الثلاثاء , 23 أكتوبر 2018
الرئيسية » تحليلات »  ما الذي ينتظر المهاجرين غير الشرعيين في حال عودتهم إلى ليبيا مرة أخرى؟

 ما الذي ينتظر المهاجرين غير الشرعيين في حال عودتهم إلى ليبيا مرة أخرى؟

صحيفة تسايت الألمانية

الكاتبة: أندريا باكهاوس

 

تؤكد حنان صالح، الخبيرة في الشؤون الليبية، أن المهاجرين في ليبيا يتعرضون للتعذيب والاستعباد، ويعيشون في ظل أوضاع كارثية، ولا يجب أن يساهم الاتحاد الأوروبي في تعميق مأساتهم. من أجل إعادة المزيد من المهاجرين إلى شمال إفريقيا، تريد أوروبا العمل جنبا إلى جنب مع ليبيا التي تمزقها الحرب الأهلية. فعلى سبيل المثال، يعمل الاتحاد الأوروبي على صرف مبالغ مالية ضخمة على خفر السواحل الليبي من أجل منع المهاجرين من عبور البحر الأبيض المتوسط، وإعادتهم إلى البلد الذي كانوا يتعرضون فيه للانتهاكات.

في بداية شهر حزيران/ يونيو، أجرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” المدافعة عن حقوق الإنسان زيارة إلى ليبيا، وقد كانت حنان صالح حاضرة، وهي تعمل اليوم من مكتبها في جنيف على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا، لفائدة هذه المنظمة الحقوقية. وخلال تلك الزيادة، تحدثت حنان مع مسؤولين في خفر السواحل وبعض اللاجئين والمهاجرين المعتقلين، في أربعة مراكز احتجاز في طرابلس وزوارة ومصراتة، وتحدثت أيضا مع موظفين في منظمات إغاثية دولية.

تسايت: سيدة حنان، ما الذي شاهدته في زيارتك إلى ليبيا؟

حنان صالح: لقد رأينا الكثير من اليأس، أغلب المهاجرين الذين التقيناهم في السجون حاولوا الوصول إلى أوروبا عبر القوارب، وبعضهم كرر المحاولة في عدة مرات. لقد كانوا يمضون أشهرا طويلة في مخابئهم، قبل أن يبحروا ثم يتفطن لهم خفر السواحل الليبي ويعيدهم إلى الشاطئ، وهم الآن عالقون في أوضاع مزرية في معسكرات الاحتجاز.

تسايت: أي نوع من السجون يقبعون فيها؟

حنان صالح: هذه معسكرات احتجاز رسمية، تخضع لسيطرة وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. هذه هي الحكومة التي تحظى بدعم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، تحت إشراف فايز السراج في غرب ليبيا، وهي في علاقة عداء مع حكومة شرق ليبيا المتحالفة مع الجنرال خليفة حفتر. وهذه السجون مستخدمة منذ سنوات، إلا أن بعضها خضع للتوسعة ليستوعب الأعداد المتزايدة من اللاجئين، ولكن هذه المنشآت تشتكي من التلوث وغياب المرافق الصحية، ولا تتوفر فيها المعايير الإنسانية.

تسايت: ما هي أوضاع معسكرات الاعتقال؟

حنان صالح: لقد سبق وزرت ليبيا في عدة مناسبات خلال السنوات القليلة الماضية، واطلعت على الوضع في العديد من السجون، ولكنني صدمت في زيارتي الأخيرة. وقد حفر في ذاكرتي مشهد لا أستطيع نسيانه: فعندما فتحنا بوابة الممر في أحد السجون، كدنا نسقط أرضا ونحن نتعثر بالعدد المهول من المهاجرين الذين يجلسون القرفصاء على الأرضية، وجاؤوا يركضون من زنزاناتهم للحصول على بعض الهواء في الممر، وكان هناك ازدحام شديد، ولابد أن أعدادهم كانت بالمئات، وكثيرون كانوا يختنقون ويلهثون بسبب الزحام الشديد.

كان عدد من دورات المياه والحمامات معطلة، ناهيك عن ارتفاع درجات الحرارة في ظل غياب المراوح. وغالبا ما يحصل السجناء على قدر قليل من الطعام الذي لا يلبي احتياجاتهم الغذائية، حيث يحصلون على حصة أو حصتين من الخبز، وحفنة من الأزر أو المعجنات كل يوم. ولا يتمتع هؤلاء البشر بحرية الحركة، حيث يقبعون في زنزانة كامل اليوم تقريبا، وحتى الأطفال الموجودون هناك لا يسمح لهم بالخروج للتحرك، والأكثر فظاعة من ذلك أن الحراس يمارسون سوء المعاملة في حق المهاجرين واللاجئين بشكل دائم.

تسايت: ماذا أخبرك المهاجرون هناك؟

حنان صالح: لقد قالوا لي إن الحراس يضربونهم ويهينونهم بالألفاظ المسيئة، ويعاملونهم بشكل عنيف جدا. ورووا لي أنه ذات مرة عندما حصل عراك بين سجينين، أحضر الحراس عصيا وانهالوا ضربا على كل من كانوا في الزنزانة دون تفرقة، كنوع من العقاب الجماعي.

دوامة الاحتجاز والاستغلال

تسايت: هناك اتهامات بأن المحتجزين يجبرون على العمل، ماذا تعرفين عن هذا الموضوع؟

حنان صالح: نحن نعلم أن المليشيات تختار أحيانا بعض الأشخاص من بين المحتجزين في هذه السجون لإجبارهم على العمل لحسابهم دون أجر. إنهم يعدون العمال بمنحهم أجرة، ولكن هذا غير صحيح. ونحن لا نعلم بالضبط ما نوع العلاقة بين المليشيات وحراس السجون، حيث يباع بعض المهاجرين من مهرب إلى آخر، ويتم إجبارهم على العمل لفائدة المهربين والمليشيات أو أصحاب أعمال أخرى. إنهم يقومون بضرب هؤلاء السجناء واحتجازهم، ويعاملون بعض المهاجرين على أنهم عبيد.

كثيرون يموتون بسبب التعذيب

تسايت: ما الذي تعرفينه عن المعسكرات التي لا تخضع لمراقبة الحكومة؟

حنان صالح: هناك معسكرات مختلفة، وفي عدد منها تقوم المليشيات باعتقال المهاجرين لأيام فقط من أجل تعذيبهم وإجبار عائلاتهم على دفع المال أو العمل لصالحهم. ويوجد أيضا مستودعات ضخمة للمهربين، التي يبقى فيها المهاجرون إلى أن يحصلوا على مكان في أحد القوارب، وهي تقع بالأساس في وسط ليبيا. يتم الإساءة للمهاجرين بشكل ممنهج، وغالبا يستمر هذا العذاب لعدة أشهر. وكثيرون يموتون بسبب التعذيب، أو لعدم حصولهم على الرعاية الصحية اللازمة. وقبل أسابيع قليلة في زيارة لي لأحد السجون، التقيت بشاب من دولة الكاميرون توفيت زوجته منذ أشهر في معسكر تابع للمهربين، حيث كانت بصدد الولادة وفارقت الحياة أثناء المخاض، وقد تعكرت صحتها ولم يساعدها أي أحد.

تسايت: في نهاية حزيران/ يونيو، سلمت إيطاليا مهمة تنسيق عمليات الإنقاذ والبحث في البحر الأبيض المتوسط إلى خفر السواحل الليبي، وهم الآن يسيطرون على جزء كبير من السواحل، هل تعتقدين أن هذا الحل هو الأمثل؟

حنان صالح: لا، لا نعتقد أن خفر السواحل الليبي قادر على تنفيذ عمليات الإنقاذ بشكل فعال؛ فليس لديهم السفن المناسبة أو المعدات اللازمة للاستجابة السريعة لحالات الطوارئ. عوضا عن ذلك، ستظل دوامة الاحتجاز والاستغلال متواصلة بشكل أكبر، لأن الأشخاص الذين يعترض خفر السواحل الليبي طريقهم يتم اقتيادهم جميعا إلى معسكرات الاحتجاز. وكنتيجة لذلك، يتم اعتقال المزيد والمزيد من المهاجرين في ليبيا في ظروف غير إنسانية، ولا يجب أن يكون الاتحاد الأوروبي شريكا في هذه المأساة.

