الأحد , 16 يونيو 2019
الرئيسية » مقالات » مــاذا لـو لــجـأت لـيـبـيا إلى صندوق النقد الدولي؟

مــاذا لـو لــجـأت لـيـبـيا إلى صندوق النقد الدولي؟

صقر الجيباني/ خبير اقتصادي ليبي

على افتراض أن ليبيا طبقت السياسات  المذكورة أعلاه لإحداث تغيير هيكلي في الإقتصاد الوطني و للخروج من أزمتها المالية  الحالية فسوف نكون أمام النتائج التالية :
1) ضعف  القوة الشرائية للدينار الليبي نتيجة تخفيض قيمته أو تعويمها و سوف يدفع ثمن هذا الضعف الطبقة المتوسطة و الدنيا من الدخل نتيجة ارتفاع المستوى العام للأسعار بشكل مفاجئ و كبير و في نفس الوقت  رفع الدعم عن السلع الأساسية و المحروقات  و بالتالي زيادة مساحة الفقر و شدته في المجتمع الليبي .
2) تخفيض قيمة الدينار الليبي أو تعويمه  لمعالجة الاختلال الحاصل في ميزان المدفوعات و سد العجز في الميزان التجاري (الصادرات و الواردات )لا يصلح للحالة الليبية التي يشكل فيها النفط أكثر من 95% من اجمالي الصادرات .فالنفط  تتحدد أسعاره بالاسواق العالمية و يخضع لتفاعلات العرض والطلب بالسوق العالمي و بعض العوامل الجيوسياسية و لا تأثير يذكر لسعر صرف الدينار الليبي، أما ارتفاع اسعار الواردات بعد عملية التخفيض أو التعويم لتقليل الطلب المحلي على الواردات فإن مشكلة ارتفاع معدل الانكشاف التجاري للاقتصاد الليبي على الخارج و ضعف مرونة الجهاز الإنتاجي المحلي سوف تبطل مفعول الهدف المعلن من سياسية تحرير سعر الصرف الدينار على الواردات .

3) بعد رفع كافة القيود على الإستثمار الأجنبي ستتحول ليبيا الى سوق استهلاكية مفتوحة على مصرعيها للشركات متعددة الجنسيات ذات رؤوس الأموال الضخمة و التكنولوجيا المتطورة و التي ينتمي معظمها الى كبار الدول المساهمة في الصندوق و المهيمنة على قراراته وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ،و سوف تدخل هذه الشركات في منافسة غير عادلة  بالمرة مع الشركات الخاصة المحلية و تقضي عليها .
4)إنسحاب الحكومة من التدخل في النشاط الاقتصادي و حماية الفئات الضعيفة اقتصادياً  تطبيقاً لروشتة الصندوق، سوف يكون لدينا قطاع خاص صغير و غير مؤهل للمنافسة مع الأجنبي و بالتالي سوف يكتسح المستثمر الأجنبي السوق الليبي بالكامل و ستتحول العمالة المُسرّحة من القطاع الحكومي الى عمالة رخيصة لدى الشركات العالمية أو الى سجلات البطالة الإجبارية .
5) برامج الخصخصة التي تتضمنها روشتة الصندوق  لن تستثني الوحدات الاقتصادية الإستراتيجية  كالنفط و الغاز و الكهرباء و الإتصالات التي يعجز القطاع الخاص المحلي عن الاستثمار فيها نظراً لتكلفتها العالية و ارتفاع مخاطرها الاستثمارية بالنسبة اليه ،و بالتالي سوف تستحوذ عليها الشركات العملاقة العابرة للحدود و يعني ذلك أننا سنرهن مقوماتنا و مواردنا الاقتصادية الوطنية بيد الأجنبي مقابل قروض مالية أنقذت الحكومة من الافلاس و لكنها أغرقت طبقات المجتمع لاسيما الطبقة الوسطى و الدنيا في الفقر و البطالة .هذا خلافاً عن عمليات و صفقات الفساد الكبرى التي عادة ما ترافق برامج خصخصة الشركات الوطنية في الدول التي  تغيب فيها المحاسبة و الرقابة و يتفشى فيها الفساد مثل ليبيا  .
6) برنامج العلاج بالصدمة الذي ينتهجه الصندوق  في تصحيح الإختلالات الهيكلية للإقتصادات المأزومة أو ما يسميه الصندوق ببرامج التكيف الهيكلي و التثبيت الاقتصادي لا يصلح لعلاج الحالة الليبية مثلما لم يصلح التغيير السياسي بالصدمة الذي جربته ليبيا و بعض دول المنطقة . لقد علمتنا التجربة الحديثة أن التدرج في الإصلاح سواء السياسي أو الاقتصادي هو الأفضل وسيلة و الأضمن نتائج من أسلوب العلاج و التغيير بالصدمة خصوصاً للدول التي لازالت تحبو في طريق النمو ذات التركيبة الاجتماعية و الجهوية الخاصة كالحالة الليبية .

7) روشتة الصندوق بنودها واحدة تقريباً لجميع الدول المأزومة و لكل الحالات مهما كانت أسباب الأزمة و ظروف الحالة ، سواء كانت الدولة متخلفة أو متقدمة أو سائرة في طريق النمو ، فالروشتة التي قدمها الصندوق لدول أمريكا اللاتينية و أغرقتها في الديون هي نفسها الروشتة التي قدمها لدول جنوب شرق آسيا و ورّطها في  أزمة العملات الآسيوية و هي نفسها الروشتة التي قدمها الصندوق مؤخراً لمصر ،و هذا يشكك في مصداقية الهدف الحقيقي للصندوق و الغرض الأساسي وراء هذه الوصفة و النتائج المتوقعة منها لمختلف الحالات و من بينها الحالة الليبية .
8) من شروط الصندوق الاشراف الدقيق و التوجيه المستمر و  المتابعة اللصيقة و الرقابة الصارمة على تطبيق بنود وصفته العلاجية للدولة المعنية و انزال العقوبات بمن يخالفها ،و هذا يفتح المجال للتدخل الفـجّ  في سيادة الدولة المدينة للصندوق و يمس كرامتها الوطنية بشكل مباشر .
أخيراً و  للإنصاف فإن روشتة صندوق النقد الدولي ليست بالسوء المطلق ، فمثلما ورّطت هذه الروشتة  دولاً كثيرة في أزمة المديونية الخارجية طويلة الأجل و زادت من تفاقم وضعها المالي في كل من أمريكا اللاتينية و آسيا و افريقيا كانت قد تعاملت مع الصندوق و لجأت اليه لطلب المساعدة خلال أزماتها المالية ،فإن هناك دول  و قليل ما هي  نجحت في اجتياز أزمتها المالية بعد تطبيقها لروشتة الصندوق .

يبقى السؤال المهم.. هل تدهور سعر صرف الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية الرئيسية و وصول التضخم الى مستويات مقلقة و انقسام السلطة المالية و النقدية بالبلاد سيناريو يتم من خلاله  استدراج ليبيا لتطبيق  هذه الروشتة ؟!

 

شاهد أيضاً

هل تحث ليبيا الخطى إلى التقسيم؟

رشيد خشانة/ صحفي وكاتب تونسي لعل من أكثر الأسئلة شيوعا، هذه الأيام، في الأوساط الأكاديمية، …

2 تعليقان

  1. الاستتمارية الاموال المجمدة الليبية بعلمانية المالية والادراية والمحاسبية والاقتصادية والانتاجية والتقافية وراس مال الارصدة المجمدة ثابت وصرف الفوءاد بعلمانية الاقتصادية والانتاجية والتقافية وجهة نضرى عام وليست بضرورة عن راي شخصى وشكرا تحياتى لكم كل عام وانت بخير ونعمة بالله

  2. الحمدالله وشكرا لله وكل عام وانت بخير تحياتى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.