الجمعة , 6 ديسمبر 2019
الرئيسية » تحليلات » الصيغة العربية الليبية لدولة المواطنة

الصيغة العربية الليبية لدولة المواطنة

آمنة أحمد القلفاط/ كاتبة ليبية

الحرية والديمقراطية والدولة المدنية من أكثر المصطلحات تداولا بين الأفراد في مجتمعاتنا العربية على اختلاف ثقافاتهم وتوجهاتهم السياسية. الكل يراها أملا وهدفا ساميا ومطلب حياة، يسعى لتحقيقه، ومن أجل هذه المعاني النبيلة تقام الثورات وتخسر المجتمعات ملايين الشباب، ضحايا الاعتقالات والتهجير والموت.

تتعدد معاني الحرية، فقد كانت يوما، تعنى التخلص من الرق والاستعباد. ثم أصبحت هدف الشعوب التي تناضل من أجل حريتها من المستعمر. لتصبح فيما بعد هدف للتحرر من الحكم الفرد، أيا كان نوعه، وتحقيق العدالة المتلازمة مع نيل الشعوب في حقها في تقرير مصيرها.

الميثاق العالمي للأمم المتحدة

في الميثاق العالمي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، كانت الحرية من أسمي الحقوق التي وجب لكل الفرد الحصول عليها، في أي مجتمع، وهي تشمل، وفق الإعلان العالمي، حق التعبير عن الرأي وحق العمل والسكن وحق التنقل وحق الحماية من الظلم والقمع وحق ممارسة الترشح والحق السياسي.

اتفق على أن الديمقراطية هي مبدأ سيادة الأمة، وهي آلية حكم الشعب نفسه بنفسه، أو أن يختار الشعب السلطة السياسية التي تمارس الحكم وفقا لرأي الأغلبية. سيادة الدولة هي الأساس الذي وجب لمن يخوله الشعب لحكمه من المحافظة عليه، بحيث تكون مصلحة الدولة العليا بين باقي الدول، في المقام الأول والأهم، بالإضافة إلى تنظيم شؤون الناس الداخلية. كل سلطة تفرط في سيادة الدولة وتخون الهدف الأسمى الذي اختيرت من أجله، كوظيفة جوهرية، تعتبر غير مشروعة ولا يعول عليها. فأين نحن من هذه المعاني؟ ومن أجل ماذا نفقد الشباب كل يوم؟

بناء دولة ديمقراطية

بناء دولة ديمقراطية تحميها العدالة ويسيرها القانون وينعم الأفراد بالحرية فيها هو أمل منشود، وحلم بعيد لدى جل الدول العربية التي ترزح تحت حكم الفرد وطغيانه. نموذج الدولة المدنية التي تسعى لها الدول العربية والإسلامية مختلف عن الدول المتقدمة، التي سبقتنا ونالت حظها من الحرية وتقرير المصير، مفهومنا ينقصه النضج ويفتقد عدة حلقات من سلسلة واضحة العنوان ولكنها مبهمة المعالم.

في ليبيا التي لا زال الصراع السياسي قائما فيها منذ عدة سنوات، دون وجود لخريطة سياسية مقنعة تتوافق حولها الأطراف المتصارعة. الحالة الليبية أحد الأمثلة من واقع الحال العربي بصفة عامة ويبين معاناة الناس مع محاولات ايجاد نظام سياسي ناجح.

رفعت الثورة الليبية شعار الديمقراطية وتطبيق العدالة منذ اليوم الأول. ورغم العراقيل التي واجهتها منذ بداياتها في محاولات التوفيق بين مختلف التوجهات السياسية التي تصدرت المشهد في بداياته من خلال المجلس الوطني الانتقالي الليبي، لكن ومع اختلاف وجهات النظر بينهم فقد خرج الإعلان الدستوري الذي يشرح الخريطة الدستورية للبلاد، للنور.

ما لبثت الانتخابات أن شقت طريقها وفق خطة الإعلان الدستور وسط اتفاق وترحيب شعبي واسع في جميع المدن الليبية وبين معظم التوجهات السياسية المختلفة. وصفت الانتخابات بالعرس الديمقراطي، وتكونت الأحزاب والمحطات الإذاعية وطبعت العديد من الجرائد في نشاط ملحوظ نحو تحقيق حلم طال انتظاره. مئات المؤسسات المدنية المختلفة الراعية، حراك مدني نشط ومتحفز نحو تحقيق أقصى قدر من الشفافية والعدالة.

التيارات السياسية

بالتوازي مع الشفافية في تطبيق ما جاء في الاعلان الدستوري من ملامح النظام الديمقراطي، تكونت مجموعات مسلحة عديدة لحماية التيارات السياسية في الغالب، نظرا لعدم ثقة التوجهات السياسية المختلفة بين بعضها البعض، وعدم وجود الضامن لقيام الدولة الديمقراطية الحاضرة في الأذهان، والغائبة على خريطة التطبيق.

مع تفكك الكتائب التي كان القذافي يعول عليها في حماية نظامه، وهدم أركان الدولة ومفاصلها، بداية من قصف الناتو الذي شل الدولة، إلى قانون العزل السياسي، الذي ساهم في زيادة تفكك البنيان الضعيف. ساهمت هذه الظروف وغيرها، بالإضافة لعدم ثقة الفصائل السياسية المتناحرة فيما بينها، إلى تقوية المجموعات المسلحة، بحيث أصبحت جزءا لا يستهان به في اللعبة السياسية، تملي رغباتها وتدير دفة البلاد المتهالكة بما يرضى رغبات قادتها، المتضاربة والمتعارضة تماما مع المصلحة العليا للبلاد.

منذ بداية 2011 وحتى اليوم، وجميع ما مر في ليبيا كان تحت رعاية الأمم المتحدة ووفق ارادة منظومتها الدولية وإشراف مندوبيها متعددي الجنسيات. منذ بداية 2011 وحتى اليوم، والتدخلات الخارجية، المتعارضة من دول العالم المختلفة تحاول تبني نظام سياسي يوافق هوى كلا منها، ولم تنجح أي منها. ربما لسوء حظها، او ربما لحسن حظ الليبيين!

لا زال الليبيون اليوم أكثر من أي وقت مضى منقسمين، بعضهم لا يزال يردد وينادي بشعار الدول المدنية الدستورية، والبعض الأخر يراها سرابا يحسبه الظمآن ماء. فما لم تطبق من الناس وللناس، فلا يمكن لها النجاح. لا زالت الأحزاب السياسية المدنية التي تكونت منذ 2011 ولازالت في ازدياد كل يوم، تمارس مهامها وتجتمع وتتفق وتصدر البيانات. لا زالت الأمم المتحدة تشرف وتدعي مساعدة البلاد للخروج من مأزق هلامي، سهل ومستعص.

المجموعات المسلحة

تبدو صيغة الدولة المدنية التي نريدها غامضة وغير ناضجة، هلامية ولها ملامح متعددة، ووجوه زئبقية تناسب جميع المطالب. خوف البعض من البعض الأخر، رغم الإشراف الدولي، رغم غياب حاجات الناس الأساسية، رغم التهديد بفقدان سيادة البلاد، رغم الحدود المفتوحة والمشرعة لكل الاحتمالات، رغم حاجتنا الماسة للتفاهم، لازالت المجموعات المسلحة تشهر فوهات البنادق في وجه بعضها البعض. لا يزال ثمن الأسلحة يصرف من خزينة البلاد المتهالكة والمحتاجة للتنمية في كل شبر منها. لازال النداءات للالتحاق بالجبهات تتوالى في صيغ عديدة وكلها مدفوعة الأجر من خزينة المال العام. ولايزال عموم الناس في انتظار الصيغة النهائية لدولة المواطنة والحقوق في نسختها العربية الليبية، كما ستتفضل بها عليهم المجموعات المسلحة، لا كما يريدونها هم!

كاتبة ليبية

شاهد أيضاً

تقدير إسرائيلي: تحولات ليبيا قد تؤثر على إسرائيل ومصر

حذر “مركز أبحاث الأمن القومي” الإسرائيلي من أن التحولات التي تشهدها ليبيا يمكن أن تؤثر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.