منطقة البحث والإنقاذ الليبية في البحر الأبيض المتوسط

تسايت: يقدم الاتحاد الأوروبي الدعم لخفر السواحل الليبي في شكل تدريب وتجهيزات، إلا أن هذا الطرف غالبا ما يتعاون مع المليشيات المحلية التي تتعاون بدورها مع شبكات المهربين في البلاد.

حنان صالح: يخضع جهاز خفر السواحل الليبي لمراقبة وزارة الدفاع، ولكن لا يتبع كل الذين يعملون في هذا الجهاز للشرطة أو البحرية، أو تلقوا تعليما مهنيا. فقد انضم الكثيرون منهم إلى هذا الجهاز بعد سقوط معمر القذافي سنة 2011، حيث كان بعضهم في السابق يحاربون ضد القذافي أو كانوا ينتمون إلى مليشيا مسلحة والآن يحتاجون إلى وظيفة. كما يفتقر هؤلاء إلى المعرفة والخبرة لتنفيذ عمليات الإنقاذ، ولا توجد سيطرة موحدة على كافة المنتمين لجهاز خفر السواحل، بل هناك سلاسل قيادة متعددة، وبعضها يتناقض مع الآخر.

تسايت: غالبا ما يتعامل خفر السواحل الليبي بعنف خلال عمليات الإنقاذ، وذلك حسب روايات شهود عيان.

حنان صالح: نعم، نحن نؤكد هذا الأمر، فبعض أفراد خفر السواحل يطلقون النار في الهواء أو في الماء إذا لم يغير قارب المهاجرين وجهته. كما تحدث أحيانا مناورات بحرية في غاية الخطورة، مثل الاقتراب من القارب بشكل كبير من أجل إفقاده توازنه وإخافة الركاب.

لا يجب التسامح مع التعذيب

تسايت: ما الذي يحدث بعد أن يعيد خفر السواحل المهاجرين إلى الساحل الليبي؟

حنان صالح: أولا ينقل خفر السواحل المهاجرين من القوارب إلى نقطة إنزال، حيث يوجد موظفون من منظمة الهجرة الدولية ووكالة اللاجئين في الأمم المتحدة يقدمون المساعدة ويوفرون لهم الاحتياجات الأساسية. بعد ذلك، يقوم عناصر الإدارة العامة لمكافحة الهجرة غير الشرعية، الخاضعة لمراقبة وزارة الداخلية، بإرسال المهاجرين نحو مراكز الاعتقال. وهم يقولون إن هذا الأمر يتم بشكل منظم، ولكننا لا نفهم هذا الأمر في ظل اكتظاظ بعض السجون، والأعداد المتزايدة من المهاجرين، ما يعني أن نظام توزيع المهاجرين في الوقت الحالي غير مناسب.

تسايت: من المسؤول عن هذا الوضع؟

حنان صالح: من الواضح أن وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية تتحمل مسؤولية تردي الأوضاع في مراكز احتجاز المهاجرين، لأنه من بين مسؤوليات السلطة الحاكمة حماية الأشخاص. والآن، يقوم خفر السواحل الليبي بإعادة المهاجرين لنفس الوضع الذين كانوا عليه قبل الإبحار، حيث يكونون عرضة للعنف الشديد. ومما لا شك فيه، يجب على هذا الجهاز إنقاذ المهاجرين عندما يكونون في حالة طوارئ، ولا يجب عليه إعادتهم إلى ليبيا باعتبار أنها لا تمثل ملاذا آمنا لهم.

تسايت: تعاني الدولة الليبية من الانهيار، في ظل وجود حكومتين والعديد من المليشيات وأمراء الحرب الذين يتقاتلون من أجل السلطة. فمن الذي يمكن لأوروبا التعامل معه؟

حنان صالح: إن الوضع في ليبيا معقد جدا، إذ أن المنظمات الدولية والناشطين في مجال حقوق الإنسان بالكاد يمكنهم العمل هناك، إلى جانب خطورة عمل الصحافة المحلية والدولية، لأن الوضع الأمني هش جدا. ولا يمكن للاتحاد الأوروبي حل كل مشاكل ليبيا في وقت واحد، ولكن هناك أمر واضح: ما دامت السلطات الليبية غير قادرة على توفير ظروف مناسبة للمهاجرين القابعين في معسكرات الاحتجاز، وتفتقر للمعدات اللازمة لتنفيذ عمليات الإنقاذ بشكل آمن، يجب على دول الاتحاد الأوروبي التكفل بإنقاذ المهاجرين عندما يكونون في عرض البحر الأبيض المتوسط.

تسايت: ما الذي يتوجب على الاتحاد الأوروبي القيام به حسب رأيك؟

حنان صالح: يجب على الاتحاد الأوروبي مواصلة السماح للمنظمات غير الحكومية، وسفن الشحن الخاصة، بإنقاذ المهاجرين في حالات الطوارئ في عرض البحر. كما أن الاتحاد مطالب بحماية أرواحهم في البحر وتوفير الفرصة لقوارب النجاة للوصول لبر الأمان.

وأولا وقبل كل شيء، يجب على المجتمع الدولي تسليط المزيد من الضغط على الحكومة في طرابلس. فلا يمكن تقديم التمويل والمعدات للسلطات الليبية، دون أن يكون هناك في المقابل تشجيع على تحسين ظروف السجناء. ويجب على الاتحاد الأوروبي أن يتثبت بنفسه من عملية صرف المساعدات التي يقدمها. ولابد أن يكون الأوروبيون واضحين مع الليبيين ويقولوا لهم: “نحن ندعمكم فقط إذا سعيتم لتحسين أوضاع المهاجرين بشكل سريع، لأن الوضع الحالي غير مقبول”. لقد باتت ليبيا بلدا يغيب فيه القانون والمحاسبة، وبالتالي يجب على الاتحاد الأوروبي فرض معايير صارمة وعدم التسامح نهائيا مع التعذيب.

 

الأوضاع في البحر الأبيض المتوسط

 أغلقت أوروبا أبوابها منذ وقت طويل: هل استقبلت أوروبا عددا كبيرا من المهاجرين من شمال إفريقيا؟ الإجابة هي لا، فقد تحولت القارة الأوروبية منذ خريف 2015 إلى ما يشبه القلعة المحصنة.

تراجع عدد الوفيات في البحر يعني موت المزيد في الصحراء: ما الذي يعنيه تحويل الدول الإفريقية إلى حراس على أبواب الهجرة؟ هذا يعني أنه يتم إعادة أولئك الذين يتم القبض عليهم إلى أوطانهم، ولهذا بات المهاجرون يختارون طرقا أكثر خطورة.

لماذا لا يتوقف الموت؟ مازال البحر الأبيض المتوسط يمثل مقبرة جماعية للمهاجرين، فما هي الطرق التي يمكن لهم سلكها، ومن يقدم لهم المساعدة، ولماذا يواجهون المشاكل دائما؟

غياب المساعدة يعني المزيد من الضحايا: تقوم سفن الإنقاذ الخاصة بمساعدة المهربين، وذلك حسب ما يزعمه السياسيون في الاتحاد الأوروبي. ولكن تقييمنا للبيانات على الخريطة يثبت أن المتطوعين في أعمال الإغاثة ملتزمون بالقواعد المفروضة عليهم.

أوروبا تبحث عن حدود جديدة: من أجل إبعاد اللاجئين، تعمل أوروبا على تغيير حدودها، وهي لا تشعر بالخجل من هذا الأمر، حيث أنها أوصلت مناطق التصدي للمهاجرين إلى حدود غرب إفريقيا.

لن نعيدهم أبدا إلى الجحيم الذي كانوا فيه: هكذا كانت التعهدات في السابق، ولكن إيطاليا سلمت الآن مهمة تنسيق وتنفيذ عمليات الإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط إلى خفر السواحل الليبي، وهذا يطرح العديد من الإشكالات القانونية والأخلاقية.

يمثل المهاجرون فرصة للثراء بالنسبة للعديد من الليبيين: يتعرض المهاجرون للتعذيب والاستعباد والمعاملة غير الإنسانية في ليبيا، وليست هناك أي قوانين للتصدي للمهربين، حسب ما أكده خبير الهجرة ليونارد دويلي.

شاهد أيضاً

المصيرُ الليبيُ رهينةٌ بين أيدي الفرنسيين والايطاليين

رشيد خشانة/ كاتب تونسي يحتدُ الصراع يوما بعد يوم بين الفرنسيين والايطاليين على تقاسم الكعكة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.