السبت , 26 مايو 2018
الرئيسية » مقالات » بيئة الاستبداد وقومُه

بيئة الاستبداد وقومُه

أبوبكر بلال / كاتب ليبي

يعتقد البعض أن القابلية للاستبداد والتعلق بالمستبد سمة وخاصية مودعة عند قوم دون آخرين أو هو مقتصر على جهة ومحجور على جهة أخرى حتى يخيل إليك بهذا الطرح أن الاستبداد شربه قوم أثناء رضاعتهم ولا بد أن ينمو ويكبر في بواطنهم فيلازمهم حتى مماتهم.

ولا شك أن هذا الاعتقاد باطل وخاطئ يبطله ويخطئه المنطق والعلم وشواهد التاريخ في الماضي وفي الحاضر؛ فمن ناحية المنطق والعلم فإن بني البشر واحد وعقولهم وأفئدتهم التي فطرهم الله عليها واحدة تأبى الضيم والاستكبار وامتهان كرامتهم إلا إذا انتكست هذه الفطرة السليمة التي أودعها الله فيهم أو مسها شيء من الانحراف والزيغ عن سلامتها وصحتها، لا فرق بين فؤاد امرئ يسكن في قرية أو فؤاد امرئ آخر يقيم في مدينة أو حاضرة بلد ما.

ومن ناحية شواهد التاريخ وأحداثه سواء في الماضي أو في الحاضر فإننا شاهدنا كيف أن الاستبداد سيطر على حواضر ومدن ورضيت به جموع وجماهير تلك البقاع في حين مجته ورفضته قرى صغيرة وقفت في وجهه رغم قلة إمكاناتها ومساحتها التي لا تمكنها من هزيمته والانتصار عليه، وهذا الاستبداد نفسه شاهدناه كيف سيطر على قرى ومدن صغيرة في حين أنكرته مدن كبيرة ورفضت وجوده وأصرت على ألا يكون له فيها وجود ومكان؛ كما رأينا أن أناسا من أصول بدوية وحضرية مقتوا الطغيان وتصدوا له بكل ما يملكون، ورأينا أناسا يقابلونهم ويماثلونهم في الأصول نفسها وقفت معه وضحت من أجل ترسيخه بأموالها وأنفسها، ولسنا في صدد ضرب الأمثلة بالأسماء والشخوص، فالأمر إذن لا يتعلق بأن الاستبداد لا تحبذه مدن دون مدن أو جهة دون جهة أو قوم دون آخرين.

إن أمر الاستبداد والتمكين له وبقاءه متعلق بعدة عوامل متى ما توفرت في أي مكان وفي أي جهة أو استهدفت قوما دون قوم ترسخ وتوسع وحكم وساد، وتصب كل هذه العوامل في التهيئة له واستساغة فكرته من خلال وسائل وآليات مختلفة، فمن هذه العوامل وجود مجموعة ما تمثل رأس الاستبداد وهرمه استطاعت بفعل الإعلام والمال والسلاح والدعم الخارجي أن تقصي مجموعة أخرى تناقضها في أفكارها واستطاعت أن تخلق حاضنة شعبية لها ترحب بحكمها متى ما حانت ساعة الصفر، فاستولت على بلد ما أو جهة معينة.

إن هذه المجموعة أو تلك التي تقابلها هي التي يقع عليها العبء الأكبر في ترسيخ الاستبداد أو دفعه ومقاومته مدعومة بما سلف ذكره من عوامل ومن ثم ينقاد الرأي العام وراء المنتصرة منها فتتكون الحاضنة الشعبية التي تصور لبعض من يحللون تحليلا سريعا المشهد فتنطلق أحكامهم في التعميم والإطلاقات غير الدقيقة متوهمين أن منطقة ما أو عرقا معينا يقف مع الاستبداد وأن من يقابلها تقف ضده.

شاهد أيضاً

الركود السياسي .. سيد الموقف

عبد المجيد العويتي/ كاتب ليبي في كل مرة يطرأ فيه حدث مفصلي على الساحة الليبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *