الثلاثاء , 23 أكتوبر 2018
الرئيسية » تحليلات » ليبيا: الآمال بعقد مؤتمر وطني تتبدد والاستفتاء على الدستور بعيد المنال

ليبيا: الآمال بعقد مؤتمر وطني تتبدد والاستفتاء على الدستور بعيد المنال

رشيد خشانة

مضى يوم 16 أيلول/سبتمبر من دون أن يُستفتى الليبيون في دستور جديد، مثلما كانوا يأملون. والأرجح أن يوم 10 كانون الأول/ديسمبر المقبل سيمضي من دون إجراء الانتخابات الموعودة. لا بل إنهم تكبدوا خسائر بشرية ومادية كبيرة جراء المعارك بين الجماعات المسلحة للسيطرة على العاصمة طرابلس، التي يقطنها أكثر من مليون شخص. لكن الخسائر السياسية أكبر من ذلك بكثير. فقد تبددت الآمال بعقد مؤتمر وطني جامع، وصار الاستفتاء على الدستور بعيد المنال، واستطرادا بات مؤكدا أن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية غير ممكن.

 

عدا عن غلق مطار معيتيقة شرق العاصمة طرابلس، وهدم العديد من المباني، بما فيها بنايات داخل أحياء سكنية، حذر رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله من أن «الخسائر المادية ستكون هائلة جدًّا» بسبب استمرار الاشتباكات العنيفة بين الفصائل المسلحة، من دون إعطاء تقديرات دقيقة. واشتعل أحد خزانات الوقود في منطقة المطار بعد إصابته بقذائف، كما أصيب خزان المياه الرئيسي المخصص لإطفاء الحرائق. ولم يكف الجماعات المسلحة أن مطار طرابلس الدولي أغلق منذ العام 2014 جراء المعارك بين أنصار «عملية الكرامة» التي يقودها خليفة حفتر والجماعات الأصولية المنضوية في إطار «فجر ليبيا»، فنـقــلت المعارك الأخيرة إلى طريق المطار.

 

ودفع المدنيون فاتورة المعارك بين اللواء السابع مشاة ترهونة والقوات النظامية التابعة لحكومة فائز السراج، إذ نزح الآلاف من أحيائهم في العاصمة إلى بلدات مجاورة، عدا عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، الذين أكدت وزارة الصحة أن غالبيتهم من المدنيين. ومن أشد الأوضاع مأسوية حال الأسر التي رفضت مغادرة بيوتها، بالرغم من انقطاعات الكهرباء والماء، خشية تعرُضها للنهب.

 

سياسيا يمكن القول إن الإيطاليين حققوا هدفهم المتمثل في قطع الطريق أمام تنفيذ خريطة الطريق التي صاغها الفرنسيون وجعلوا أهم أربعة صُناع قرار في ليبيا يُصدقون عليها، وهم رئيس حكومة الوفاق فائز السراج ورئيس البرلمان المنتهية ولايته عقيلة صالح والقائد العسكري خليفة حفتر ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري. وتُعتبر ايطاليا وفرنسا، اللتين سبق لجيوشهما أن احتلت أجزاء من ليبيا في القرن الماضي، القوتين الرئيستين المتصارعتين على ثروات ليبيا. وتحظى روما في هذا السباق بدعم الولايات المتحدة المُتحفظة على السماح للفرنسيين بالاستحواذ على ليبيا. أكثر من ذلك، اتهم وزير الداخلية الايطالي ماتيو سالفيني الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتشجيع الفصائل المدعومة من خليفة حفتر على خوض معركة طرابلس. وتدعم فرنسا القائد العسكري حفتر بالأسلحة والخبراء، فيما أرسلت ايطاليا قوات عسكرية إلى طرابلس لحماية بعثتها الدبلوماسية، وكذلك إلى مدينة مصراتة (غرب) حيث تتمركز جماعات أصولية متحالفة معها، ساهمت في معركة تحرير مدينة سرت من عناصر «داعش». كما أرسل الايطاليون قوة عسكرية بحرية لسواحل ليبيا في إطار الخطة الأوروبية لمقاومة الهجرة غير النظامية.

 

مشروع قانون الاستفتاء

 

ويجوز القول إن هذه التجاذبات انعكست على صفحة العلاقات المتوترة بين نواب المنطقتين الشرقية والغربية في مجلس النواب الليبي، إذ أجاز ثلاثون من نواب المنطقة الغربية (التي تشمل العاصمة طرابلس) مشروع قانون الاستفتاء، فيما اعترض عليه نواب المنطقة الشرقية، الواقعون تحت ضغوط خليفة حفتر، بحجة أن بعض مواد مشروع الدستور مخالفة للإعلان الدستوري الصادر في 2011، في أعقاب الإطاحة بمعمر القذافي. ويشكل تصديق غالبية أعضاء البرلمان على مشروع قانون الاستفتاء إجراء ضروريا لتنظيم استفتاء عام على مشروع الدستور، تمهيدا لإجراء انتخابات عامة في آخر السنة الحالية.

 

ويُعتبر انقسام مجلس النواب إلى كتل متصارعة صدى للنزاعات القائمة منذ 2014 بين فريقين كبيرين يقود حفتر أحدهما فيما يرمز السراج للفريق الثاني، وهو ما حدا برئاسة المجلس إلى نقل مقرة مؤقتا من طرابلس إلى مدينة طبرق (شرق) وجعل نواب المنطقة الغربية يُقاطعون الجلسات خشية تعرضهم لاعتداءات.

 

جماعات… جماعات

 

وفي مقدم الأخطاء التي قادت إلى عجز المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق عن السيطرة على الأوضاع اليوم، أنهما تلكآ في تنفيذ أحد البنود المهمة في اتفاق الصخيرات (2015) المتعلق بتشكيل جيش أو قوات أمنية نظامية فعالة. ومضت اليوم ثلاث سنوات منذ تشكلت الحكومة التي يرأسها فائز السراج في 2016، لكنها لم تقطع خطوة جادة في بناء جيش نظامي احترافي يتبنى عقيدة وطنية، ويدافع عن الحكومة ويضمن استتباب الأمن في العاصمة على الأقل، بوصفها مركز السيادة. وفي النتيجة سلم المجلس الأعلى للدولة مهمة حمايته إلى الأجسام العسكرية، مع تأمين رواتب ثابتة لعناصرها، بُغية اتقاء شرها.

 

الغريب في الأمر أن رئيس حكومة الوفاق السراج كلف أخيرا العميد وجدي فرج الشريف برئاسة قوة العمليات الخاصة، من أجل الانتشار في العاصمة ووضع حد للمواجهات بين الجماعات المتصارعة. غير أن المكلف بهذه المهمة اتضح أنه يتبع كتيبة «النواصي» وهي جسم عسكري خارجٌ عن الدولة تم ضمُهُ لوزارة الداخلية. كما اتضح أن زعيم الكتيبة مصطفى قدور، هو الذي اقترح اسم الشريف على المجلس الرئاسي ليتولى هذه المهمة. وتلك صورة من التداخل بين الجماعات المسلحة من جهة ووزارتي الداخلية والدفاع من جهة ثانية، المُعتمدتين أساسا على أفراد الكيانات شبه العسكرية، وكأن الحكومة تعمل بقاعدة «وداوني بالتي كانت هي الداء».

 

واختزل تقرير عُرض على مجلس الأمن الدولي، في الخامس من أيلول/سبتمبر الجاري، هذا الوضع بقوله «إن المجموعات المسلحة تُمارس نفوذاً يزداد وضوحاً على مؤسسات الدولة الليبية، وهي تضع مصالحها في المقدمة». وجاء في التقرير أيضا أنه «يوجد عدد لا حصر له من الجماعات الجهادية والفصائل المسلحة التي تُغير ولاءها وفقاً لمصالحها».

 

وأضاف تقرير الأمم المتحدة أن «اللجوء إلى العنف للسيطرة على البنى التحتية والمؤسسات العامة والتهديدات والهجمات ضد الموظفين شائعة في هذا البلد خصوصاً في (العاصمة) طرابلس» وهي رمزُ السيادة ومقرُ مؤسسات الدولة.

 

فرنسا وإيطاليا

 

وإزاء هذا التعقيد تتباعد ردود الفعل الفرنسية والايطالية، فباريس ما زالت تعتبر إجراء انتخابات عامة في العاشر من كانون الأول/ديسمبر المقبل ضرورة قصوى، مع استكمال جميع الخطوات التمهيدية في غضون الفترة المقبلة. أما الايطاليون فمع إقرارهم بأن المسار السياسي يجب أن يمضي إلى نهايته، يولون أهمية خاصة لإيجاد ما يُسميه وزير خارجيتهم أنزو ميلانيزي «الظروف الأمنية الملائمة لتنظيم انتخابات حرة وعادلة» وهي ظروف من الصعب، إن لم يكن من المستحيل توافرها في الوضع المعقد الراهن. ولذا يعمل الايطاليون حاليا لعقد مؤتمر في جزيرة صقلية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بمشاركة أطياف واسعة من المشهد الليبي، في رد غير مباشر على مؤتمر باريس. غير أن سمعة الايطاليين تراجعت أخيرا بعد اندلاع مظاهرات مناهضة لهم في المنطقة الشرقية (تحت سيطرة حفتر) على إثر تصريحات إعلامية أدلى بها السفير الايطالي في ليبيا جوزيبي بيروني في شأن شروط الانتخابات المرتقبة، واعتُبرت تدخلا في الشؤون الداخلية للبلد. وقررت الحكومة الايطالية استبقاء سفيرها، الذي عاد إلى روما في بلده، مع بقاء مكاتب السفارة مفتوحة في طرابلس، خوفا من تعرضه لخطر.

 

بارقة أمل

 

مع ذلك يمكن القول إن المجتمع المدني، رغم تراجع حجمه وتقلص تأثيره، ما زال القوة الوحيدة تقريبا الساعية لرأب الصدع بين الشرق والغرب والدفع نحو منطقة مشتركة تؤسس لعودة السلم الأهلي. وفي مقدم تلك المبادرات، محاولة عمدة بنغازي عبد الرحمن العبار، المعروف بالاعتدال والتوازن، إقامة مؤتمر في بنغازي الشهر المقبل يحمل شعار «السلم الأهلي وسيادة القانون». ويرمي المؤتمر لتثبيت التزام الجميع بمبادئ أساسية منها نبذ العنف أو أي تهديد للسلم الاجتماعي، ومنع أعمال الثأر والاحتكام بدلا من ذلك إلى مؤسسات الدولة القضائية والأمنية، إلى جانب القضاء على مظاهر انتشار السلاح في المدن ورفع الغطاء عن الخارجين عن القانون.

 

ومن الأهداف التي ركز عليها العبَار تأمين الظروف الملائمة لعودة المهاجرين من مدينة بنغازي، ثاني مدن ليبيا من حيث الوزن السكاني، والتي غادروها بسبب المعارك بين قوات حفتر وجماعات «تنظيم الدولة» و«القاعدة» و«أنصار الشريعة». كما يرمي المؤتمر المنوي عقدُه إلى تفعيل دور مجالس الحكماء والأحياء في نشر ثقافة التسامح ونبذ العنف، مع إيلاء اهتمام خاص لوسائل الإعلام والمنابر في ترسيخ ذهنية السلم الأهلي.

 

يبقى أن غياب قوة داخلية مُهابة الجانب أو جهة محايدة تحظى بثقة جميع الفرقاء، هو العائق أمام توحيد كلمة الليبيين حول مصلحة البلد ومعاودة بناء الدولة ومؤسساتها، خصوصا في ظل التشويش الذي تمارسه القوى الخارجية من خلال إصرارها على تغذية الصراع الداخلي

 

القدس العربي

شاهد أيضاً

المصيرُ الليبيُ رهينةٌ بين أيدي الفرنسيين والايطاليين

رشيد خشانة/ كاتب تونسي يحتدُ الصراع يوما بعد يوم بين الفرنسيين والايطاليين على تقاسم الكعكة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.