الجمعة , 15 ديسمبر 2017
الرئيسية » مقالات » السياسة الشَّرعية (1)

السياسة الشَّرعية (1)

شكري الحاسي/ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

لقد ذكر جُل الفقهاء السياسة الشرعية : أنَّها سياسة الخلق بالحق . لكن كثير منهم قيدوها إما بالتعزيرات أو الجنايات أو غيرها . إلا أنَّ للعلامة ابن القيم قولاً  آخر  حينما قال عن الوفاء بن عقيل قوله :  ’’ السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه و سلم ولا نزل به وحي . ’’ !!!! ؟ .17. الطرق الحكمية .

ثم يُعقب مُستغرباً عما آلت إليه عقول كثير من الفقهاء الناطقون باسم الشريعة في زعمهم ، وعليه أحدثوا شرخاً في الأمة عظيم وما ذلك إلا بنوع تقصير ، وقصور في عقولهم ؛  أحدثوا من خلاله غلط على الشريعة عظيم فقال : وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام ، وهو مقام ضنك ، ومعترك صعب فرط فيه .

الطائفة الاولى : طائفة فعطلوا الحدود ، وضيعوا الحقوق ، وجرءوا أهل الفجور على الفساد ، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها وسدوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحقِّ ، والتنفيذ له ، وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعاً أنَّها حقٌّ مطابق للواقع ظناً منهم منافاتها لقواعد الشَّرع ، ولعمر الله إنَّها لم تناف ما جاء به الرسول وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم ، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشَّريعة ، وتقصير في معرفة الواقع ، وتنزيل أحدهما على الآخر .!!!!! ؟؟ فلما رأى ولاة الأمور ذلك ، وأنَّ النَّاس لا يستقيم لهم أمرهم ؛ إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة ؛ أحدثوا من أوضاع سياساتهم شراً طويلاً وفساداً عريضاً فتفاقم الأمر ، وتعذر استدراكه ، وعز على العالمين بحقائق الشَّرع تخليص النفوس من ذلك ، واستنقاذها من تلك المهالك .

الطائفة الثانية :  وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة ، فسوَّغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله . وكلتا الطائفتين أُتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله ، وأنزل به كتابه  فإنَّ الله سبحانه أرسل رسله ، وأنزل كتبه ؛ ليقوم النَّاس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات ؛ فإذا ظهرت أمارات العدل ، وأسفر وجهه بأي طريق كان ؛ فثم شرع الله ودينه. ؟؟؟؟؟ والله- سبحانه- أعلم وأحكم وأعدل، أن يخص طرق العدل ، وأماراته وأعلامه ، بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة !! . 19.الطرق الحكمية .

ويحسم في موطن آخر فصل الخطاب في قضية ، وحقيقة هي من أهم الحقائق الَّتي كانت سبباً لشرٍ كبير ، ومزلق خطير، وهو فصل الدِّين عن الحقيقة ، وجعل كل منها نصفاً للآخر ، وأنَّ النَّقل شيء ، والعقل نصفٌ آخر . وهو فصل الخطاب.  فقال فصل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل تنقسم :  إلى صحيحة ، وفاسدة :

وتقسيم بعضهم طرق الحكم الى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدِّين الى شريعة ، وحقيقة وكتقسيم آخرين الدِّين الى عقل ، ونقل ، وكل ذلك تقسيم باطل بل السياسة ، والحقيقة والطريقة ، والعقل كل ذلك ينقسم الى قسمين : صحيح ، وفاسد . فالصحيح قسم من أقسام الشَّريعة لا قسيم لها ، والباطل ضدها ، ومنافيها ، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها ، وهو مبنى على حرف واحد ، وهو عموم رسالته -()-بالنسبة الى كل ما يحتاج اليه العباد في معارفهم وعلومهم ، واعمالهم . 4/375. إعلام الموقعين . وهذا خلاصة قوله أنَّ الحقَّ إذا أسفر وجهه ، وبانت ملامحه ، وعلامته ، من أي طريق كان ، وأي سبيل حان ؛ فذاك هو شرعه وحكمه .

وقل : فكيف يظن أنَّ شريعته الكاملة الَّتي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج الى سياسة خارجة عنها تكملها ، أو إلى قياس أوحقيقة أومعقول خارج عنها ، ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالنَّاس حاجة إلى رسول آخر بعده ؛ وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك ، وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به ، واستغنوا به عما ما سواه وفتحوا به القلوب ، والبلاد وقالوا هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم وقد كان عمر رضى الله عنه ، يمنع من الحديث عن رسول الله -()- خشية أن يشتغل النَّاس به عن القرآن فكيف لو رأى اشتغال النَّاس بآرائهم ، وزبد أفكارهم وزبالة أذهانهم ، عن القرآن ، والحديث فالله المستعان . .4/376. إعلام الموقعين .

ويُعبر-رحمه الله – بتعير رائع راقي يحمل في طياته عُمقٌ وفقهٌ ؛ يحمل العامة على دينه وشرعه ، ويقي الكافة من الحرج والعنت ، فيقول : من له ذوق في الشريعة ..؟   واطلاع على كمالها ، وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش ، والمعاد ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق ، وأنَّه لا عدل فوق عدلها ، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح ، تبين له أنَّ السياسة العادلة جزء من أجزائها ، وفرع من فروعها ( وأنَّ من أحاط علماً بمقاصدها ، ووضعها موضعها ، وحَسُن فهمه فيها ؛ لم يحتج معها إلى سياسة غيرها ألبتة ) . فإن السياسة نوعان :  سياسة ظالمة فالشَّريعة تُحرمها ، وسياسة عادلة تخرج الحقَّ من الظالم الفاجر ؛  فهي من الشَّريعة علمها من علِمها وجهِلها من جهِلها .

وينازع من قال من الفقهاء أيضاً ؛ في معنى البينة ، وحقيقتها وكيف قصرت عقول بعضهم .؟  فقصروها عىا ما فهموه بقلة فهمهم وضيق تصورهم لمعنى البينة فقال : وبالجملة فالبينة اسم لكل ما يُبين الحق ويظهره ، ومن خصها بالشَّاهدين ، أو الأربعة أوالشاهد لم يوفِ مسماها حقه ، ولم تأتِ البينة قط في القرآن مراداً بها الشاهدان ، وإنَّما أتت مراداً بها الحُجَّة ، والدليل ، والبرهان مفردة ومجموعة وكذلك قول النبي -()- البينة على المدعي المراد به أنَّ عليه بيان ما يصحح دعواه ليحكم له . والشاهدان من البينة  ولا ريب أنَّ غيرها من أنواع البينة ؛ قد يكون أقوى منها لدلالة الحال على صدق المدعي ؛ فإنَّها أقوى من دلالة إخبار الشاهد ، والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة ، متقاربة في المعنى . فالشارع لم يلغِ القرائن والأمارات ، ودلالات الأحوال بل من استقرأ الشَّرع في مصادره وموارده ، وجده شاهداً لها بالاعتبار مرتباً عليها الأحكام …!!!

ويُؤكد ابن القيم أيضاً ؛ شاهد آخر لبيان الحقِّ وظهوره فيقول :  ولا محذور في تسميته فراسة ؛ فهي فراسة صادقة ، وقد مدح الله –سبحانه- الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه فقال- تعالى – إنَّ في ذلك لآيات للمتوسمين ؛ وهم المُتفرِسون الآخذون بالسيما وهي العلامة يقال : تفرَّست فيك كيت ، وكيت وتوسمته وقال تعالى : وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ   وقال تعالى : يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُم   وفي جامع الترمذي مرفوعاً : اتقوا فراسة المؤمن فإنَّه ينظر بنور الله ، ثم قرأ  إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ  .الحجر: 75.

شاهد أيضاً

تفويض المشير .. فصل العسكرة الأخير

علي أبوزيد/ كاتب ليبي منذ اللحظة الأولى لعملية الكرامة كانت الأمارات واضحة على أنها مشروع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *