الأربعاء , 18 يوليو 2018
الرئيسية » مقالات » أزمة الوعي ودور النخبة

أزمة الوعي ودور النخبة

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

أخطر الأدواء ذاك الذي يعتاده العليل ولا يشعر به ينهش جسده ويحطم خلاياه ويدمر بنيانه، حتى إذا بلغ به الهلاكَ وأشفى به إلى الموت أدرك أنّ التداوي لا يجدي؛ إذ الجسد صار غير قادر على أن يتفاعل مع الدواء وقد غلبته العلة وقهره المرض.

وكذلك الأمم والمجتمعات فيما يعرض لها من أدواء وعلل، إن هي لم تتيقظ لها وتنصرف لعلاجها، استشرت هذه العلل فيها فتكاً وتدميراً حتى تردها متشرذمة ضائعة لا تملك من أمرها شيئاً ولا تقدر أن تجلب نفعاً أو تدفع ضرًّا.

ولعلّ أهم ما تمنع به الأمم والمجتمعات تفشي العلل والأدواء فيها هو “الوعي”، ونقصد به حسن الإدراك للواقع والرصد لتغيراته ومعرفة ما يهجم على المجتمعات من آفات وما يفرّخ فيها من جراثيم مهلكة مفسدة، وسبل تلافيها وطرائق علاجها وإصلاح ما أنتجت من ضرر، كذلك وسائل النهوض بالمجتمعات وأسباب إدراك ركب الرقي والتحضر دون أن تنسلخ عن هويتها أو تفقد خصوصيتها أو تنقطع عن تاريخها أو تتخلى عن رسالتها.

وهذا الوعي يحتاج بلا شك طليعةً في المجتمع تنهض بعبئه وتحمل ثقله، وهذه الطليعة هي ما نسميه اليوم بالنخب، فالنخب في خطاباتها وفيما تكتب وتؤلف وتقدم من إنتاج ثقافي تشكل وعي المجتمع وتصوغ أفكاره، لذلك كانت هي المعوّل عليها دائما في النهوض وإحداث التغيير.

ونحن اليوم نعيش حالة من التأزم على مختلف المستويات سياسيها واجتماعيها واقتصاديها وفكريها، إلا أن أقل الأزمات عناية بها وسعياً لحلحلتها أزمتنا على مستوى الفكر والوعي، مع أن المتأمل يجد أثرها جلياً واضحاً في الأزمات الأُخر، فبلد كليبيا بعدد شعبه القليل، وضخامة موارده، واستراتيجية موقعه، وتجانس مكوناته، واتساع رقعته، يستغرب المرء من تأزم حاله وتردي أوضاعه، كما أن أغلب الحلول تتجه إلى معالجة أعراض الداء دون أصله، فالكلام والبحث عن وصولنا لهذه الحالة من التزعزع والاختلال ليس سببها الصراع على السلطة، فهو أمر طبيعي في كل المجتمعات، وإنما سببه عقليتنا التي نتصارع به، وقس على هذا الصراع غيره.

حالة الغياب عن الوعي التي أدخل فيها المجتمع الليبي بسبب ما فرضته الدكتاتورية عليه من نظام ساذج حتّم عليه أن يكون كومبرساً في مسرحية طويلة امتدت فصولها أكثر من أربعة عقود، وتشكلت خلالها مجموعات من المثقفين يعانون حالة من التشوش والارتباك داخل هذا النظام مما أفقدهم الشعور بدورهم في بناء الوعي وصياغة الفكر داخل المجتمع، وطالتهم بعض آفات هذا النظام من مداهنة ونفاق وتسلط واستعلاء.

ولما زال هذا النظام الشمولي بقيت رواسبه وآثاره في المجتمع، وبدل أن تتجه النخب المثقفة إلى إعادة تشكيل الوعي المجتمعي وصياغته بما يتناسب مع المجتمعات المتحضرة القادرة على التعايش وتقبل الآخر، وإدارة الخلاف من خلال بناء دولة المؤسسات والقانون، كانت هذه النخب تبادر للمشاركة في الصراع حاملة رايات الإقصاء وناهجةً نهج المغالبة والاستئثار.

إنّ أغلب التيارات المؤثرة في وعينا المجتمعي ارتكبت أخطاءً جساماً أدت إلى الحالة التي نعيشها اليوم، وكان التيار الإسلامي أكثر هذه التيار عرضة للنقد والهجوم، مع أنه تيار عريض فيه إصلاحيون وثوريون ومتطرفون، وُضعوا –ولازالوا- في سلة واحدة وجعلوا شماعة تعلق عليها كل أخطاء المرحلة، وهذا على ما فيه من قلة الإنصاف إلا أنه أفاد كثيراً من أتباع هذا التيار في المراجعة وإعادة التقييم للوسائل والخطاب والمنهجيات.

بينما لم يوجه النقد الجاد لأخطاء التيار الآخر التي كان كثير منها كارثياً على وعي المجتمع وإدراكه، فقد تمّ من خلال خطاب هذه النخبة تشويه مفهوم الدولة المدنية، وذلك من خلال الشرعنة لدولة العسكر ودعمهم وجعلهم ركن بناء دولة المؤسسات والقانون –والحق أن دولة المؤسسات والقانون لا توجد إلا في مجتمعات واعية-، ورفض التعايش مع حقيقة أن تيار الإسلام السياسي جزء من العملية السياسية، ورفض التعددية الحزبية واستدعاء دور القبيلة، إلى غير ذلك مما أزّم مشكلة الوعي المجتمعي وزادها تعقيداً.

إن النخب من مختلف الخلفيات الفكرية صار لزاماً عليها إعادة صوغ خطابها انطلاقا من الوعي الجيد بالواقع، والحرص على المصلحة الوطنية، والعمل على ترسيخ مفهوم التعايش وتقبل الاختلاف ضمن إطار وطني حقيقي لا وصاية فيه لأحد على الوطنية، بل الجميع مدرك لمسؤولياته ومتمتع بحقوقه، يمارس حق التعبير وحرية الرأي بعيدا عن العنف والتحريض.

وهذا الأمر بطبيعة الحال يحتاج إلى النقد الذاتي والتصحيح المستمر وحرص النخبة الدائم على تأطير خطابها بهذا الإطار، ولن يكون له أثره السريع والبالغ ما لم يخلع هذا الخطاب عباءة النرجسية ويتخلى عن نبرة النخبوية في خطابه ليلامس الناس ويؤثر فيهم بأبلغ الأثر.

شاهد أيضاً

ليبيا وتحديات بناء الدولة

عبد القادر أبوشناف/ صحفي ليبي بناء الدولة مسألة من بين المسائل المهمة والملحة اليوم  في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.