الإثنين , 22 أكتوبر 2018
الرئيسية » تحليلات » فرنسا تتوخى سياستين في شمال افريقيا: مُعلنة وخفية

فرنسا تتوخى سياستين في شمال افريقيا: مُعلنة وخفية

رشيد خشانة 

لفرنسا سياستان في شمال افريقيا، واحدة مُعلنة والثانية خفية. ومن عناوين السياسة المعلنة على سبيل المثال رفض أي شكل من أشكال التدخل العسكري في الأزمة الليبية. غير أن حادثة جدَت في شباط/فبراير 2016 في شرق ليبيا، حيث تتمركز قوات المشير خليفة حفتر، أماطت اللثام عن حضور عسكري قوي، دعما لأحد طرفي الصراع. ومع الجزائر أيضا حصل تقارب كبير في عهدي الرئيسين جاك شيراك وفرنسوا أولاند، وتقدمت فرنسا إلى رتبة الشريك التجاري الأول للجزائر، إلا أن باريس كانت (وما زالت) تتوجسُ من مساعي الجزائر للحصول على أسلحة بالستية، واتجاهها نحو تطوير الطاقة النووية، لا سيما بعد اقتناء مفاعل صغير في منطقة عين أوسرة (جنوب). وفي هذا الإطار كان الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي الأكثر وضوحا في الإيماء إلى سياسة موازية نحو الجزائر، من خلال تصريح أدلى به أثناء زيارة رسمية لتونس، تساءل من خلاله عن مستقبل الجزائر، الذي اعتبره غير واضح. ولا يُخفي الفرنسيون والأوروبيون عموما، خشيتهم مما يعتبرونه تنامي الخطر البالستي في الجنوب من الجزائر إلى باكستان. وهم يُتابعون بقلق تطوير الجزائر سياساتها الدفاعية وسط تزايد المخاطر والتحديات الأمنية التي تواجهها، إن في الداخل أم في المحيط الإقليمي.

وفي تونس اتبع الفرنسيون خطين متوازيين رمى الأول لتعزيز العلاقات مع نظام استبدادي لكسب مواقع اقتصادية مهمة، فيما ركز الثاني على ربط خيوط الحوار مع المعارضة والجماعات الحقوقية. وتجلى إفلاس تلك الازدواجية لدى انطلاق انتفاضة 2011 ضد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، والتي عرضت خلالها وزيرة الخارجية آنذاك ميشال أليو ماري دعما أمنيا مباشرا للقضاء على الانتفاضة.

وكثيرا ما تحدث هفوات تهتك الستار عن جوانب من تلك الازدواجية، فيأتي الرد عنيفا ومرتبكا، ويكون إثباتا وتوكيدا أكثر منه نفيا. فلدى انكشاف التدخل العسكري الفرنسي إلى جانب القائد العسكري في شرق ليبيا حفتر، انتابت وزير الدفاع آنذاك (الخارجية حاليا) جان إيف لودريان نوبة غضب شديدة لأن وثائق سرية تسربت إلى صحيفة «لوموند» وكشفت النقاب عن المستور. وأمر الوزير عندئذ بإجراء تحقيق فوري لمعرفة كيف تسربت معلومات عسكرية حساسة ومُفصلة إلى الإعلام، ولم تُعرف نتائج التحقيق حتى اليوم. غير أن الفأس وقعت في الرأس، فقد عرضت الصحيفة المعروفة بصدقيتها، جميع التفاصيل عما أسمته حرب فرنسا السرية في ليبيا، التي تشمل عمليات استطلاعية جوية ومهام استخباراتية أخرى وأعمال تدريب يتولاها خبراء فرنسيون. واستطرادا تحدثت عن وجود قوات فرنسية على الأرض وأعوان سريين يعملون في تكتُم مطلق.

رسميا، كان موقف قصر الإيليزيه (الرئاسة) و«الكي دورساي» (الخارجية) يتلخص بالدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا، مع التحذير من خطر انتشار عناصر «داعش» في البلد، وسط تأكيدات بأن باريس تقف على مسافة واحدة من قطبي النزاع، أي حكومة الوفاق في طرابلس برئاسة فائز السراج والقائد العسكري حفتر، ومعه البرلمان المُتمركز في المنطقة الشرقية. لكن يبدو أن الفرنسيين انتقلوا من التحذير إلى الفعل، فأطلقوا قواتهم لدعم حليفهم غير المعلن حفتر في عملية عسكرية دقيقة وسرية. وتأكدت دقتها مع سقوط (أو إسقاط) طائرة حربية فرنسية كان على متنها عسكريون وعناصر مخابرات يُرجح أنهم كانوا يجمعون معلومات عن حشود لتنظيم «الدولة» في محيط مدينتي سرت وطبرق.

أمر الوزير لودريون بإجراء تحقيق فوري لمعرفة كيف تسربت معلومات عسكرية حساسة ومُفصلة إلى الإعلام، ولم تُعرف نتائج التحقيق حتى اليوم. واستطرادا تحدثت الصحيفة عن وجود قوات فرنسية على الأرض وأعوان سريين يعملون في تكتُم مطلق. واضطُر وزير الدفاع آنذاك لتبرير ازدواجية الموقف الرسمي، إذ صرح أحد مساعديه بأن الأجهزة السرية وُجدت لتبقى طي الكتمان. ويُسبِبُ هذا الإقرار بالازدواجية حرجا شديدا للفرنسيين في علاقاتهم مع جيران ليبيا، الذين ما كانوا ليروا سوى القسم العائم من جبل السياسة الفرنسية في شمال افريقيا. ولعل أكبر المخدوعين من تلك الازدواجية هم الجزائريون، الذين أظهروا في مناسبات عدة اعتراضهم الشديد على وجود قوات أجنبية، وخاصة فرنسية، في بلد مجاور دولتُهُ منهارة وحدودُهُ مفتوحة.

بالرغم من انكشاف الدور الفرنسي الخفي في ليبيا، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون، في موقف علني، الغريمين السراج وحفتر إلى لقاء مشترك في باريس تُوج رسميا بالإعلان عن خريطة طريق تقضي بإجراء انتخابات في الخريف المقبل. وما من شك بأن جمع السراج ورئيس مجلس الدولة خالد المشري (طرابلس) من جهة، مع القائد العسكري حفتر إلى جانب رئيس البرلمان عقيلة صالح (طُبرق) من جهة ثانية، نجاحٌ مهمٌ للدبلوماسية الفرنسية. غير أنه إنجاز غير مُكتملً بسبب غياب أطراف مهمة من جهة، وصعوبة الإعداد للانتخابات على الأرض وسط انتشار الكيانات المسلحة في مختلف المدن والتجمعات السكنية. بهذا الاعتبار لم يكن هناك من معنى لبيان باريس وللصور الكثيرة أمام عدسات التلفزيون، طالما أن المعنيين بالأمر لم يوقعوا عليه. وحتى لو وقعوا فالجميع يعلم كم من سياسي، وخاصة من أعضاء البرلمان، نكث عهدا قطعه على نفسه، فما بالك إذا لم يُوقع بقلمه. لذا لن تُحل الأزمة طالما يصر المجتمع الدولي على التعامل مع قادة سياسيين غير معترف بهم على الأرض. ولأن الفرنسيين يعرفون أن تنفيذ خريطة الطريق الأممية عملية معقدة ومحاطة بكثير من الجدل، فإنهم يُدركون أنها قد تستغرق وقتاً أطول بكثير من المتوقع.

أكثر من ذلك اتهمت شخصيات وجماعات مناوئة لحفتر باريس بالسعي إلى فرض رجل عسكري على المشهد السياسي الليبي، وخاصة بعدما سيطرت قوات الأخير على الهلال النفطي. غير أن المُتابع لمسار السياسة الفرنسية تجاه جنوب المتوسط يُدرك أن محاولة السيطرة على الجنوب الليبي ظلت ثابتا من الثوابت الكبرى لدى باريس منذ القرن التاسع عشر. فاعتبارا من تلك الفترة تفاقم الصراع بين العثمانيين والفرنسيين الذين احتلوا الجزائر للسيطرة على المنطقة الممتدة من غدامس شمالا، إلى مُرزق ثم تشاد في الجنوب. وتعددت المحاولات الفرنسية لكسب ولاء رؤساء العشائر وإبعادهم عن التأثير العثماني. غير أن الحركة السنوسية اعترضت على التمدُد الفرنسي في الوسط والجنوب، ووضعت شروطا للسماح للعناصر الفرنسية بالدخول إلى تلك المناطق. وأفضى السباق على النفوذ بين القوى الأربع الكبرى آنذاك وهي الدولة العثمانية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا إلى تقاسم جلد الثور. وبالرغم من توصُل الفرنسيين والإيطاليين إلى اتفاق في 1935 لاقتسام ليبيا بينهم، أدت هزيمة روما في الحرب العالمية الثانية إلى تقويض تلك الاتفاقات، ففقد الإيطاليون ليبيا وسائر مستعمراتهم. ولم تتورع القوات الفرنسية عن غزو منطقة فزان (جنوب) المُتاخمة للمستعمرات الفرنسية في منطقة الساحل والصحراء، وخاصة النيجر وتشاد، إذ ما أن أقرَ الايطاليون بتخليهم عن أي مطامع في مستعمراتهم السابقة، طبقا لـ«اتفاق السلام» في باريس (10 شباط/فبراير 1947)، حتى أحيل الملف إلى الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 1948، كي تُحدد القوى المنتصرة الأربع (روسيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) مصير ليبيا، من ضمن باقي المستعمرات الايطالية. لكن حدثت انعطافة في 18 أيار/مايو 1949 عندما رفضت الجمعية العامة للأمم المتحدة الموافقة على اتفاق بيفن-سفورزا (وزيرا الخارجية البريطاني والإيطالي)، الذي قضى بتقاسم لندن وروما المستعمرات الايطالية السابقة، ومن ضمنها ليبيا والصومال اللتين كانتا من حصة إيطاليا.

وأجبرت فرنسا في المرحلة اللاحقة، وتحت ضغط الأمم المتحدة وموجة الاستقلالات في البلدان المستعمرة، على الظهور بمظهر القوة التي تقدم الدعم والمساعدة لمواطني المستعمرة الايطالية السابقة ليبيا. وكان الأمرُ يتعلق آنذاك أولا وقبل كل شيء، بسلخ فزان عن باقي مناطق ليبيا الشمالية وتفكيك علاقات هذا الإقليم مع محيطه القريب والبعيد. ويعتبر المؤرخ الليبي عبد الله علي ابراهيم أن باريس «حتى لو لم تتصرف كمستعمر مُستثمر، إلا أنها توخت سياسة صارمة لعزل المنطقة (فزان) عن بقية ليبيا». واستدل على ذلك بإقرار السلطات الفرنسية تراخيص رسمية للتنقل داخل الإقليم وخارجه، وحظر السفر إلى إقليمي طرابلس وبرقة ومراقبة وسائل الإعلام. ومن نتائج تلك السياسة أن أصبحت تونس والجزائر من ناحية، وتشاد من ناحية ثانية، مناطق هجرة للفزانيين المحرومين من التنقل داخل بلدهم.

عرفت السياسة الفرنسية انتكاسة شديدة مع إعلان الأمم المتحدة استقلال ليبيا في كانون الأول/ديسمبر 1951، وقيام المملكة الليبية المتحدة، قبل أن تعود بقوة إلى الساحة الليبية مع نيكولا ساركوزي في مطلع هذه الألفية. ويمكن القول إن فرنسا استطاعت أن تخترق النخب الليبية، التي انقسمت إلى فريق مؤيد للتدخل العسكري الذي قادته فرنسا، ومعها الحلف الأطلسي، في 2011 وفريق ثان يعترض على تمكين باريس من قطف ثمار تدخلها في ليبيا. واللافت أن محاكمة ساركوزي بناء على علاقاته المُريبة مع القذافي، كشفت مرة أخرى وجود سياستين فرنسيتين متوازيتين، علنية وسرية، في التعاطي مع الملف الليبي.

القدس العربي

شاهد أيضاً

المصيرُ الليبيُ رهينةٌ بين أيدي الفرنسيين والايطاليين

رشيد خشانة/ كاتب تونسي يحتدُ الصراع يوما بعد يوم بين الفرنسيين والايطاليين على تقاسم الكعكة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.