السبت , 24 أغسطس 2019
الرئيسية » مقالات » مــاذا لـو لــجـأت لـيـبـيا إلى صندوق النقد الدولي؟

مــاذا لـو لــجـأت لـيـبـيا إلى صندوق النقد الدولي؟

صقر الجيباني/ خبير اقتصادي ليبي

على افتراض أن ليبيا طبقت السياسات  المذكورة أعلاه لإحداث تغيير هيكلي في الإقتصاد الوطني و للخروج من أزمتها المالية  الحالية فسوف نكون أمام النتائج التالية :
1) ضعف  القوة الشرائية للدينار الليبي نتيجة تخفيض قيمته أو تعويمها و سوف يدفع ثمن هذا الضعف الطبقة المتوسطة و الدنيا من الدخل نتيجة ارتفاع المستوى العام للأسعار بشكل مفاجئ و كبير و في نفس الوقت  رفع الدعم عن السلع الأساسية و المحروقات  و بالتالي زيادة مساحة الفقر و شدته في المجتمع الليبي .
2) تخفيض قيمة الدينار الليبي أو تعويمه  لمعالجة الاختلال الحاصل في ميزان المدفوعات و سد العجز في الميزان التجاري (الصادرات و الواردات )لا يصلح للحالة الليبية التي يشكل فيها النفط أكثر من 95% من اجمالي الصادرات .فالنفط  تتحدد أسعاره بالاسواق العالمية و يخضع لتفاعلات العرض والطلب بالسوق العالمي و بعض العوامل الجيوسياسية و لا تأثير يذكر لسعر صرف الدينار الليبي، أما ارتفاع اسعار الواردات بعد عملية التخفيض أو التعويم لتقليل الطلب المحلي على الواردات فإن مشكلة ارتفاع معدل الانكشاف التجاري للاقتصاد الليبي على الخارج و ضعف مرونة الجهاز الإنتاجي المحلي سوف تبطل مفعول الهدف المعلن من سياسية تحرير سعر الصرف الدينار على الواردات .

3) بعد رفع كافة القيود على الإستثمار الأجنبي ستتحول ليبيا الى سوق استهلاكية مفتوحة على مصرعيها للشركات متعددة الجنسيات ذات رؤوس الأموال الضخمة و التكنولوجيا المتطورة و التي ينتمي معظمها الى كبار الدول المساهمة في الصندوق و المهيمنة على قراراته وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ،و سوف تدخل هذه الشركات في منافسة غير عادلة  بالمرة مع الشركات الخاصة المحلية و تقضي عليها .
4)إنسحاب الحكومة من التدخل في النشاط الاقتصادي و حماية الفئات الضعيفة اقتصادياً  تطبيقاً لروشتة الصندوق، سوف يكون لدينا قطاع خاص صغير و غير مؤهل للمنافسة مع الأجنبي و بالتالي سوف يكتسح المستثمر الأجنبي السوق الليبي بالكامل و ستتحول العمالة المُسرّحة من القطاع الحكومي الى عمالة رخيصة لدى الشركات العالمية أو الى سجلات البطالة الإجبارية .
5) برامج الخصخصة التي تتضمنها روشتة الصندوق  لن تستثني الوحدات الاقتصادية الإستراتيجية  كالنفط و الغاز و الكهرباء و الإتصالات التي يعجز القطاع الخاص المحلي عن الاستثمار فيها نظراً لتكلفتها العالية و ارتفاع مخاطرها الاستثمارية بالنسبة اليه ،و بالتالي سوف تستحوذ عليها الشركات العملاقة العابرة للحدود و يعني ذلك أننا سنرهن مقوماتنا و مواردنا الاقتصادية الوطنية بيد الأجنبي مقابل قروض مالية أنقذت الحكومة من الافلاس و لكنها أغرقت طبقات المجتمع لاسيما الطبقة الوسطى و الدنيا في الفقر و البطالة .هذا خلافاً عن عمليات و صفقات الفساد الكبرى التي عادة ما ترافق برامج خصخصة الشركات الوطنية في الدول التي  تغيب فيها المحاسبة و الرقابة و يتفشى فيها الفساد مثل ليبيا  .
6) برنامج العلاج بالصدمة الذي ينتهجه الصندوق  في تصحيح الإختلالات الهيكلية للإقتصادات المأزومة أو ما يسميه الصندوق ببرامج التكيف الهيكلي و التثبيت الاقتصادي لا يصلح لعلاج الحالة الليبية مثلما لم يصلح التغيير السياسي بالصدمة الذي جربته ليبيا و بعض دول المنطقة . لقد علمتنا التجربة الحديثة أن التدرج في الإصلاح سواء السياسي أو الاقتصادي هو الأفضل وسيلة و الأضمن نتائج من أسلوب العلاج و التغيير بالصدمة خصوصاً للدول التي لازالت تحبو في طريق النمو ذات التركيبة الاجتماعية و الجهوية الخاصة كالحالة الليبية .

7) روشتة الصندوق بنودها واحدة تقريباً لجميع الدول المأزومة و لكل الحالات مهما كانت أسباب الأزمة و ظروف الحالة ، سواء كانت الدولة متخلفة أو متقدمة أو سائرة في طريق النمو ، فالروشتة التي قدمها الصندوق لدول أمريكا اللاتينية و أغرقتها في الديون هي نفسها الروشتة التي قدمها لدول جنوب شرق آسيا و ورّطها في  أزمة العملات الآسيوية و هي نفسها الروشتة التي قدمها الصندوق مؤخراً لمصر ،و هذا يشكك في مصداقية الهدف الحقيقي للصندوق و الغرض الأساسي وراء هذه الوصفة و النتائج المتوقعة منها لمختلف الحالات و من بينها الحالة الليبية .
8) من شروط الصندوق الاشراف الدقيق و التوجيه المستمر و  المتابعة اللصيقة و الرقابة الصارمة على تطبيق بنود وصفته العلاجية للدولة المعنية و انزال العقوبات بمن يخالفها ،و هذا يفتح المجال للتدخل الفـجّ  في سيادة الدولة المدينة للصندوق و يمس كرامتها الوطنية بشكل مباشر .
أخيراً و  للإنصاف فإن روشتة صندوق النقد الدولي ليست بالسوء المطلق ، فمثلما ورّطت هذه الروشتة  دولاً كثيرة في أزمة المديونية الخارجية طويلة الأجل و زادت من تفاقم وضعها المالي في كل من أمريكا اللاتينية و آسيا و افريقيا كانت قد تعاملت مع الصندوق و لجأت اليه لطلب المساعدة خلال أزماتها المالية ،فإن هناك دول  و قليل ما هي  نجحت في اجتياز أزمتها المالية بعد تطبيقها لروشتة الصندوق .

يبقى السؤال المهم.. هل تدهور سعر صرف الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية الرئيسية و وصول التضخم الى مستويات مقلقة و انقسام السلطة المالية و النقدية بالبلاد سيناريو يتم من خلاله  استدراج ليبيا لتطبيق  هذه الروشتة ؟!

 

شاهد أيضاً

حرية إرادة الاختيار

إسماعيل القريتلي / كاتب وصحفي ليبي عند تأمل أسلوب القرآن الكريم بشأن عرض دعوة التوحيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.