الأحد , 18 نوفمبر 2018
الرئيسية » تحليلات » هل تعتبر اللامركزية الملاذ الأخير لليبيا؟

هل تعتبر اللامركزية الملاذ الأخير لليبيا؟

كريم ميزران وإريني نيل 

 

يطغى الارتباك والفوضى على الوضع في ليبيا، وهو ما يدفع الكثيرين للخوف من أن يكون مصيربلادهم مماثلا للصومال. وفي كل مستوى، يمكن تبين وجود انقسامات دائمة وعداوات متغيرة، التي تتسبب بدورها في إنشاء اقتصادغير مشروع راسخ ومتوسع، فضلا عن زيادة عدد الجماعات المتطرفة والصدامات المطلقة مع الفصائل المسلحة في جميع مناطق البلاد تقريبا.

 

على الرغم من سعي العديد من الأطراف الفاعلة على المستويين المحلي والدولي إلى إبرام صفقة تقود إلى تحقيق الاستقرار في البلاد، إلا أن معظمهم واجه صعوبات كبرى بسبب تفضيل عدد كبير من هذه الجهات الفاعلة بقاء الوضع كما هو كي يتمكنوا من تحقيق أهدافهم الربحية. ومنذ سقوط نظام معمر القذافي الاستبدادي سنة 2011، أضحى الوضع السياسي أكثر تعقيدا، وهو ما يشير إلى حالة من الجمود بين مختلف القوى.

 

تشهد ليبيا حاليا تواجد حكومتين متنافستين على الأقل. وتتمركز الأولى في مدينة البيضاء بقيادة رئيس الحكومة الليبية المؤقتة في الشرق عبد الله الثني، وهي تحظى باعتراف مجلس النواب الليبي الذي يقع مقره في مدينة طبرق الشرقية، والذي تم انتخاب أعضائه سنة 2014. والجدير بالذكر أن مجلس النواب يدعم المشير خليفة حفتر، الذي بدأ حملة عسكرية سنة 2014 انتهت بسيطرته على مساحة كبيرة من الأراضي شرق ليبيا من خلال الاستعانة بالتحالف الذي يضم العديد من الجماعات المسلحة ويعرف باسم القوات المسلحة الليبية.

 

أقام حفتر في الولايات المتحدة الأمريكية طوال 25 سنة قبل بزوغ فجر ثورة سنة 2011 في ليبيا. وبصفته جنرالا في عهد القذافي، انشق حفتر عن النظام الليبي سنة 1987 بمساعدة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ليتمكن بذلك من الانتقال إلى العاصمة الأمريكية واشنطن. ومن جهته، عمل مجلس النواب الليبي على تعيين المشير خليفة حفتر قائدا للحكومة التي كانت تحظى بالاعتراف الدولي آنذاك خلال شهر آذار/ مارس من سنة 2015[1].

 

على الرغم من انتخاب مجلس النواب الليبي بشكل شرعي في إطار انتخابات نزيهة وشفافة سنة 2014، اختار المجتمع الدولي الأمم المتحدة واعتبرها المنبر الرئيسي لخوض جملة من المفاوضات. وأدت هذه المفاوضات إلى انبثاق الاتفاق السياسي الليبي سنة 2015، ليقود ذلك إلى تأسيس حكومة وحدة وطنية في العاصمة طرابلس. ونتيجة لذلك، وقع تشكيل المجلس الرئاسي بواسطة تسعة أعضاء، وكان يعتبر أعلى سلطة في البلاد أثناء سن بنود الاتفاق.

 

تم تعيين فايز السراج رئيسا للمجلس الرئاسي، وهو ما يجعله رئيس الوزراء الليبي ورئيس حكومة الوفاق الوطني، اللذان يقع مقرهما في مدينة طرابلس. وعلى الرغم من حصول الاتفاق السياسي الليبي على توقيعات من طرف شخصيات من شرق وغرب البلاد، لم يعترف مجلس النواب الليبي بحكومة طرابلس، وهو ما وضع أسس هذه العداوة بين الطرفين.

 

بالإضافة إلى الانقسام بين الشرق والغرب، تمتلك حكومة الوفاق الوطني نفوذا محدودا في طرابلس نفسها. وعندما قدمت هذه الحكومة إلى العاصمة الليبية في مطلع سنة 2016، عملت على التفاوض حول إقامة تحالف للجماعات المسلحة لتأمين مقراتها وتشكيل قوة أمنية من أجل ليبيا. وعلى الرغم من أن هذه الجماعات مرتبطة بشكل رسمي بحكومة الوفاق الوطني، إلا أنه بات جليا أنها عاجزة عن إصدار الأوامر لهذه الميليشيات.

 

عوضا عن ذلك، تلتزم الجماعات المسلحة بحماية حكومة الوفاق الوطني من أجل تمكينها من الحفاظ على سير عملياتها التي تجري في إطار اقتصاد غير مشروع ومربح، والذي ازدهر خلال السنوات السبع الماضية. وتحولت الجماعات المسلحة في كامل البلاد، وليس فقط في العاصمة طرابلس، إلى مزيج من الميليشيات والشبكات الإجرامية من خلال السيطرة على طرق تهريب النفط والمخدرات والمهاجرين القادمين من الدول الإفريقية المجاورة. علاوة على ذلك، تدير هذه الجماعات مراكز احتجاز شبيهة بالسجون لإيواء المهاجرين مقابل عائد مادي.

 

يتضمن الغرب حكومة دون جهاز أمني وجهازا أمنيا لا يمتثل لأي هيئة منتخبة بشكل شرعي، مما يسمح له بالعمل دون مراعاة حقوق الإنسان. ونظرا لأن الحكومة عاجزة عن القيام بواجبها المتمثل في حماية المواطنين، وهو ما يسمح للميليشيات بسد هذا الفراغ والتصرف كما لو أنها غير قابلة للمساس.

 

في الوقت ذاته، يتحكم المشير خليفة حفتر بحكومة الشرق بطريقة استبدادية، ويحدوه الأمل في رؤية ليبيا بأكملها تحت سيطرته. وعلى الرغم من أن القوات المسلحة الليبية تبدو متماسكة، إلا أنها تفتقر إلى الموارد المالية والبشرية. وعموما، يمكن اعتبار الشرق أكثر أمانا نسبيا من الغرب، إلا أن السكان لا يزالون يمتلكون مخاوف جدية بشأن تعرضهم لهجمات مستمرة من طرف جماعات مثل تنظيم الدولة.

 

الأطراف الدولية الفاعلة في ليبيا منذ سنة 2011

تبنت الأمم المتحدة مخططات مصالحة طموحة تركز على هيكل سياسي عالي المستوى. وتمحورت هذه المخططات حول معتقد مفاده أنه بمجرد توصل الفصائل العليا إلى اتفاق لإنشاء نظام لتقاسم السلطة والتمثيل، سيحظون بدعم المواطنين ويتمكنون من إنشاء نسيج مجتمعي بفضل الحماس الذي سيتولد حول نظام الحكم الجديد والموحد.

 

في المقابل، أخفق هذا النهج العمودي الذي تفضله الأمم المتحدة لعدة أسباب. ويرجع ذلك بالأساس إلى تعمد بعض الأطراف الفاعلة على المستوى المحلي، والتي لطالما استفادت من الفوضى، إفشال جهود المصالحة فضلا عن تعزيز دورها الفعال داخل المجتمع من خلال توفير الأمن في الوقت الذي كانت تعجز فيه الحكومة المركزية عن توفير ذلك.

 

كما يعزى تعثر هذه المفاوضات، إلى أنه على الرغم من مشاركة الأمم المتحدة في هذا الصراع، إلا أن ليبيا لم تمثل أولوية بالنسبة للدول الغربية الكبرى أو الدول المجاورة التي تمتلك مصالح قوي مع ليبيا، مثل الجزائر. وبشكل غير مفاجئ، فشلت الاتفاقيات الضعيفة التي تم اقتراحها معا، نظرا لعدم استعجال الدول المجاورة والقوى الغربية لإيجاد حل لمعالجة الصراع الليبي.

 

بشكل مستغرب، توجه الكثيرون إلى التركيز على التأثير المباشر للأزمة الليبية على القارة الأوروبية من خلال وصول مئات الآلاف من المهاجرين.وخير مثال على ذلك،إصرار المجتمع الدولي على إنشاء حكومة الوفاق الوطني التي كانت ضعيفة منذ البداية وتفتقر إلى جهاز أمني قوي.

 

تكمن المفارقة في أن تركيز الأطراف الدوليين على المشاركة من خلال دعم قادة معينين في صلب القيادة العليا يعد العامل الأكبر الذي ساهم في تكوين الدوامة التي دخلها الصراع الليبي منذ سنة 2011. وفي هذا السياق، قدمت كل من الإمارات العربية المتحدة ومصر دعمهما إلى حفتر، في حين تلقت الجهات الفاعلة الأخرى على الأرض دعما من طرف قطر وتركيا. ونتيجة لذلك، شهدت ليبيا وضعا لا يوجد فيه طرف رابح وآخر خاسر، وهو ما أدى إلى ترك الليبيين دون حكومة فاعلة.

 

بديل؟

وقع عرض النهج القائم على المقاربة التصاعدية الذي يعترف بحاجة السلطات المحلية للقيام بدور رئيسي في نظام الحكم، على أنه الحل الأكثر فاعلية بالنظر إلى الوضع الحالي الذي تشوبه الانقسامات. وبشكل عام، لا يمكن تطبيق حل الحكومة الفدرالية في ليبيا، بل يجدر بهم اعتماد نظام نقل الصلاحيات والمسؤوليات من المركز نحو المدن المحيطة به[2].

 

ويمكن لهذا النهج القائم على معالجة الأمور وفق مقاربة تصاعدية أن يصبح فكرة مقبولة بشكل أكبر لدى الليبيين الذين تساورهم الشكوك إزاء ما تقدر الأمم المتحدة على فعله، والذين يشعرون بالخيانة من طرف القوى الكبرى التي تدخلت في الصراع للإطاحة بالقذافي سنة 2011 ثم سرعان ما تخلت عن البلاد. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تبين وجود مجموعة أخرى من الأطراف التي تم تهميشها من قبل الحكومة المركزية خلال فترة حكم القذافي، وهو ما يدفعهم لتفضيل قيام حكومة لا مركزية.

 

منذ انهيار ليبيا سنة 2011، أثبتت السلطات المحلية قدرتها على الاضطلاع بمهام الحكومة بشكل أفضل من الحكومة المركزية، وهو ما أثار التفاؤل حول اعتماد هذا النظام[3]. وأخيرا، يمكن لمثل هذا النهج أن يكون السبيل الواقعي الوحيد لتطبيق المشروع الذي طال انتظاره، وهو تأسيس هوية ليبية متماسكة.

 

هل يمكن للهوية الوطنية أن تسمح بتطبيق اللامركزية؟

إن تاريخ ليبيا مع الحكم العثماني والاستعمار الإيطالي والنظام الملكي لم يفسح المجال لتكوين هوية وطنية بصفة طبيعية. وتشترك فترتا الحكم العثماني في ليبيا، اللتين امتدتا على مدار 250 سنة تفصل بينهما 120 سنة منحكم الانقلاب، في إدارة إقليم طرابلس (تريبوليتانيا) وبرقة ( قورينائية) باعتبارهما كيانين إداريين. كما خص العثمانيون المناطق الساحلية باهتمام أكثر وحضور مكثفمقارنة بالمناطق الداخلية. أما خلال فترة الاستعمار الإيطالي بين سنة 1911 و1947، تم إحداث إقليمثالثفي الصحراء، ألا وهو إقليم “فزان”، جنوب البلاد. وكانت الفترة الوحيدة التي تم فيها تسيير الأقاليم الثلاث ككيان إداري واحد هي خلال عهد حكومة إيتالو بالبو بين سنة 1934 و1939.

 

سنة 1951 تم تأسيس المملكة الليبية المتحدة تحت حكم محمد إدريس الأول، ومنذ ذلك الحين أصبحت البلاد محل أطماع الشرق والبريطانيين، التي تنامت خاصة من الغرب. وخلال تلك الفترة، كان يجب أن تكون المهمة الأولية لكل من الحكومة والنخبة الحاكمة التركيز على وضع حد للانقسامات الاجتماعية وتوحيد صفوف البلاد من خلال ترسيخ الشعور بالهوية الوطنية في صفوف الشعب الليبي. لقد كان الملك إدريس الأول رجلا صادقا وورعا، ولكنه في مقامه كملك لم يضطلع بالمهمة التي كانت موكلة إليه، وإنما كان يركز جل اهتمامه على المسائل الدينية بدلا من الالتفات لشؤون الدولة اليومية.

 

عندما وصل القذافي إلى السلطة سنة 1969، تمحورت رؤياه لمستقبل ليبيا حول القومية العربية ليركز فيما بعد على الوحدة الأفريقية، وهو ما حال دون تأسيس مؤسسات دولة قوية من شأنها حشد الليبيين حول رؤية وطنية موحدة. وقد مكنت هذه الإستراتيجية القذافي من البقاء على رأس الدولة ولكنه في المقابل فشل في تشكيل الهوية الليبية. برز شعور حقيقي “بالانتماء الليبي” في بداية الألفية بفعل التحضر والتفاعل المتواصل بين مختلف أطياف الشعب، بيد أن هشاشة مؤسسات الدولة ظلت عائقا أمام تشكل هوية وطنية، وهو ما أصبح جليا باندلاع ثورات 2011. وبما أن تجزئة البلاد بدأت قبل إمساك نظام القذافي بزمام السلطة، فإنه من الضروري معرفة ما إذا كانت المقاربة التصاعدية ملائمة لليبيا في ظل الوضع الراهن.

 

واقع تطبيق اللامركزية منذ سنة 2011

قبل انتهاء عهد نظام القذافي وانهيار مؤسسات الدولة الهشة سنة 2011، كانت جودة العيش بين مختلف فئات الشعب الليبي متفاوتة بسبب سياسة التفضيل التي كان يمارسها القذافي وتحكمه في الأقاليم والقبائل. أثرت البيئة التي تشكلت مباشرة خلال فترة ما بعد الثورة سلبا حتى على الفئات التي كانت مقربة من النظام، حيث كان جميع الليبيين شاهدين على انهيار دولتهم وتخبط بلادهم في الفوضى والحرب، وهو ما ألقى بظلاله على التعليم والمستشفيات والوصول إلى الموارد الأساسية. وعلى المستوى الوطني، كان أداء الكيانات التابعة للحكومة شرقا وغربا خلال فترة ما بعد الثورة دون المستوى، حيث عجزت عن تقديم الخدمات للمواطنين وتوفير الأمن. ومنذ سنة 2011، اضطر الشعب الليبي للتعويل على الجماعات المحلية المسلحة والمجالس المحلية لتوفير الأمن والخدمات. وفي ذلك الوقت، كان أداء بعض المجالس البلدية أفضل من أداء الحكومة المركزية.

 

منذ انعقاد الانتخابات المحلية سنة 2014، أخذت العديد من المجالس البلدية بزمام المبادرة في مجتمعاتها المحلية وأخذت على عاتقها مهمة التنسيق مع المجالس البلدية الأخرى لحل المشاكل، حيث اجتمع ممثلو البلديات في عدة مناسبات لمناقشة قضايا الهجرة وأدفاق النفط ومحدودية المداخيل، كما اتفقوا على وقف إطلاق النار، وحماية المواقع الأثرية، وتقديم بيانات موحدة يدينون فيها بصوت واحد الإرهاب ويرفعون فيها مظالمأخرى. وقد تراوحت الاجتماعات بين الجمع بين مجالس مدينتين لحل قضايا خاصة واجتماع أكثر من 107 ممثلا، الذين[4]دعوا في آذار/ مارس من سنة 2018 إلى توحيد ليبيا وتكوين لجنة لتيسير الحوار بين فصائل[5] الحكومتين المتناحرتين.

 

وفي بعض الحالات التي كانت فيها المجتمعات المحلية غير راضية عن أداء قادتها،كان أفراد المجتمع يلجؤون لعملية التصويت السلمي[6]أو ينصبون قائدا مؤقا لحل النزاع. لقد تم التوصل إلى مصالحة بين الزنتان ومصراتة في نيسان/ أبريل من سنة 2018[7]، بعد أن كانت المدينتان متخاصمتين منذ وقت طويل، لذلك كان الاتفاق الذي عقد بينهما بمثابة مفاجأة سارة لمعظم الليبيين. كما أنشأت المجالس البلدية قوات أمن مشتركة للتعامل مع خصوم معينين، وتم تكوين لجان وجمعيات تعنى بمسائل محددة، على غرارالدمار الذي خلفته الاشتباكات المسلحة ومحاسبة المجرمين وتحقيق العدالة.

 

لقد واجهت المجالس البلدية في ليبيا العديد من العوائق التي أثرت على أدائها بدرجات متفاوتة. وفي حين حافظت بعض البلديات على إدارتها للخدمات الأساسية والإشراف على مجالها، حتى في إطار قانوني تشوبه النقائص، كافحت بلديات أخرى من أجل استكمال عملها بسبب افتقراها للتمويل الكافي من الحكومة المركزية. فضلا عن ذلك، أدت هيمنة القبائل والميليشيات التي برزت في أعقاب سنة 2011 إلى خلق عثرات في طريق بعض مجالس البلديات للانخراط في العمل السياسي [8]على الصعيد المحلي، وهو ما ينطبق خاصة في الشرق، حيث تم استبدال العديد من رؤساء البلديات بعناصر من الجيش الموالين لخليفة حفتر.

 

رغم الصعوبات، تمكن العديد من رؤساء البلديات من كسب ثقة المجتمعات المحلية التي يخدمونها. وقد شعر ثلث الليبيين أن المجلس البلدي أكثر شرعية من قادة القبائل والمجتمع المدني ونواب البرلمان على مستوى التمثيل الشعبي، وذلك وفقا لمسح أجري من قبل المعهد الجمهوري الدولي في أواخر سنة 2016[9]. علاوة على ذلك، تمثل الحكومات المحلية الجهة السياسية الموثوق فيها التي كانت منظمات الإغاثة الدولية تتفاعل عبرها مع الشعب لتقديم المؤن والخدمات. بعبارة أخرى، لقد تجاوزت المنظمات الدولية الانقسامات السياسية من خلال العمل مباشرة مع المجتمعات الصغرى حرصا على عدم إعاقة تدفق المساعدات بسبب كثرة الخلافات السياسية.وستنتهي ولايات العديد من القادة المحليين المنتخبين سنة 2018 لتعقد المجالس المحلية انتخابات جديدة مثلما حدث مع مدينة الزاوية في شهر أيار/ مايو سنة 2018[10].

 

بينما تحتم على البلديات التأقلم مع حالة الفوضى التي عمت البلاد، بدت تظهر عليها إلى حد ما مع بعض السمات التي تميز الدولة اللامركزية.ومع ذلك، لم يتم الانخراط في تطبيق اللامركزية رسميا وهو ما يحيل على افتقار عمل البلديات للثبات في شتى أنحاء ليبيا. فقد عملت كل بلدية حسب معرفتها بالأمور والمصادر المتاحة لديها، مع القليل من القوانين والغياب شبه التام للإرشاد. وعلى المستوى الوطني، لم يتم التطرق إلى مفهوم اللامركزية سواء رسميا أو بشكل شامل.

 

قانون رقم 59

تضمن القانون رقم 59 التلميح الوحيد المتعلق بموضوع اللامركزية، الذي تم اعتماده رسميا سنة 2012. ومع ذلك، أدى تصاعد العنف سنة 2014 واستمرار الترهيب الذي تمارسه الجماعات المسلحة التي تسيطر على العديد من الأراضي في ليبيا إلى إعاقة التطبيق المنتظم لمبدأ اللامركزية الوارد في نص هذا القانون[11]11، وإن كانت تشوبه بعض الثغرات.

بالاستناد إلى القانون رقم 59، أنشأت أكثر من 100 بلدية تتكون من مجالس بلدية منتخبة ومنتشرة في كامل الأقاليم الثلاث في البلاد. ويضطلع الحاكم الذي يشرف على بلدية المقاطعة بمهمة الإشراف على البلديات الموجودة في كل محافظة، في حين يسهر “النائب” على الإشراف على الوحدات الإدارية. ويتولى العمدة رئاسة كل مجلس بلدي، المنصب الذي يحصل عليه عن طريق الانتخاب. وفي أعلى مستوى حكومي في ليبيا، عادة ما سيكون لدى الدولة وزير للحكومة المحلية.

 

يركز القانون رقم 59 بصورة مكثفة على تفويض الواجبات الإدارية مثل تخطيط المناطق الحضرية ووضع الميزانية وإنشاء مناطق الترفيه الموجهة للعموم وتوفير المياه إلى البلديات. وتجدر الإشارة إلى أن هذا القانون فشل في تحديد طرق عمل قوى الشرطة في كل بلدية. ويمكن القول إن تقاسم السلطات السياسية أو السلطة القضائية يعد مصطلحا غامضا أو غير موجود في المعجم المعتمد في صياغة هذا القانون، كما لم يذكر القوى السياسية بشكل كبير ولم يتطرق إلى مهام جمع الضرائب.

نظرا لكونه ثمرة المجهود الوحيد الذي يرمي لترسيخ اللامركزية في ليبيا، لا يتضمن القانون رقم 59 أي آليات لتفويض أي جوانب من السلطة السياسية من أجل إنشاء نظام لامركزي فعال.

 

اللامركزية في دولة ريعية

غالبا، سيبدو تصميم اللامركزية في ليبيا مختلفا عن نظيره في تونس وسوريا والعراق، بسبب هوية البلد وتاريخها وطبيعة الصراع القائم والاقتصاد في هذه الدولة الريعية. ويود الكثيرون أن يتضمن الدستور ضمانة تنص على منح كل مواطن ليبي حصة عادلة من عائدات النفط. ومع ذلك، قد يقوض التوزيع البسيط للثروة اللامركزية نظرا لاستمرار الدولة المركزية في ممارسة سلطتها على السكان. وستكون البلديات قادرة على ممارسة سلطتها السياسية بشكل حقيقي واتخاذ قراراتها بصفة مستقلة في حالة واحدة فقط، عند تمكينها من الحصول على ميزانية خاصة بها لتكون قادرة على البناء والقيادة والحكم.

 

وفقا للقانون رقم 59، تعتبر التحويلات التي توفرها الحكومة المركزية مصدر دخل البلديات الوحيد، وتهدف بالأساس إلى تغطية تكاليف التشغيل فقط. ويجب أن تُمنح البلديات أموالا تتجاوز الحد الأدنى من المال اللازم لدفع نفقات المتطلبات الأساسية، كما يجب أن يكفل الدستور حق البلديات في الحصول على حصص عادلة من عائدات النفط، وذلك بالاستناد إلى عدد سكان كل بلدية. وبذلك، ستتمكن كل بلدية من تحديد الميزانية الخاصة بها والنفقات التشغيلية والرواتب والأموال المخصصة للرعاية الاجتماعية لسكانها.

علاوة على ذلك، يجب أن ترسخ مبادئ توجيهية أساسية وإطار عمل حتى تتمكن البلديات من اتباعه. على سبيل المثال، يجب أن يتم اعتماد سقف محدد للجزء المخصص للرواتب في الميزانية، وذلك لتفادي الفساد، كما يجدر أن تمتلك البلديات الحد الأدنى من المتطلبات للاستثمار في قطاعي التعليم والرعاية الاجتماعية الموجهة لسكانها. في الأثناء، سيتسنى لسكان كل بلدية التصويت على اقتراحات الإنفاق الرئيسية الجديدة، في حين سيتعين على البلديات الإبلاغ عن ميزانيتها للحكومة المركزية والخضوع لمراجعة الحسابات السنوية وزيارات التدقيق التي يجريها المفتشون.

 

في المقام الأخير، يجدر بالحكومات المحلية أن تمتلك الحرية والشجاعة لخلق مصادر دخل أخرى. ومع ذلك، ستكون الأموال القادمة من بيع النفط، التي يتم اعتمادها لإنشاء مصادر دخل أخرى مثل تكاليف بعث أعمال تجارية، محدودة. وفي حال عدم توفر الموارد المالية، ستكون اللامركزية السياسية ضعيفة. وعوضا عن إعادة توزيع الثروة بشكل بسيط، يخلق هذا النظام آلية مالية تلبي حاجيات هذه الدولة الريعية في خضم سعيها لوضع أسس لامركزية حقيقية.

 

المكونات اللازمة لنجاح اللامركزية

عملت الحكومة على الأخذ بعين الاعتبار أشكالا أخرى للحكم في ليبيا. على سبيل المثال، شهدت سنة 2012 نشأة توجه قوي نحو تطبيق نظام الحكم الفيدرالي من قبل جماعة صغيرة وقوية في الشرق بقيادة أبو بكر مصطفى بعيرة. ومن جهتهم، رفض المواطنون في غرب ليبيا تطبيق النظام الفيدرالي، واعتبروا أن هذا المقترح يندرج ضمن مساعي النخب الشرقية لاحتكار الثروة النفطية للبلاد، التي تتركز النسبة الأكبر منها في الشرق، والانفصال عن الجزء الغربي للبلاد.

 

وفقا لنتائج دراسة استقصائية أجراها المعهد الجمهوري الدولي سنة 2011، أعرب 7 بالمائة من المشاركين الذين يقطنون في شرق ليبيا عن انحيازهم لخيار إقامة نظام فيدرالي[12]12. ويرجع فقدان الفيدراليين لتأييد الكثير من الليبيين إلى حقيقة لجوئهم إلى العنف بشكل سريع. وعند العودة بالذاكرة إلى الفترة الفاصلة بين سنتي 1951 و1963، نستحضر محاولة الليبيين اعتماد نظام فيدرالي، وهو ما أدى إلى حدوث نتائج سلبية للغاية [13]13آنذاك.

 

ازداد حجم الخلاف الوطني حول تطبيق النظام الفيدرالي، كما شهدت الكتلة الفيدرالية عدة انقسامات. لكن هؤلاء الفيدراليين كانوا أقوياء بما فيه الكفاية للحصول على مقاعد في الانتخابات البرلمانية لسنة 2014. واستمر الفدراليون في الضغط على حكومة طرابلس لإيلاء قدر من الاهتمام بمشاغلهم واهتماماتهم. وفي الوقت الحالي، أصبحت المراكز السكانية في ليبيا منقسمة بشكل كبير، مما لا يسمح للنظام الفيدرالي بتأدية وظيفته على اعتباره حلا يهدف لتخليص البلاد من الانقسامات.

 

يجب النظر إلى النظام اللامركزي على أنه نهجا من شأنه تخفيف حدة التفكك وحالات الإفلات من العقاب في ليبيا بشكل صارم. في الوقت ذاته، يمكن تبين العديد من العقبات التي تقف في وجه هذا النهج الذي يتبع منظورا ينطلق من القاعدة نحو الأعلى. ولعل من أهم الجوانب التي لا تزال عالقة في علاقة بهذا النهج، ما إذا يمكن تطبيق اللامركزية بشكل رسمي في ظل عدم وجود دستور راسخ وقوي.

 

لا تحدد مسودة الدستور الليبي، التي حظيت بموافقة الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي خلال شهر تموز/ يوليو من سنة 2017، واجبات ومسؤوليات العديد من الأجهزة التابعة للدولة بشكل واضح. ولزيادة حظوظ نجاح العملية اللامركزية، يجب أن يحتوي الدستور على رؤية وطنية واضحة وإطار قانوني لتحقيق اللامركزية.

 

من ناحية أخرى، يمكن لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من طرف الأمم المتحدة أن تتجاوز المعضلات المتعلقة بالدستور عن طريق إصدار قانون، وذلك بموجب مرسوم يعنى بوضع خطة لتنفيذ العملية اللامركزية. عقب ذلك، يمكن المصادقة على طلب بوضع أسس نظام لامركزي أو رفضه أو تعديله من قبل برلمان يتم انتخاب أعضائه بصفة شرعية.

يمكن لليبيا النظر في إمكانية اعتماد إطار عمل شبيه بالذي تبنته جارتها تونس، والذي يسعى إلى بناء دولة موحدة ذات مستوى عال من اللامركزية. ويقوم النهج التونسي على توحيد جميع الحكومات المحلية ضمن إطار قانوني واحد يوضح قدرة المشرعين المحليين على تطبيق القوانين دون الإخلال بالمسار اللامركزي وضمان استمراره. وتجدر الإشارة إلى أن أحد أبرز مكونات النهج التونسي يكمن في تضمين أحدث مشاريع قانون الحكم المحلي في سنة 2017، لأحكام تجعل المجالس المحلية تتمتع باستقرار مالي أكبر وتضمن امتلاكها للموارد المالية الكافية للاضطلاع بالوظائف الرئيسية التي في عهدتها.

 

الخلاصة

لا تزال آفاق النظام اللامركزي غير مستغلة بالشكل المطلوب في المنطقة. وقد استرعت انتباه بعض الجهات في الآونة الأخيرة على اعتبارها وسيلة يمكن تطبيقها لوضع حد للصراع في ليبيا، بالإضافة إلى العديد من الدول الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولا بد أن تكون اللامركزية عبارة على مسيرة تبدأ بحكومة مركزية قوية تفوض السلطة والصلاحيات والأموال للبلديات على نحو مستمر.

على الرغم من نجاح العديد من البلديات في تقديم الخدمات لمجتمعاتهم عند نشوب الحرب وانتشار الفوضى، يمكن القول إن العملية الحالية تنطوي على العديد من الصعوبات. ونظرا لأنها تكونت بشكل مستقل في ظل غياب حكومة مركزية قوية، لا تتبع المجالس البلدية أي سلطة عليا، كما أن مستوى التفاعل بين الطرفين محدود للغاية.

بموجب ذلك، يجدر بالحكومة المحلية إتباع قواعد قانونية وواضحة، وهو ما سيسمح بزيادة فورية في التمويل الموجه إليها والتمتع بعلاقة رسمية مع الحكومة المركزية بهدف إنجاح عملية تبني النظام اللامركزي. على غرار النظام اللامركزي التونسي، هناك حاجة ملحة للمجازفة باعتماد النظام اللامركزي في سياق تحقيق الوحدة الليبية. وستحظى الجهات الفاعلة على المستوى المحلي بفرصة امتلاك حكومة فاعلة في ليبيا عند اتباعها هذا الإطار العملي فقط.

[1]مقال تحت عنوان “اللامركزية أمل ليبيا للخروج من أزمتها”، لكريم ميزران وإليسا ميلر وإيميلي تشاك دوناهو، ورد بخانة “MENASource” من موقع Atlantic Council. نشر بتاريخ 26 حزيران/ يونيو سنة 2017.

 

[2]مقال تحت عنوان “البلديات تسعى لمنح نفسها صوتا موحدا وعاليا” لمحرري موقع Libya Herald. نشر بتاريخ 30 تموز/ يوليو 2017.

 

[3]مقال  تحت عنوان “البرلمان الليبي يعين حفتر قائدا للجيش” ورد في موقع الجزيرة ونشر بتاريخ 2 آذار/ مارس 2015.

 

[4]“عقد اتفاق بين وفود كابار وبطن الجبل على جملة من الآليات للحد من النزاعات القائمة في جبال نفوسة”، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017.

[5] سامي زابتيا، “رؤساء المجالس البلدية يدعون المجلس الأعلى للقضاء بإدارة البلاد في حال فشل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في التوصل إلى توافق في غضون 30 يوما”، Libya Herald19 آذار/ مارس 2018.

[6]حسام نجير، “تصويت بسحب الثقة من عمدة حي الأندلس”، The Libya Observer، 17 شباط/ فبراير 2018.

[7] “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ترحب باتفاقات المصالحة الداعمة للاستقرار والسلام في ليبيا”، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا 27 نيسان/ أبريل 2018.

[8] لكريم ميزران وإليسا ميلر وإيميلي تشاك دوناهو (2017).

[9] “بحث المجلس البلدي الليبي”، معهد الجمهورية الدولي، 2016.

[10] “ملاحظات مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا غسان سلامة إلى مجلس الأمن حول الوضع في ليبيا”، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، 21 أيار/ مايو سنة 2018.

[11] تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا تحت عنوان “التشخيص السريع لوضع الحكم المحلي والتنمية المحلية في ليبيا”. نشر بتاريخ تشرين الثاني/ نوفمبر 2015.

12  تقرير صادر عن المعهد الجمهوري الدولي ومؤسسة شبكات تحت عنوان “استطلاع للرأي العام في شرق ليبيا”. نشر سنة .2011

13 كتاب لرونالد بروس سانت جون تحت عنوان “ليبيا من المستعمرة إلى الثورة (لمحات تاريخية)” الصادر عن دار Oneworld Publications للنشر سنة 2012.

شاهد أيضاً

عالم جديد على أبواب متعددة

عبدالرحمن شلقم/ دبلوماسي ليبي سابق   من الزعيمين الأمريكي ريغان والسوفياتي غورباتشوف إلى فلاديمير بوتين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.