وبعض السنة والشيعة يَرَوْن أن أصل فكرة الإمامة والخلافة والدولة ليست واجبة ويمكن بناء مجتمعات مسلمة دونها، لكن الاتجاه الفقهي الغالب رفض تلك الأفكار وانبرى ينقضها، وكان بلا شك على وفاق مع الخلفاء والأمراء في ذلك النقض والهدم.

ومنذ عصر الامتيازات الذي فرضته أوروبا وروسيا على الخلافة العثمانية، ثم تغلغل حركة الاستعمار في جغرافية العالم الإسلامي، ثم نشوء الدول القطرية الحديثة في جغرافيا المسلمين بولادة أكثر من 50 دولة، بات الفقهاء ينحتون آراء فقهية واجتهادات تسمح بهذا العدد من الرياسات وأنظمة الحكم، ويشرعنون الحدود والسيادة لتلك الدول، بل حتى الحروب على تلك الحدود بين أمة المسلمين الواحدة، حتى لو تطلب الأمر الاستعانة بغير المسلمين في تلك الحروب.

اليوم لا توجد خلافة أو دولة إسلامية جامعة، ويوجد تراث فقهي ينوء عن حمله ذوو القوة من الرجال، كله بحاجة إلى مراجعة منهجية علمية، تُستخدم فيها مناهج نقد للعلوم الإنسانية، بما في ذلك التاريخ وعلوم الاجتماع والنفس والسياسة والإنسان والدين وغيرها، وبحث مسألة الخلافة أو الدولة في الإسلام من خلال تطورها التاريخاني والفقهي والكلامي والفلسفي والاجتماعي والمعرفي والسياسي والاقتصادي، وصولا إلى نظريات جديدة تتناسب مع ما نحن فيه من أزمة ثقافية وفقهية وسياسية واجتماعية واقتصادية؛ فالحروب لم تعد على الحدود بين أكثر من 50 دولة مسلمة، بل داخل كل حدود وربما ستصبح حروبنا باسم الإسلام، وبتبرير فقهي وعقدي في شوارع كل مدينة، وبين كل قبائلنا وعشائرنا في جغرافيا المسلمين.

شاهد أيضاً

الركود السياسي .. سيد الموقف

عبد المجيد العويتي/ كاتب ليبي في كل مرة يطرأ فيه حدث مفصلي على الساحة الليبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *