الجمعة , 6 ديسمبر 2019
الرئيسية » تحليلات » غسان سلامة بين القرية والرجمة

غسان سلامة بين القرية والرجمة

صلاح الشلوي / كاتب ليبي

قبل البدء في الكلام عن غسان ومكوكياته لابد لمن يريد أن يتجرء على الكلام أن يعطى نفسه ولو ثلاثة دقائق ليطلع على مهمة المؤسسة التي يعمل غسان لصالحها، ودور إرسالياتها ومبعوثياتها إلى البلدان الأعضاء، وليس بالضرورة أن يرهق ذهنة بالاطلاع على تاريخ نشأتها وعلاقتها بالمسألة الليبية منذ أن قام الجيش الثامن الإنجليزي بطرد الطليان من طرابلس عام 1942 إلى أن بلغت الأوج في 1947 وصدور قرار الجمعية العامة رقم 289 فى 21 نوفمبر 1949 والقاضى باستقلال ليبيا في أجل اقصاه أول يناير 1952، على أن يشكل مجلس استشاري خاص يساعد السياسي الهولندي المخضرم أدرين بلت لإنجاز بقية بنود القرار والمتضمن وضع دستور للبلاد ونقل السلطة من الإدارة العسكرية الإنجليزية في الشمال والفرنسية في الجنوب إلى السلطات الليبية المنتخبة.

ثم أما بعد

فهو إذا صرح أو خطى خطوة تعجب أمريكا قد يتعكر صفو علاقته بروسيا، وإذا ما أطلق مقاربة ما مطربة لإيطاليا فقد تشمئز منها فرنسا، وإذا ما قال كلمة تعجب السراج فهو على وشك أن يثير حفيظة حفتر المتورم. بل حتى الطيف الذين يدعون أنهم يرفضون عسكرة الدولة ويدعمون حكومة الوفاق في دفاعها على الشرعية هم مختلفون كذلك، ولا يمكن لسلامة أن يجد جوابا واحد مرضيا لهم جميعا، فمصراتة تحتاج أربع إجابات مختلفات وليس إجابة واحدة، وطرابلس تحتاج لأربع إجابات وليس واحدة، وزد على ذلك اثنتين لزليتن ومثلهما للزاوية وما يعادلهما للزنتان، أكيد تحتاج بن وليد لأكثر من إجابة، أما الجنوب فهو بحاجة لخمس إجابات هو الآخر، وتبقى ستة إجابات توزع على مناطق الشرق.

عندما تجمع حاصل جمع أعداد الإجابات لا يمكنك أن تشير على سلامة إلا أن يغالط نفسه ويدرج على التناقض الصارخ، ويمكنك أن تفهم بذلك ركونه إلى الإغراق في الغموض، لأنه والحال يتعلق بالمسألة الليبية منذ نشأتها في أروقة الأمم المتحدة في مطلع عام 1947 والخلاف حولها دوليا ومحليا متلازمة لا فكاك لدولة اللليبية عنها البتة، للحد الذى سيبطل أيضا محاولات الخضر عليه السلام وليس سلامة لو خرج في ليبيا أن يقنع ليبيين اثنين بنفس الإجابة لسؤال واحد، بل لابد له من إجابتين مختلفتين متناقضتين تماما كي يشعر كل واحد منهما أنه يمكن أن يقتنع.

البعض ينسى نفسه ويشجب ويزمجر لأن سلامة غادر مكان إقامته في قرية النخيل بجنزور غرب طرابلس قاصد الرجمة مقر حفتر شرق بنغازي، وكأن حفتر ليس هو سبب كل الربكة في المشهد السياسي الليبي، وكأنه لم يغامر ويفسد الحياة السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، مستفيدا من حالة الانقسام في المجتمع الدولي، ومحاولة الأطراف الدولية الاستفادة من حالة التفوق السياسي النوعي المتمثل في امتلاكها لحق النقض والتهديد باستخدامه لكل قرار ما لم تستفد تلك الأطراف تنازلات مقابلة في ملفات أخرى مثل فنزولا وإيران وسوريا واليمن، مما نضحت به لقاءات وزير الخارجية الأمريكي مع نظيره الروسي في زيارته الأخيرة لموسكو، وهلم جر بقية الأطراف الدولية والطفيليات الإقليمية العواربية.

وليس ادعى إلى الضحك محاولات المدونين والمغردين من الجنوح إلى اتهام الرجل بالانحياز لحفتر وأنه ما ذهب إليه إلا بسبب الضغط الفرنسي، في الوقت الذى لا يحتاج فيه سلامة لضغط ولا درجة حرارة كي ينشط دبلوماسيته بين أطراف النزاع في ليبيا، ولا يجوز له الانحياز إلى جانب طرف على حساب طرف مهما كان أحدهما محق والأخر معتدي، لأن السياسة الدولية ليست برنامج حكم محلي في ليبيا، بل تعبير عن توازنات، ومحاولات لصناعة التوازنات الممكنة والمحافظة عليها، وهنا يفتك الجهل بالكثيرين ممن يظن أن العالم تتوقف حركته حتى يرضى هذا الطرف أو ذاك في ليبيا، صحيح أن تدخل العرب هو أكبر عامل هدم في الملف الليبي منذ عام 1947 حيث كان العرب يسعون بأن لا تستقل ليبيا، وحاولت مصر عرقلة صدور الدستور الليبي، لحاجة في نفس الفوالة حينها، مما ورد بيان جانب منه في تقرير وفد لجنة الدستور الليبي لوفود الدول العربية حينها في 22 يناير 1951 برئاسة رئيس اللجنة أبو الأسعاد العالم ونائبيه عمر فائق شنيب وأبوبكر بونعامة وعضوية خليل القلال والمستشار الدكتور وهبي البوري والمستشار القانوني عوني الدجاني والإعلامي صالح بويصير عليهم رحمة الله جميعا، حيث فضحت اللجنة المساعى العربية وعلى رأسها المصرية ممثلة في وزير خارجيتها محمد صلاح الدين بك لمحاولات عرقلة صياغة الدستور وبالتالي تفويت تاريخ يناير 1952 كأخر فرصة أمام استقلال ليبيا، مع ضرورة تسجيل مزية لرئس الحكومة اللبنانية في حينه المرحوم رياض الصلح بك الذى تواصل مع وفد لجنة الستين وكشف لهم تآمر اللجنة السياسية في جامعة الدول العربية والدور السلبي الذى لعبه وزير الخارجية المصري حينها محمد صلاح الدين بك، حيث كانت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ممثلة في رئيسها المصري عبدالرحمن عزام حاولت بكل سبيل أن لا تجعل اللجنة السياسية تستمع إلى وفد لجنة الستين، بل حاولت أن تختلق أصوات معارضة من بعض الليبين المقيمين على حسابها بالقاهرة، وربما في تلك الفترة استغل عزام الخلاف بين الأمير محمد إدريس السنوسي والزعيم الراحل بشير السعداوي وأن يلعب على وتر علاقة الأمير إدريس بالإنجليز كي يعكر صفو العلاقة بين الرجلين، ولكن حصافة السعداوي بعد رجوعه إلى ليبيا جعلته يدرك أن معركته ليست مع إدريس بل مع قضية واحدة وهي معركة الاستقلال، فكان أن غير موقفه المعارض لإدريس وقال أننا نقبل بالدخول تحت عباءته الآن، ثم ليعالج الليبيون المواضيع العالقة في المستقبل ورحل الأزمة إلى المستقبل، وخيرا فعل حيث فوت على المصريين سواء في أمانة جامعة الدول العربية ورئيسها عبدالرحمن عزام أو وزير خارجيتها محمد صلاح الدين بك اللذين تظاهرا على عرقلة الاستقلال بكل سبيل.

وكأن التاريخ يعود من جديد لتواجه اليوم نفس الاستحقاقات السياسية بل والتدخلات الأمنية من قبل الأشقاء الأشقياء لتجسد بذلك رواية الأخوة الأعداء للكاتب وفيلسوف اليونان نيكوس كازانتزاكي، وليجد المصريون شخصيات ليبية يتكئون عليها لتنفيذ مخططهم ( لعرقة الاستقرار ) بعد أن حاولوا في 1947 ( عرقلة الاستقلال)، وليكون وجود سلامة مقابل لوجود رياض الصلح في المشهد الليبي، ولابد من استيعاب ذلك على الرغم من تشابك المشهد، ولابد من إدراك أن سلامة ليس خصما كما يظن بعض الطيبين المناوئين لعسكرة الدولة والداعمين للحكومة الشرعية في الدفاع عن الشرعية ضد التمرد والمغامرة التى قاد فيها حفتر قواته إلى تخوم طرابلس، وليدركوا أن وجود الشرعية الناتجة عن اتفاق الصخيرات هي العقبة الكداء أمام المساعي المصرية في عرقلة الاستقرار.

شاهد أيضاً

تقدير إسرائيلي: تحولات ليبيا قد تؤثر على إسرائيل ومصر

حذر “مركز أبحاث الأمن القومي” الإسرائيلي من أن التحولات التي تشهدها ليبيا يمكن أن تؤثر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.