الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
الرئيسية » مقالات » من يرعى الفساد في ليبيا ؟

من يرعى الفساد في ليبيا ؟

عبد القادر الاجطل/ صحفي وكاتب ليبي

تقول التحليلات المعتمدة على التفسير التآمري لما يحصل في المنطقة، إن الدهاقنة الذين يحكمون العالم، فوجئوا بثورات الربيع العربي، وعندما استفاقوا من الصدمة قرروا التعجيل بمخططات كانت معدة لأوقات لاحقة من أجل تفتيت المنطقة وإنهاك شعوبها.

وهكذا شرعوا في العمل فاستخدموا بعضا من بقايا الأنظمة التي أسقطتها شعوبها في بعض الدول، وأطالوا عمر أنظمة أوشكت على الانهيار في دول أخرى، وفتحوا المجال للفوضى والاحتراب الداخلي في دول ثالثة.

وقد وجد هؤلاء الدهاقنة في الدول التي أثارت الثورات الشعبية العربية المفاجئة ذعرها وأخافتها من بطش شعوبها، وجدوا فيها ذراعا طيعا ومنفذا مخلصا لتوجهاتهم.

هكذا بدت الخطوط العريضة للحكاية، كما يرويها مفسرو الحدث العربي بالنظرية التآمرية، التي يصفها مخالفوها، بأنها بعيدة عن الواقع، كأننا نعيش في دولٍ ذات سيادة، ليس لأحد غير مؤسساتها الدستورية سلطان عليها، ولا تأثير في سياساتها الخارجية والداخلية، ولا يحكمها إلا من تختاره شعوبها طوعًا، عبر آليات محترمة من قبل كل المشاركين في التداول السلمي على السلطة دون احتكار ولا إقصاء.

وحتى لا نقع ضحية السؤال العبثي، الذي طرحه المفكر اليساري المتشائم نعوم تشومسكي “من يحكم العالم” ؟

ولا ننساق وراء نظرية المغرقين في تهويل الأمور، أن العالم يحكمه أربعة أشخاص، وأمثال ذلك من الفرضيات، التي لا ترى دولنا إلا أحجارا على رقعة الشطرنج، يحركها اللاعبون الكبار كيفما أرادوا، كما ادعى “وليام جاي كار”.

نعود للتفسير العجيب البعيد عن الواقع، الذي ينطلق من بعدين أولهما تاريخي، والبعد الثاني ديني، للنظر إلى قضايا ومستجدات المنطقة، فهو وفي مجافاة لما تدل عليه الوقائع، يعتبر أن الصراع له جذور تاريخية، تتعلق بمراحل من السيطرة والاحتلال والنفوذ، التي تعددت وتنوعت، حتى صارت قصة البحر المتوسط، قصة بحيرة تسيطر عليها الإمبراطوريات التي حكمت العالم خلال القرون المتعاقبة، وليبيا القابعة على سواحله الجنوبية، دخلت التاريخ من بوابة عبور الغزاة والفاتحين.

فلقد خضع شمالها للإغريق والرومان وجنوبها للجرمانتيين وفتحها المسلمون بعد ذلك، ولكنها لم ترتح من غزو قراصنة الإفرنج من فرسان القديس يوحنا وغيرهم، حتى قدوم الاحتلال الإيطالي البغيض، وما جره عليها من قتل وحروب ودمار، هذا التاريخ ليس بريئا مما يحدث اليوم.

ولهم فوق ذلك نظرة دينية، تلون الحروب والمعارك والصراعات بلون ديني، وتصبغها بصبغة عقدية، تجعل من وجود كيان غريب وسط الجسد المسلم، كما يقولون، سببا من أسباب العلل المتلاحقة، ودافعا يجعل من يرعون هذه النبتة الشاذة، يضحون بالمئات والآلاف من أبناء شعوب المِنطقة، من أجل أن يسلم مستوطن واحد، ولا يتوانى من يحكمون العالم، بحسب هؤلاء المفسرين، عن إسقاط حكومات، وإفساد دول، فقط لتأمن ربيبتهم وصنيعة تآمرهم، المدعوة إسرائيل، المغتصبة لقدسنا والمحتلة لأرضنا فلسطين.

ليبيا بحسب تفسير هؤلاء، ونظرًا لضعفها الاستراتيجي البنيوي،  لقلة عدد السكان، ونقص الموارد، وطبيعة الأرض من جهة، ونظرا لموقعها الجغرافي البعيد عن فلسطين، من جهة أخرى، كانت بعيدة عن شغل مركز متقدم من اهتمام حكام العالم في السابق، غير أن استجابة شعبها السريعة، ودخولها المبكر ضمن الدول الثائرة في وجه الطغيان، جعلهم يولونها اهتماما زائدا، ويوجهون أذرعهم نحوها، لتغيير ثقافة وتوجهات شعبها، والنظر بعناية وحرص أكبر للشخصيات المناسبة، والمرشحة لحكم ليبيا في المراحل المقبلة، حتى لا تفاجئهم هذه البقعة، وهذا الشعب مرة أخرى في مراحل لاحقة.

أظنك لا تستسيغ هذا الكلام، المغرق في التشاؤم وسوء الظن بالآخرين، ولكننا سنستمر في سرد المزيد من آراء هؤلاء المبالغين.

فليبيا عندهم وضعت تحت المجهر، وخُطط لها أن لا تستقر بعد نجاح ثورتها، حتى لا يصل الثوار ومن ناصرهم إلى الحكم، ولو وصلوا فلن يسمح لهم بالنجاح، في حكم البلاد وتنميتها ومعالجة مشكلاتها.

فانهالت المشاكل والأزمات على البلاد، منذ أن ظهر في عام 2012 أن الاقتصاد ينتعش، والأمن يستتب، والديمقراطية تجد لها أرضا خصبة،

وتسلطت أذرع الفساد المتنوعة على البلاد، إعلاميا واقتصاديا وسياسيا، وأخيرا عسكريا وأمنيا، لتشويه كل ما يتعلق بثورة الشعب في فبراير 2011 ولا بأس بعد ذلك من مجيء أي بديل، مادامت فبراير قد أُجهضت.

لم يمر عام على ليبيا بعد 2012 ، إلا والذي بعده شر منه اقتصاديا وماليا وأمنيا وعسكريا وسياسيا وخدميا، فلقد عانت البلاد من النقص في كل شيء، وغابت أبسط المقومات عن الناس، فقط ليتبرءوا من كل ما له صلة بالتغيير الجديد.

تلك الأزمات المتلاحقة، التي انهالت على البلاد من كل حدب وصوب، يجزم أصحاب التفسير التآمري لما يحدث في ليبيا، بأن خلفها من يخطط ويتابع التنفيذ، ويربط هذه بتلك، وينظم هذه الفوضى، ويدفع الأموال الطائلة من أجل استمرارها، وهم يؤكدون أنهم هم حكام العالم، ومن يعملون لحسابهم محليا وإقليميا، فهم وحدهم الحريصون على إنتاج الفوضى من أجل أن يحكم من يريدونه، ليحقق لهم ما يريدون.

 

شاهد أيضاً

تغييرات جذرية في المنظومة التعليمية … هل هذا ما يحدث فعلا؟

محمد تنتوش/ كاتب ليبي لا شك أن وزير التعليم الجديد بحكومة الوفاق الوطني “عثمان عبدالجليل” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *