الجمعة , 6 ديسمبر 2019
الرئيسية » اقتصاد » الاقتصاد الليبي يواجه تداعيات الحروب الأهلية

الاقتصاد الليبي يواجه تداعيات الحروب الأهلية

مع قسوة التحديات الصعبة التي يواجهها الاقتصاد الليبي، تزداد حياة المواطنين عُسرا يوما بعد آخر. وبات من المألوف أن يستمر انقطاع الكهرباء 15 ساعة في مناخ شديد القيظ، وأن ينقطع تزويد المدن بمياه النهر الصناعي، بالإضافة لاضطراب رحلات الطيران في المنفذ الجوي الوحيد لسكان طرابلس، وهو مطار معيتيقة. 

لم يقتصر الأمر على انهيار تلك الخدمات الحيوية، إذ تزامن تفاقُمُها مع عثرات متكررة في قطاع الإنتاج النفطي، وهو شريان الحياة الوحيد للاقتصاد الليبي، ما أدى إلى تضاؤل الإيرادات من تصدير النفط والغاز، في الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، إلى 10.3 مليار دولار، مُسجلة تراجعا بقيمة 11.25 في المئة، قياسا على إيرادات الفترة نفسها من العام الماضي.

تفاقم التراجع

لم تتوافر بعدُ إحصاءات عن الشهر الماضي، إلا أن الإيرادات التي حصدتها “مؤسسة النفط الوطنية” (قطاع عام) في أواخر يونيو/ حزيران الماضي من تصدير النفط الخام ومشتقاته، تراجعت بـ 580 مليون دولار، أي 25 في المئة قياسا على إيراداتها في الشهر نفسه من العام الماضي. وهذا يدل على تفاقم التراجع، الذي يُعزى في الدرجة الأولى، إلى انعدام الاستقرار، واستمرار عملية “طوفان الكرامة”، التي يحاول من خلالها اللواء المتقاعد خليفة حفتر السيطرة على العاصمة.

وتُواجه السلطتان المتنافستان في طرابلس وبنغازي، وهما حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، ومجلس النواب الذي يوجد مقره في المنطقة الشرقية، تحديات جديدة مع اعتزام الأمم المتحدة إجراء تدقيق مالي مُعمق للفرعين الرئيسين لمصرف ليبيا المركزي في طرابلس وبنغازي. وأعلنت الأمم المتحدة للمرة الثانية، أنها ستطلق طلب عروض، من أجل إجراء التدقيق المالي المُعمق للفرعين، علما أن السلطات المالية في المنطقة الشرقية، شقت عصا الطاعة على صديق الكبير، حاكم المصرف المركزي (طرابلس)، ما كرس انشطار المصرف وتعطيل كثير من نشاطاته.

وتقول حكومة الوفاق، التي طلبت إجراء التدقيق المالي قبل سنة من الآن، إنها تُعير أهمية كبيرة لإعادة الثقة في المصرف المركزي، وتوحيد مؤسساته وتكريس الشفافية في أعماله. وحاول الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة إعطاء دفعة لهذا المسار، من خلال اجتماعه مرتين مع رئيسي الفرعين في الشرق والغرب، إلا أن نشر العرض الخاص بإجراء التدقيق المالي لم يُسفر عن اختيار مكتب استشارات يتولى القيام بهذه العملية. لذا اضطرت بعثة الأمم المتحدة أخيرا، إلى إطلاق طلب عروض جديد، يوم 23 من الشهر الماضي، وسيبقى مفتوحا طيلة ثلاثة أسابيع، وبعدها ستختار الأمم المتحدة مكتب خبرة واستشارات متخصص للقيام بهذه المهمة. وعبرت الأمم المتحدة عن أملها بأن تجري عملية التدقيق “في ظل التفاهم بُغية تكريس الشفافية وتأمين عودة فرعي “المركزي” إلى السير العادي”.

نزيف اقتصادي

أحدث القتال المستمر بين القوات الموالية للوفاق والقوات التابعة للواء المتقاعد حفتر نزيفا للاقتصاد الليبي، جراء التعطيل المتكرر لإنتاج النفط الخام. كما تراجع إنتاج الكهرباء. وعزت مؤسسة الكهرباء ذلك التراجع إلى العطب الذي شل الشبكات الكهربائية في المنطقة الشرقية، ما تسبب بخسارة يومية في منتوج النفط ومشتقاته، قُدرت بـ70 ألف برميل في اليوم الواحد. كما أن غياب الاستقرار أحدث عجزا في إنتاج الطاقة الكهربائية قُدر بـ2000 ميغاوات، وساعات مديدة من انقطاع التيار الكهربائي عن المناطق السكنية، وسط حرارة خانقة.

وأفادت إحصاءات “شركة الخليج العربي للنفط” (قطاع عام) في شرق ليبيا أن إيراداتها تضررت في شهر يونيو/ حزيران الماضي، بعد توقف الانتاج طيلة أسبوعين، جراء عطب كهربائي، ما أدى إلى خسارة قدرت بـ70000 برميل في اليوم.

بالمقابل، تملك “مؤسسة النفط الوطنية” إمكانات كبيرة لزيادة الصادرات، ويُقدر الخبراء طاقة الانتاج الإضافية بما لا يقلُ عن 400 ألف برميل في اليوم. ولو تحقق ذلك فسيُمكن من العودة إلى مستوى الانتاج المسجل قبل انتفاضة 17 شباط/فبراير 2011.

شرطان

ويضع المهندس مصطفى صنع الله شرطين لتحقيق هذه الزيادة، أولهما تحديث البنى الأساسية للقطاع، وثانيهما استقطاب مستثمرين جددا إلى القطاع، وهو أمر صعب في الظروف الأمنية الراهنة. مع ذلك عاودت مجموعة “بريتش بتروليوم” الانكليزية نشاطها جزئيا في ليبيا، خلال السنة الجارية، في إطار عقد مع “مؤسسة النفط الوطنية” يخص تقاسم أعمال التفتيش والانتاج والتسويق.

ويعتقد صنع الله أن التحديث واستدراج المستثمرين يحتاجان تخصيص موازنة خاصة، وضمان مناخ بعيد عن المعارك العسكرية. وتعرضت عدة حقول نفطية إلى محاولات من القوات التابعة لحفتر لعسكرتها وإخضاعها للسلطات الموازية في شرق البلاد، إلا أن الأمم المتحدة أمرت القوات بمغادرة الحقول النفطية. وتُطالب مؤسسة النفط بوضع حد للاعتداءات على مواقع الانتاج، والتصدي لمحاولات بيع النفط في السوق الموازية، والمحافظة على وحدة القطاع “لتأثيره الحاسم في ترسيخ الوحدة الوطنية”. ويُعتبر الاستثمار في تطوير الحقول المُكتشفة حديثا خشبة الخلاص لزيادة إيرادات البلد من صادرات النفط والغاز، وسد النقص الراهن في مجال الطاقة، الذي وصل إلى مستوى حرج.

محاولات فاشلة

حاولت حكومة الوفاق التي تم الإعلان عن تشكيلها يوم 17 كانون الثاني/ديسمبر 2015 وضع خطط لإصلاح الاقتصاد، بالتعاون مع شركاء دوليين. ولعل أبرز تلك المحاولات الاجتماع الذي استضافته لندن في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، والذي تمخض عن اقتراح بتشكيل جسم جديد يهتم بالشأن الاقتصادي، بصورة خاصة، تحت مسمى “المجلس الأعلى للإنفاق”. غير أن الهيكل وُلد ميتا. وبعد مُضي ثلاث سنوات على طيِ تلك المبادرة، تُحذر أوساط عديدة اليوم من أن “الأزمة المصرفية المُهملة في ليبيا وصلت إلى ذروتها”، وفق ما جاء في التقرير الأخير لمجموعة إدارة الأزمات الدولية “كريزيس غروب”. ويتمثل الخطر الأكبر بتكريس الانقسام الذي دام أربع سنوات بين البنك المركزي في طرابلس وفرعه الشرقي في البيضاء، والذي يعود إلى الانقسام السياسي الأوسع نطاقاً، الذي برز في عام 2014، بين “عملية الكرامة” و”فجر ليبيا”. واستطرادا هناك خشية من إقحام المصرف المركزي في التجاذبات السياسية، وهو ما سيؤدي إلى حجب التمويل عن القوات التي يقودها حفتر، ويُعمق بالتالي من الفجوة السياسية بين السلطات المتنافسة في الشرق والغرب، ويُفضي حتما إلى تراجع اقتصادي شديد في جميع أنحاء البلاد.

واللافت أن المصرف المركزي المعترف به دوليا (طرابلس) هو الذي يُحول الرواتب إلى الموظفين في المنطقة الشرقية، بمن فيهم عناصر جيش حفتر. وبحسب محافظ مصرف ليبيا في البيضاء، علي الحبري، بلغ مجموع ما صرفه جيش حفتر في ثلاث سنوات قرابة 9 مليارات دينار. من هنا فإن التوقُف عن القيام بتلك التحويلات إلى الفرع الشرقي، سيجعل حفتر يحظر تصدير النفط من الحقول التي يسيطر عليها، بما قد يُشعل حربًا اقتصادية.

نصف المنتوج الخام للرواتب

ويمكن القول إن إحدى مُعوقات الاقتصاد الليبي أن حوالي نصف الإنتاج الخام للبلد (48 في المئة) تمتصه الرواتب، في ظل تضخم كبير لأعداد الموظفين وسائر العاملين في القطاع العمومي. كما تُقدم الدولة دعما مباشرا للمؤسسات العمومية يُقدرُ بأكثر من 10 في المئة من الدخل الوطني. ومع ذلك تستمر معاناة الليبيين من ارتفاع الأسعار، إذ يُقدر انجراف القدرة الشرائية للمواطن بنسبة 80 في المئة قياسا على مستواها في 2011. ومكنت الزيادة الضئيلة في قيمة الصادرات من مواجهة تدني سعر صرف الدينار، الذي فقد 80 في المئة من سعره القديم، وتجاوز ضغط السوق الموازية، وإن جزئيا. وتجابه حكومة الوفاق المصاعب المتعلقة بأوضاع الموازنة بالاقتراض من المصرف المركزي والتخفيض من الدعم المقدم للمنشآت العمومية، وكذلك بالاستفادة من عوائد الاستثمارات الليبية في الخارج. أما فرع المصرف المركزي في الشرق فلا يستطيع التداين إلا من المصارف المحلية. غير أن الاقتراض هنا وهناك لا يسُدُ النقص المسجل في احتياط البلد من العملات.

غياب البدائل

ويُعزى ذلك العجز إلى غياب صناعات بديلة من الصناعة النفطية، إذ تعتمد ليبيا أساسا على صادرات النفط والغاز الطبيعي، وتستورد 80 في المئة من حاجاتها من الخارج، بما في ذلك الوقود المُصفَى.  لذا يجوز القول إن ليبيا تواجه ثلاثة تحديات اقتصادية كبرى هي تنويع المنتوج الصناعي والتحكم بتزايد إنفاق الدولة على الرواتب، بما يُمكن من تثبيت سعر الدينار، وأخيرا تأمين مناخ الاستقرار لاستقطاب المستثمرين من الخارج. غير أن تحقيق تلك الأهداف يبقى رهين المصير الذي ستؤول إليه الأزمة السياسية المستحكمة، وسط تداخل الأطراف الخارجية، التي تنفخ في نار الحرب الأهلية.

القدس العربي

شاهد أيضاً

ليبيا تُسَيِّر محطات وقود متنقلة إلى غرب البلاد لمواجه صعوبة وصول الإمدادات

ينطلق أكرم الجليدي، الموظف الحكومي في ليبيا بسيارته إلى ضواحي العاصمة الليبية طرابلس في رحلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.