الأربعاء , 20 سبتمبر 2017
الرئيسية » حكايات ليبية » نغادر اليوم السياسة لنكتب قصة طريفة

نغادر اليوم السياسة لنكتب قصة طريفة

إدريس الفضيل/ أستاذ جامعي ليبي

من الحوادث العجيبة التي تدل على الاعتقاد المتذبذب، المبني على جرف هار، قابل للانهيار والسقوط مع أول حركة، أن ضابطا في حرس ادريس السنوسي،  يمتاز بالشباب والجمال والحماس العاصف لسيده، الملك إدريس رحمه الله، وكان له كل الحق في حماسه، لحالة الأمن والرخاء والاستقرار حين ذاك.

جاءت بي الظروف في سنة 1963 إلى طبرق، فحصل لقاء وتعارف وجدال، حول ما يجري في الساحة يومها، فقد كان المد الناصري على أشده، وكانت الوحدة بين مصر وسوريا تصويرا للعظمة، وتهديدا لإسرائيل، والحكام العرب المسالمين، وتحاذيها دعوة عاصفة للإطاحة بالحكام والمسارعة للوحدة .

في هذا الجو العاصف جرى النقاش، وكنا شبابا تغمرنا عاصفة الدعاية المصرية، فبدأ الضابط الشاب متعصبا أشد التعصب، إلى حد الحماقة للحكم والحكومة في ليبيا، فاشتد عنفه، وانهال علينا بالشتائم لنا وللناصرية، فلم نجد نحن الشباب المناقشين بابا للحديث معه، على الرغم منأاننا لم ننفض أيدينا من حب إدريس السنوسي ولا بلادنا، ولكنا كنا نريد مزيدا من الرخاء والإصلاح .

وبالرغم من حدته وعنفه فقد احترمنا خصمنا، وقدرنا موقفه وحبه لبلاده، لكن الطريف والدليل على تذبذب صاحبنا، والذي لا تفسير له، هو أن هذا الرجل نفسه، حالما حدث انقلاب عام 1969 المشئوم بعدها بمدة وجيزة، تحول إلى البيضاء وانقلب رأسا على عقب، فتنكر للملك الصالح، ونسب إليه المثالب، ورآه متلبسا بجميع المفاسد والعيوب، فسارع إلى الإيمان بانقلاب الطاغية، بل التعلق به إلى حد التعصب له، بل تهستر وفقد صوابه، حتى عرف بين رفاقه بالعقائدي، وهو الوصف المعروف لعشاق القذافي يومذاك، وصار هو يتفاخر بعقائديته الجديدة .

لكن المصيبة أن تهستر الرجل، جره إلى ممارسة تصرفات عجيبة، فهو لم يتوقف عند حد الجدال الفارغ، بل كان يوما يقود سيارة لاندروفر للشرطة، ومكلفا بمهمة أمنية، وبينما كان يسير في شارع المتقاعدين، وأمام منشاة الألعاب بالذات، صادفته مسيرة تأييد لنظام الطغيان، عابرة من طبرق في طريقها إلى طرابلس، لتقديم مزيد من الولاء، يتصايح غلمانها، وترفرف أعلامها، وتزغرد راهباتها، فحمي ضابط الشرطة، وجرى الدم الأخضر في عروقه، دم الحب العاصف والتعصب الجديد، فما كان منه إلا أن ضرب سيارته بأربعة فرامل، وقفز منها، وصك خلفه بابها، (ونط ) فوق أولى السيارات، ومضي معهم إلى طرابلس، تاركا سيارته على ناصية الشارع العام، (تنشها) رياح الجبل، وتسفعها شمس الصيف، مضحيا بمهته الأمنية المكلف بها، متناسيا حتى إعلام أسرته التي فقدته، فأصابها الهلع لاختفائه.

والطريف أيضا أنه لا أحد من مسؤولي الدولة ولا الشرطة، كان قادرا على مساءلة الضابط الهمام، عن هذا الإهمال المتعمد في واجبه، فالرجل ماض في مسيرة تأييد مقدسة، وما كان أكثرهن في تلك الأيام، وأدنى تشويش عليها، يؤدي إلى الطرد من الشرطة في أحسن الظروف، وسوء العاقبة يتربص بالرجعيين، والمترددين في حب الفاتح وقائده الملهم العظيم .

أما بعد : فقد حل بصاحبنا اليوم عقاب السماء، فهو يرقد في إحدى المصحات في بلد عربي، فاقدا وعيه، مضيعا صوابه ملازما فراشه، وما نقول ذلك شماتة فيه، فما أكثر المتهسترين في ذلك الزمان، ولكنها موعظة الدهر وعقاب السماء.

شاهد أيضاً

ألماس أسود كقلوب الأشرار

محمد عقيلة العمامي/ كاتب قصة ليبي تعود معرفتي بـ “الألماس الأسود” إلى سنة 1977 وتحديدا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *