السبت , 21 أبريل 2018
الرئيسية » مقالات » قليلون حول الدستور

قليلون حول الدستور

عبد المجيد العويتي/ كاتب ليبي

يعد الدستور قانوناً أعلى يقوم على تحديد القواعد الأساسية لشكل الدولة، ونظام حكمهاوشكل حكومتها ، وتنظيم سلطاتها العامة ، ويعرف القانون الدستور بأنه عبارة عن مجموعة من المبادئ الأساسية المنظمة لسلطات الدولة، والتي تضمن حقوق الحكام والمحكومين فيها .

و للدستور أهمية كبرى تتمثل في عديد النقاط منها تحديده لشكل الدولة ونظام الحكم فيها ، ونصه على حريات الأفراد السياسية والمدنية والفكرية وينظم كافة حقوقهم الأخرى كالاقتصادية والاجتماعية ، كما أنه يعد المرجعية الأساسية لكافة التشريعات والقوانين  ، ناهيك عن توثيق الهوية والشخصية التي تميز شعب تلك الدولة وإرثها الثقافي .

وقد كانت من أهم الشعارات التي رفعت وقت ثورة السابع عشر من فبراير 2011م إقامة الدولة المدنية القائمة على التعددية السياسية بنظام ديمقراطي يؤسس لها ويحافظ على قوتها ويعزز شرعيتها باعتباره القانون الأسمى للتشريعات وتأتي من بعده القوانين والقرارات واللوائح ، ولهذا الغرض عكفت مجموعة من المتخصصين في مختلف المجالات تم انتخابهم في 20 فبراير 2014م على كتابة وصياغة مشروع الدستور الليبي ليرى النور بعد سنوات في مسودة حصلت على أغلبية الحاضرين في لجنة صياغة الدستور المعروفة بلجنة الستين لينتقل الاستحقاق إلى ملعب الساحة البرلمانية التي تماطل إلى هذا الحين في إصدار قانون الاستفتاء وهي المرحلة النهائية حيث سيكون للشارع العام الكلمة الفصل في قبوله إياه من عدمه ومن ثم إقراره ليكون لليبيا بعد عقود أربع تحت نير الاستبداد وسبع عجاف تحت وطأة الفوضى دستور ينظم الحياة السياسية والمدنية في البلاد .

وقد صاحبت عملية صياغة المسودة عديد العراقيل والمنعرجات التي أثرت سلباً على كاتبيه أدت على أقل تقدير إلى تأخر إخراج هذا المولود ( الغير ذي بدعة من الانجازات الانسانية ) ليواجه بعدها عراقيل أخرى ، فأثناء كتابته برز رافضون كثر ومؤيدون أقل للمشروع على رأسهم الشارع العام الذي كان هذا مطلبه من الأساس ، ومن الرافضين أثناء الصياغة المكونات الثقافية كالتبو والطوارق الذين قاطعوا الجلسات معتبرين عقدها مخالفا لمبدأ التوافق معهم ، بأن الهيئة يستحوذ عليها المكون العربي الذي هيمن على تنظيم أعمالها وقراراتها، بلا أي اعتبار لقرار القوميات الأخرى، وفق بيان يخص ممثلي مكون التبو ، وقد رفض قبلهم مكون الأمازيغ المشاركة أصلا في انتخابات لجنة الستين بسبب رفض المؤتمر الوطني تعديل نظام التصويت على اتخاذ القرارات المتعلقة بحقوقهم الثقافية، وإبقاء نظام التصويت بأغلبية ثلثي الأعضاء زائد واحد، وهو ما عدّه الأمازيغ إجحافا بحقهم لاعتبارهم أقلية داخل الهيئة.

وأعلن كذلك التكتل الاتحادي الوطني الفدرالي في بيان رفضه القاطع لمشروع الدستور وعدم اعترافه به، لتجاهله الحقوق التاريخية والجغرافية والسياسية لإقليم برقة شرقي البلاد ،وقدم عدد من الناشطين بالمنطقة الشرقية بهذا عريضة إلى مجلس النواب طالبوا فيها بعدم التعاطي مع مشروع الدستور وعدم إصدار أي قرارلإحالتها للاستفتاء بسبب انتهاء ولاية الهيئة حسب قولهم ، وقد صاحبت أيضاً عملية صياغة مشروع الدستور مصاعب أخرى لوجستية وأمنية أثرت على إنجاز المشروع .

وبعد إصدار المسودة النهائية بعد تصويت الأغلبية داخل الهيئة التأسيسية وإقرارها بدأت الحملات السياسية التي تدعم الخيار الدستوري وأخرى تحاول إيقافه ، يتزامن هذا مع استعداد البلاد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية نهاية هذا العام 2018م ، فبدأ المؤيدون للإجراء الدستوري بتكثيف الحملات التوعوية في الاتجاهات المختلفة كالصعيد الشعبي بإقناع المواطنين بمساعدتهم بالضغط على الجهات المعنية بضرورة إجراء الاستفتاء على الدستور قبل الشروع في الانتخابات ، وأيضاً على الصعيد الرسمي للتأكيد على جاهزية الدولة لإجراء الاستفتاء ودخول مؤسسات الدولة السياسية مرحلة الدولة العادية وإنهاء المراحل الانتقالية ليقوى موقفها تجاه الظروف الاستثنائية التي تواجه الدولة في المرحلة الانتقالية ، واتجاه أخر نحو الداعمين الدوليين لليبيا وعلى رأسهم البعثة الأممية للدعم في ليبيا التي تشرف على عقد الانتخابات القادمة.

ولكن يبقى أصحاب هذا المجهود الحلقة الأضعف من الناحية التعبوية ، فقد تصدر الخيار المؤيد لإجراء الاستفتاء مجموعة قليلة من النخب والأحزاب والتيارات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالحقوق الدستورية والديمقراطية ، ومع هذا المجهود البسيط يبدو أن القناعة بأهمية دسترة الانتخابات قبل إجرائها لم يصل مبتغاه سواء على الصعيد الشعبي أو الرسمي أو الدولي .

أمام هذا المجهود ، مجهود آخر يتراوح بين الرفض وعدم الالتفات لهذه الأهمية ، فبالإضافة للرافضين تبرز تيارات ونخب وتوجهات لا تبالي بأهمية الاستحقاق الدستوري وما يهمها فقط في هذه المرحلة إنهاء الأجسام السياسية التشريعية والتنفيذية الحالية في أقرب فرصة كانت ، تغولاً في النكاية السياسية ليس إلا ضد بعضهم البعض ، والبعض الآخر من يرفض إقامة الاستحقاق الدستوري بطريقة غير مباشرة لتستمر المرحلة الانتقالية بسوء ظروفها لتستمر بتغطية عيوب من يتصدر مشهدها ، فكثيرون ممن يطمعون بالسلطة ويحلمون بخطفها عنوة ستقف محددات وبنود وشروط وضوابط الدستور أمام تحقيق حلمه في الاستحواذ بالحكم وإعادة طابع الاستبداد واستعباد العباد .

وأمام هذه القلة المؤيدة والكثرة الرافضة يؤجل شوق الليبيين لدولة مدنية عادية تنهي المراحل الانتقالية بكافة سلبياتها وتضع قطار نظامهم على سكة وجهتها مستقيمة لا محطات استثنائية قد تعطلها عن المضي قدماً نحو هدفها وهي الدولة المدينة المنشودة .

شاهد أيضاً

في جنوب ليبيا.. لا فرق بين المهرب ورجل الأمن

عبد المنعم الجهيمي/ صحفي من سبها أُدِركُ تماما حجم الفوضى التي تشهدها البلاد، وأعرف أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *