الأربعاء , 20 سبتمبر 2017
الرئيسية » حكايات ليبية » سجين من درنة يروي معاناة أشهر قضاها في قرنادة

سجين من درنة يروي معاناة أشهر قضاها في قرنادة

أطلق ناشطون من مدينة درنة في شهري سبتمبر ويناير من العام الماضي، حملة بعنوان: “اغيثوا سجناء قرنادة”، بعد ورود أنباء من أهالي المعتقلين عن انتهاكات ترتكب بحق السجناء في سجن قرنادة، ورغم محاولات المنظمات المدنية في درنة، لزيارة السجناء، والنداءات المتكررة للمؤسسات الدولية الحقوقية، إلا أن تلك الأصوات لم تلق جوابا.

ويعد سجن قرنادة أهم السجون التابعة لقوات عملية الكرامة، وقد وردت عدة تقارير تفيد بوقوع انتهاكات بالسجن الذي يقع قرية قرنادة شمال شرق ليبيا في الجبل الأخضر، جنوب مدينة شحات بنحو 12 كيلو متر، وهي تتبع بلدية شحات وتعتبر قرية صغيرة وتشتهر بمركز تدريب لضباط الصف وسجن قرنادة.

وبهذا الصدد ألتقى موقع ليبيا الخبر مع أحد السجناء المفرج عنهم مؤخرا من سجن قرنادة، وقد روى للمرة الأولى قصته وما شاهده في السجن عن قرب، وإذ أنه يرى أن الصمت وعدم الحديث عن تلك الفترة التي قضاها في السجن، جريمة أخرى لا تقل فظاعة عما شاهده في سجن قرنادة.

– لماذا اعتقلت؟ وكيف حدث ذلك؟

“كنت في طريقي من مدينة درنة إلي البيضاء، حيث كنت أعمل سائقا لنقل البضائع الخاصة، من وإلي درنة، أزاول هذا العمل منذ أربع سنوات، لأنه لم تتوفر لدي ظروف عمل أخرى مناسبة، عملي كان جيداً إلا أن تردي الأوضاع الأمنية، جعلني دائم التردد والخوف، رغم أنني بعيد جدا عما يدور من صراعات”.

“خرجت يوم الخميس في شهر أكتوبر من العام الماضي، متوجها إلى مدينة البيضاء، أحمل شحنة من القهوة المصنعة محليا في درنة، وفي ذات الوقع كنت قد اتفقت مع أحد التجار على استجلاب إليه شحنة من المواد من هناك أثناء عودتي إلى درنة”.

“وفي الصباح وعند الساعة السابعة تحديدا، كنت أجهز سيارتي، استعدادا للسفر بالشحنة، إلا أنني كنت مضطرا للانتظار بعض الشيء، لأن قوات الكرامة لا تسمح الخروج من المدينة إلا بعد الساعة الثامنة، وعند حلول الساعة السابعة والنصف بدأت في التحرك، ووصلت لبوابة كرسة الأمنية والتي تبعد عن مدينة درنة تقريبا 20 كيلو متر غربا”.

وفي ذات الوقت كانت صفوف السيارات والشاحنات ممتدة في طوابير طويلة جداً، والجميع ينتظر فتح الطريق، للعبور والتوجه إلي المدن والمناطق المجاورة لمدينة درنة، وفي ذلك اليوم لم يكن هناك تدقيق أمني، ومررت ومرت كل السيارات والشاحنات بسلام وسرعة”.

“ومع اقترابي من منطقة رأس الهلال استوقفتني بوابة أخرى بالقرب من المنطقة، وسألوني عن الشحنة التي أحملها، فمازحوني بأنها قهوة ممتازة عندما أجبت عن السؤال، ولم أبادر بأي عرض بأن يأخذوا منها، إذ بدا ذلك على وجوههم، واجتزت تلك البوابة وتوجهت إلى مدينة البيضاء ووصلت إليها بعد ساعة ونصف من تحركي من مدينة درنة، سلمت الشحنة واستلمت أخري، وكنت مستعدا للخروج من البيضاء على تمام الساعة الواحدة ظهراً تقريبا، وخرجت من البيضاء ومررت عبر شحات، ومنها توجهت إلي مدينتي، ولم أكن أخشي شيئا ولم تحدثي نفسي وقتها بأي سوء قد يطالني رغم المخاوف التي تجتاحني كل مساء قبيل كل رحلة عمل”.

“وتوقفت في بوابة الأثرون وكذلك رأس الهلال، كان عناصر الأمن في البوابة يبحثون عن أي عبوات وقود قد أكون أهربها معي للدخول بها لمدينة درنة، كان التفتيش دقيقا، ومن ثم انطلقت مجددا نحو درنة، وقبل منطقة كرسة، وجدت نقطة أمنية جديدة، ومجموعة عسكرية راجلة، وتحدثت مع نفسي وقلت: يبدو أنهم يبحثون عن شخص ما، ومما لا شك فيها أنهم كانوا يستعدون لاعتقاله، واستوقفني آمر النقطة الأمنية، وطلب مني بكل هدوء أوراقي الثبوتية، وعطيتها له وتمعن في (البطاقة الشخصية)، وقال: درناوي! داعشي أمالا، فأجبته: أن داعش قد انتهت في درنة”.

“لم أكن أقصد أي شيء، إلا أن آمر النقطة، صاح في وجهي بكلام قبيح، وأخذ يردد أنتم دواعش قتلة، ومن ثم ركل باب سيارتي، فخرجت منها، وصرخت عليه ألا يمس السيارة، وبعدها اجتمع عليّ بقية الأفراد في النقطة الأمنية وقام أحدهم بضربي فقمت بسبهم وكنت أحاول أن أضرب من ضربني، فانهالوا عليّ بالضرب ووضعني في سيارة (شيفرولايت) بيضاء، وسمعت أحد العناصر يتحدث عبر اللاسلكي يخاطب شخص آخر، ولازلت أتذكر ما قاله، وكيف أصابني الهلع والخوف، وقال عبر اللاسلكي: يا دال ثمانية يا دال ثمانية إجابة، فرد عليه الصوت مجاوبا: أرسل.. أرسل واضح، فقال له: معانا فرخ حرام سب الجيش توا نسلمه لكم كيف استلمت يا دال ثمانية فقال له: واضح.. واضح في الانتظار، في الحقيقة كانت مجرد مشادة عابرة، أصبت خلالها بهلع وخوف، ركب برفقة في السيارة ثلاثة أشخاص أحدهما معي في الخلف، ويصوب مسدسه تارة، ويضربني تارة أخري، كنت صامتا لم أعرف كيف أطلب منهم السماح فقد أخذتني غضبة عابرة”.

“وبعدها استلمتني سيارة أخرى من نوع (تويوتا) دفع رباعي، لم يتحدثوا معي على الإطلاق، كنت أظن بأنني سأخضع للتحقيق في أي مكان قريب، لأنني اعتقلت في نقطة أمنية راجلة وليس ببوابة عسكرية، وبعدها عصبوا عيناي، وتوجهت السيارة لمكان لا أعرفه، إلى أن توقفت السيارة، ونزل شخص ممن كانوا معنا في السيارة، ومن ثم صاح زميله يريد سجائر من المحل، ومر أحد الأشخاص ويبدو أنه كان على معرفة بمن كان في السيارة، وسأله عني، فرد عليه: داعشي من درنة، فكبر الثاني وقال: وفي (الشكارة)، وهي عبارة الاحتجاز والاعتقال لطالما رددها الإعلامي محمد أمطلل ولم أتوقع يوما أن تقال عني واستمعت إليها شخصيا، وبعدها تحركت السيارة، حتى وصلت لمكان آخر، كان المكان حيويا، واستمع لأصوات مختلفة، وتتحرك السيارة ببطيء في ذاك المكان، حتى توقفت كليا وترجل منها من كان معي، وصاح بأعلى صوته (تعالوا خوذوا الداعشي)، واستقبلت في ذلك المكان بالضرب المبرح، ضرب شديد وقاس، كنت أصرخ من أعماقي، لم أعرف ما أصابني، لأنه كان الضرب شديدا”.

“ووضعوني في الزنزانة معصوب العينين، وقاموا بتفتيشي وأخذ هاتفي المحمول وحزامي وبعض المال الذي كان في جيبي، كان كل جزء من جسدي يتألم، كنت أريد أن أستطلع المكان الذي فيه، كنت خائفا أن أكون في سجن قرنادة، تمنيت كل سجون الأرض إلا ذاك السجن، لأنني سمعت عنه الكثير، كنت أردد في نفسي عبارات لتطميني أنني سأخرج من هذا المكان، فأنا لم أرتكب جرما، ومرت ساعات طويلة وأنا في المكان ذاته، حتى أزلت ما على عيني، فتأكدت وقتها أنني في أحد السجون لا أحد معي في الغرفة، كانت مظلمة، ينعكس عليها ضوء العنبر بالكاد ترى فيها شيئاً”.

– هل هكذا كان يومك اليوم؟ وهكذا مرت عليك الليلة الأولى بالسجن؟

“لا.. تفاصيل اليوم الأول أذكرها بدقة، ففي حدود الساعة الثامنة مساء تقريبا أو التاسعة لا أذكر تحديدا لكنني قدرت الوقت في هذا الحد، نهضت من مكاني، وطرقت الباب عدة مرات، وصحت عبر نافذة باب السجن، التي يدخل منه الطعام عادة أو يخاطبك منها السجان، صحت قائلا: يا أفندي.. يا أفندي، مرات عدة، فسمعت وقع الأقدام في نهاية الممر، لم يكن شخصا واحد إنما اثنان، كنت أريد أن أذكر لهم بأنني أريد الخروج فلقد تعلمت الدرس ولن أكررها مرة أخرى”.

“وبعدها فتحوا باب الزنزانة، حينها بدا المكان أكثر وضوحا بعض الشيء، كان بيد أحدهما أنبوب طوله في حدود متر تقريبا، لم أعرف ماذا أريد وقتها، كنت أرى في عينه في تلك اللحظات السريعة، أنه يحمل حقدا وكرها وكأنني كنت جلاده في وقت ما، انهال عليّ بالضرب، صرخت كثيرا من الألم، واستمر يضربني ويردد عبارات مختلفة، أما زميله فكان يركلني إذا ما اقتربت منه وأنا أحاول الفرار من الضرب، ركلني بشدة في وجهي وبطني كنت أسقط على الأرض ويركلونني والآخر يضربني بالأنبوب كان شديدا ولاذعا، كنت أشعر بجلدي ولحمي، وبعد دقائق من الضرب المستمر، دخل زميلهم الثالث، وكان في حالة سكر، وأخذ الأنبوب من صديقه، والآخر يرفض ذلك يريد أن يستمر في الضرب، وعندما لم يفلح أخذ يركلني هو الآخر، ويصيح بأعلى صوته (الثأر يا دواعش) واستمر ثلاثتهم في ضربي بشكل مستمر، حتى أصبحت فجأة لم أشعر بآلام الجلد”.

“إلى أن استلقيت في مكاني، ولا أعرف كيف نمت من التعب في ذلك اليوم، استيقظت باكرا، كنت أظن أنني في حلم، كان جسدي يصرخ ونفسي تصرخ هي الأخرى، كنت انتظر أي شخص يسألني لماذا أنا هنا؟.. أريد تحقيقا؟ أريد شخصا يحدثني فأبكي أمامه عما شاهدته وما تعرضت له جراء كلمة قذفتها أو عمل قمت به لأجل كرامتي التي أهينت في تلك النقطة، كنت أتمنى لو أنني ظللت صامتا”.

– عندما وصلت للسجن، هل كنت وحدك في الزنزانة؟

“نعم.. عندما دخلت معصوب العينين، أدركت أنني وحدي، لم يشاركني في المكان سوى أنفاسي، وتأكدت من ذلك بعد أن أزلت العصبة التي على عيناي، كنت استمع لصوت بعيد لكنني لم أدرك ما هو!.. أو بالأحرى لم أكن مهتما عما يحدث في بقية المكان، كل اهتمامي كان حول نفسي، وعما سيحدث وحدث لها”.

– في اليوم الثاني؟ هل بدأ التحقيق ؟ كيف كان ذلك؟

وأجاب السجين قائلا: “في اليوم الثاني استيقظت، وكنت متألما جداً، لم أعرف ألما في يوم من الأيام كالذي شعرت به في ذاك اليوم، انتظرت في مكاني، وكنت في حاجة شديدة للدخول إلي الحمام، كان في زاوية الغرفة جردل أسود أو هكذا بدا لي لونه، رفضت كثيرا أن أفعل ذلك، وفضلت الانتظار على ألا أستخدم الجردل، وبعد ساعات سمعت حركة في العنبر الذي كنت فيه، وصوت جهور ينادى بقوة (استعد) ذكرها عدة مرات، وبدأت أصوات النوافذ الصغيرة الموجودة في أبواب الزنازين تفتح في حركة متناسقة وسريعة، كان صوتها مزعجا جدا، وعندما فتحوا نافذ باب زنزانتي، قال لي: (أين أنت يا حيوان؟)، فقبل أن انهض أسقط خبزا على الأرض وقطعة جبن، لم أهتم بها أبدا وتوجهت إليه وصرخت بأعلى صوتي (يا أفندي راه ما شوري شيء أمس جابوني وراهم غالطين)، كنت أظن أن هذه المناشدة قد تجعل أحد منهم يكترث لأمرى وسألني، لكن لم يحدث سوى أن دخل عليّ أحد العناصر وقام بضربي”.

“وبقيت في مكاني واضطررت لاستخدام الجردل، وتناولت الخبز والجبن، وبكيت كثيراً، أريد أن أطرق الباب وأخاف من الضرب، و أخاف أن أمضي ليلة أخرى في هذا المكان، كنت متأكدا أن هناك من سيبحث عني وسيجدني وسأخرج فأنا لم أفعل شيء على الإطلاق، وقبل أن يحل الظلام في الزنزانة، سمعت ذات الصوت والجلبة، وشخص أخر ينادي بصوت جهور على الجميع الاستعداد، فوقفت أمام نافذة باب الزنزانة، مددت يداي لصحن معدني به مكرونة وشيء من السّلَطة، كنت متحمسا للأكل، إلا أن مذاق الطعام كان يبدو غير جيد على الإطلاق، إلا أنني أكلته من شدة الجوع”.

“وبعدها بساعات وحينما حلّالظلام بالمكان، وعم الهدوء ما حولي، بدأت اسمع لذات الأصوات التي سمعتها عند بداية دخولي للسجن، كانت صراخا ممزوجة بأصوات أخرى، لا أعرفها، إلا أن الصراخ كان واضحا يمكن أن أؤكد بأنه كان صراخا، يأتي من بعيد، كان الخوف قد تربع في صدري، كنت أسال نفسي وأحدثها، حتى جاءت أصوات أخرى قريبة، وكانت حركة لمجموعة من العسكر، وفتحوا عليّ باب الزنزانة وكنت سعيداً لأنني ظننت أنني سأحال للتحقيق، وسأخرج منها، فانهالوا عليّ أربعة أشخاص اثنين منهما يحملان أنبوبا وبدأوا يضربونني ضربا مبرحا، إلى أن توقفوا عن الضرب وسألني أحدهم كان ضخم القامة، مخيفا في هيئته وقال لي هذه العبارة (تبي حار حار يا داعشي ولا كفوف لعند ما يتورم وجك)، فقلت له: (يا أفندي راكم غالطين أنا مش داعشي جابوني من البوابة…) وقبل أن أنهي ما بدأته انهالوا عليّ بالضرب وكانت لحظات أقسي وأصعب من الليلة الأولى في السجن”.

– هل استمر سجنك بصورة انفرادية؟ ألم يعرض للتحقيق ؟

“مكثت في السجن الانفرادي أكثر من 30 يوما، خلال الأسبوع الأول كنت أتعرض للضرب كل يوم، ومن ثم تدرجوا في ذلك، لاحظت خلال ذلك أن مجموعة السجن تختلف، خصوصا في المناوبات الأسبوعية، إذ يختفي العناصر التي تشرف على توزيع الطعام و الضرب في أيام وتظهر في أيام أخري وساعات مختلفة، وبعد هذه الفترة، نقلت لمكان آخر، ووضعت مع أربع أشخاص، منهما اثنين من مدينة درنة وشخص سوري وآخر من منطقة لملودة، دخلت للزنزانة، وكنت سعيدا جدا بالوجوه العابسة التي التقيت بها، كنت أريد أن أتحدث مع أي شخص، وأخذت أتحدث عن كل ما حدث معي، صدمت بعدم المبالاة وأن كل منهم تعرض لذات الأمر، وقال لي أحد السجناء أنه لم يعرض على التحقيق إلا بعد ستة أشهر، والآخر بعد ثلاثة أشهر، والتحقيق ربما يكون خلال الضرب مع أحد العناصر، وليس مع محقق حسب ما حدثني، وتمنيت الموت، وأصبت بخيبة أمل، كان يومي الأول رفقة السجناء كئيبا إلا أنه مر سريعا فقد تحدث كل منهم عن معاناته وكيف اختلفت القصص واجتمعت في التعذيب والضرب المستمر”.

“في اليوم الأول في هذه الغرفة رفقة بقية السجناء، بدت الأصوات التي كنت استمع إليها في الزنزانة الانفرادية أكثر وضوحا، كان الصراخ مستمرا وأصوات أخرى ترافقه، همست إلى من كان بجانبي، فقال لي في غرفة التعذيب خارج العنبر، غرفة الموت البطيء، لم ندخلها إلا مرات قليلة، صدمت عندما قال لي بأن الحراس يقومون بإجبار السجناء على الجلوس على موقد إلكتروني (فرينلو)، وصعقهم بالكهرباء، ونزع الأظافر بالقوة، وغيرها من أساليب التعذيب المختلفة”.

“كانت الزنزانة صغيرة، بها حمام صغير جدا بالكاد تحشر نفسك بداخله، وأنبوب مياه ينتهي بصنبور، وعلى الأرض لم تكن هناك سوى ستة فراشات وأغطية لكل واحدة منها، خلال اليوم توزع علينا وجبتين إحداهما للإفطار والأخرى بعد صلاة المغرب، كان الطعام لا يشجع على الأكل، لطالما بدا غير طازجا”.

– بعد أن نقلت للسجن مع مجموعة أخرى، هل تعرضت للتعذيب؟

“أذكر في يوم من الأيام، أنه قد دخلوا علينا الزنزانة وطلبوا من أحد الأشخاص أن يخرج معه، وعادوا بعد ساعات وألقوه بيننا، تعرض لتعذيب قاسي جدا، كلما حاولنا أن ننقله لفراشه صرخ بشدة وأخذ يبكي، فظل في مكانه حتي اليوم الثاني”.

“ذات الأشخاص دخلوا علينا مجددا وطلبوا منه أن يستحم في الغرفة أمامنا، لم أصدق في ذات الأمر أن يجبروه على ذلك، فخلع ملابسه، وطلبوا منه خلع كل ملابسه وعندما أبدى تردده صعقوه بالكهرباء فخلع كل ملابسه وأخذ يسكب الماء على نفسه في زاوية الغرفة، كنا نهرب بأعيننا ولا ننظر إليه، والحراس يضحكون بشدة، ويهددونه بصعقه بالكهرباء والماء يبلل جسمه”.

– هل بقية في الغرفة لم تخرج منها أبدا؟

“كنا نخرج بعد كل فترة، لما نسميه بـ(اللاريه) وهي ساحة تتوسط السجن، لم أخرج إليها إلا بعد شهرين، كنت سعيدا بضوء الشمس الذي كان حارقا لعيناي أول مرة، كانت مجموعة كبيرة من السجناء تلتقي في هذا المكان، من بينهم جنسيات عربية مختلفة من السودان وسوريا ومصر وتونس، لكل منهم قصة تختلف، وجميعهم يأملون في الخروج من المعتقل”.

– ما هي القضايا التي سجن فيها من كانوا معك في الغرفة؟

“في الغرفة كان معي اثنين من مدينة درنة وآخر من منطقة لملودة وشخص سوري، كل منهم لم يتحدث بشكل مفصل عن أسباب اعتقالهم جميعهم قال بأنهم سجنوا ظلما في ظروف مشابهة لظروفي، أما السجين السوري فيقول بأنه كان يعمل فنيا في ورشة ألمنيوم بمنطقة القبة، وأهل المنطقة يعرفونه، إلا أنه اعتقل مرة واحدة، بتهمة الانضمام لتنظيم الدولة ورصد مواقع للجيش في المنطقة، وقال خلال التحقيقات طلبت أكثر من مرة بتكليف محامي أو أي شخص يدافع عني، إلا أنه كان يتعرض للتعذيب، ويتوعدونه بالموت عن قريب”.

– هل فعلا كان يهددونه بالموت؟ وهل حدثت وقائع مشابهة؟

“كان السجين السوري خائفا حقا، في كل مرة يفتحون باب الزنزانة وكأن الموت يطرق باب السجن، كان التهديد صريحا وسبقته حادثة، كل من في السجن يعرفها، إذ أن مجموعة من أولياء الدم دخلوا للسجن وطلبوا تنفيذ الأحكام للأخذ بالثأر، وبحسب ما سمعت أن أربعة سجناء من الجنسية العربية قد أعدموا في باحة السجن على يد تلك المجموعة، في ذلك اليوم سمعنا أصوات الرصاص ومن ثم تبعتها التكبيرات والهتافات”.

“أحد السجناء قال إنه شاهد الأمر برمته، إذ كان يشرف على الخدمات والنظافة، قال: بأن ثلاثة من أولئك السجناء قد قتلوا بسلاح كلاشنكوف وآخر بمسدس، وقال: كنت خائفا أن يقتلونني إذا ما شاهدوني فهرعت لداخل السجن واختبأ عن أنظارهم”.

– متى عرضت على المحقق؟

“في نهاية شهر فبراير الماضي تقريبا، نقلت إلى طابق آخر معصوب العينين، طلب مني من كان في الغرفة أن أجلس على الكرسي الذي على يميني، جلست وشكرته على ذلك، فسألني عن اسمي ولماذا جلبت إلي سجن قرنادة، أخذت أحدثه بكل التفاصيل، ذكرت له كل شيء، وقال المحقق إنه يعرف كل ذلك، إلا أنه يدرك أمورا أخرى تستوجب التحقيق، فسألني لماذا تكره المؤسسة العسكرية، لماذا توالى الإرهابيين في درنة، لماذا تجلس مع فلان، وتلقي السلام على فلان، قال بأن كل هذه الأخبار عبر مصادر لهم في درنة، فذكرت له أن من ذكرهم هم أبناء الحي ونحن على معرفة منذ الصغر وكما أقوم بتحية هؤلاء أقوم بتحية جميع من في الحي ومن أعرف في مدينتي”.

“وسألني المحقق: كيف أتحقق بأنك تخرج من درنة بشكل مستمر وذلك لأجل رصد مواقع الجيش، وقال إنه لا يثق بأحد أيا كان من مدينة درنة، ووصف أهل المدينة (بالدعشنة) وأنها مدينة مارقة وأن الجيش سيدخلها عن قريب ويحررها، فلم أتكلم، وطلب من شخص يدعى محمد أن يقوم بإعادتي إلى الزنزانة، وخرجت من غرفة التحقيق معصوب العينين كما دخلتها أول مرة، طلب مني المرافق أن أهرول وضربني على كفتي، فهرولت ويصيح من خلفي (أجري بسرعة) فارتطمت بجدار بقوة حتى أصبت بالدوار، وركلني لأنهض حتى وصلت لغرفتي، كنت في حالة نفسية سيئة للغاية كنت أظن أن المحقق سيكون الملاذ للخروج من هذا المكان”.

في مساء اليوم ذاته، نقلت لغرفة أخرى خارج العنبر، وكانت هي غرفة الموت، التي يعرفها نزلاء السجن، لم أكن أتوقع أن أخوض فترة أخرى من التعذيب، بدأوا في الضرب والركل والإهانة، لم أهتم فقط كنت أفكر في الوسائل الأخرى التي يستخدمونها، واستمروا في الضرب بشكل جماعي حتى سقطت على الأرض، تمنيت الموت على أيديهم لعل معاناتي ستنتهي عند هذا الحد، إلى أن طلب مني أحد الحراس خلع البنطلون، فأدركت بأنني سأجلس على الموقد الإلكتروني (الفرينلو) فصرخت كثيرا حتى خلعته، ومن ثم ركلني على منطقتي الخاصة عدة مرات وصعقت بالكهرباء أكثر من مرة، ونقلت للغرفة مجددا، ولا أصدق ما حدث لي وكيف مرت تلك اللحظات”.

“وفي اليوم التالي نقلت إلى التحقيق مجدداً، سألت نفس السؤال، أجبت بذات الإجابة ورويت له القصة بتفاصيلها وبكيت أثناء ذلك، كانت كرامتي قد تبددت أمامي، غادرت غرفة التحقيق وتعرضت لذات الإهانة، طلب مني مرافقي للغرفة أن أهرول فاصطدمت مجددا بالجدار، والحراس يضحكون، وبعد مرات عديدة وعندما نقلت للتحقيق، قلت للمحقق سأعترف بكل شيء تريدون، أرجو فقط أن تتوقفوا عن تعذيبي، فليس باستطاعتي التحمل، فأكدت له بأنني أقوم برصد مواقع الجيش وأزود الجماعات الإرهابية في درنة بكل المعلومات عنهم، ووقعت على ذلك، وقال لي المحقق عقب ذلك بأنه يرجو لي الهداية، ووعدني بمحاكمة عادلة”.

كيف أفرج عليك؟

“مرت عليّ الأيام وفقدت الأمل، توقف التعذيب وكذلك التحقيق، كانت الحياة أشبه بالروتين في أدق تفاصيل يومنا، نتطلع لأخبار البلاد عبر كل سجين مستجد يصل للسجن، ورغم أننا لا نصل إليه بعد كل فترة طويلة، إلا أن اجتماعنا مع في (اللارية) ليروي أهم الأحداث، وفي يوم مفاجئ نقلت لغرفة التحقيق مجددا دون أن تعصب عيناي، بعد سجن استمر عدة أشهر، وجدت شخصا جالسا برفقته، وطلب مني المحقق أن أجلس على الكرسي وعرض عليّ كوب من الشاي، شكرته على ذلك، كنه أصر على ذلك، كان طعم الشاي بمثابة الحلوى في فم طفل صغير”.

“قال لي المحقق: إنهم تواصلوا مع عناصرهم الخاصة في درنة وأكدوا بأنه لا توجد أي قضايا تتعلق بالأمن تخصني، وقال بأنك عمك فلان وأشار للشخص الذي يجلس معنا، أكد لي بأنك بعيد كل البعد عن هذه الجماعات، وأخذ يشرح لي دور المؤسسة العسكرية وما تتعرض له درنة، بت أشعر بالاطمئنان لأول مرة، وتفاجأت حينما قال لي المحقق يوم الغد ستغادر إلى درنة مع أهلك، شكرته على ذلك، وشكرت الشخص الذي معي وأنا لا أعرفه على الإطلاق لوساطته ودوره في ذلك، نقلت لمكان آخر، غيرت ثيابي وفى المساء تناولت عشاء مما كان يأكله الحراس”.

وفي صباح اليوم التالي كنت انتظر ولم أنم طوال الليل، طرق باب الغرفة التي كنت فيها، لم تكن نافذة باب الزنزانة، طرق الباب ودخل الحارس برفقته والدي وأخواي، ارتميت في أحضانهم، بسعادة لا يمكن أن تخالطني مرة أخرى في حياتي كالتي عشتها ذلك اليوم”.

“وحدثني والدي أنه بذل جهودا كبيرة حتى توصل للمكان الذي كنت فيه، كانت كل السجون والنقاط الأمنية تؤكد بأنني لم أكن فيها ولا علاقة لأحدهم بذلك على الإطلاق، وعندما رجح بأنني أكون موجود في قرنادة لمعلومة وصلت إليه، ذهب إلى بنغازي لزيارة قريبه هناك، والذي كانت له علاقات واسعة في الرجمة مقر القيادة العامة للقوت المسلحة للكرامة، والذي بدوره كان له الدور الأكبر في الإفراج عني، كما قال ذلك الشخص بأن ملف التحقيق قد مزق تماما وأنه بإمكاني الخروج من درنة والدخول إليها مجددا”.

هكذا انتهت قصة رجل سجن في قرنادة أكبر معاقل عملية الكرامة، لأشهر عديدة قبع فيها تحت التعذيب والضرب والإهانة ظلما وبهتانا، ليس لشيء إلا لأنه من مدينة درنة المحاصرة.

منطقة المرفقات

شاهد أيضاً

لاستامبا: سلامة يطرح خطة تتضمن تكوين الرئاسي من 3 أعضاء ورئيس حكومة وتعديلات على الاتفاق

يطرح رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا غسان سلامة، خارطة طريق تتضمن إرساء مجلس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *