الإثنين , 25 يونيو 2018
الرئيسية » تحليلات » ليبيا ومخاطر انتخابات رئاسية قبل إقرار الدستور الدائم

ليبيا ومخاطر انتخابات رئاسية قبل إقرار الدستور الدائم

جمعة القماطي/ رئيس حزب التغيير الليبي

مع استضافة فرنسا لمؤتمر دولي حول ليبيا يجمع عدة أطراف سياسية وعسكرية ليبية، يشتد الحوار والجدل حول المسارات المتاحة لإنهاء الصراع في ليبيا والوصول إلى الاستقرار المنشود. ويتركز الحوار حول اتجاهين مختلفين، حيث يدعو الأول إلى ضرورة الذهاب أولا إلى استفتاء على مشروع الدستور الدائم الجديد الذي أنجزته الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور بآليات قانونية صحيحة العام الماضي، وهي الهيئة التي انتخبها الليبيون مباشرة في عام 2014، بينما يدعو الاتجاه الآخر للذهاب إلى انتخابات رئاسية قبل نهاية هذا العام، وحتى قبل إقرار مشروع الدستور الجديد، وذلك من أجل إنهاء انقسام المؤسسات السياسية، وتوحيد مؤسسات الدولة السيادية المهمة، وعلى رأسها الجيش والمصرف المركزي، وهذا التوجه هو ما تضمنته إحدى بنود الوثيقة الفرنسية المسربة، والتي تسعى فرنسا لدفع الأطراف الليبية للتوقيع عليها في مؤتمر باريس.

وتعارض شرائح واسعة من الليبيين، وتحذر من مخاطر فرض انتخابات رئاسية سريعة في ليبيا قبل الاستفتاء على دستور جديد دائم يوفر شرعية سياسية قوية منبثقة من الشعب، ويحدد بوضوح شكل النظام السياسي الجديد، ويحدد كذلك صلاحيات المؤسسات السياسية المختلفة، بما فيها مؤسسة الرئاسة ورئيس الدولة. وهناك تخوف حقيقي من وجود أجندة إقليمية ودولية تتبناها دولة الإمارات ومصر وفرنسا؛ تسعى إلى فرض انتخابات رئاسية سريعة، يكون الهدف الأساسي من ورائها إيصال حليفهم الرئيسي في ليبيا (خليفة حفتر) إلى سدة الحكم، مدعوما بموارد مالية وآلة اعلامية ضخمة توفرها هذه الدول خلال الانتخابات.

ولقد عرفت ليبيا أول دستور لها في تاريخها الحديث في عام 1951، وهو دستور الاستقلال وميلاد دولة ليبيا الحديثة بعد حقبة الاستعمار الإيطالي (1911-1944)، وكان دستورا عصريا وملبيا لحاجات تلك المرحلة، ونص على أن نظام الحكم في ليبيا ملكي، حيث أعطى للملك الراحل إدريس السنوسي سلطات دستورية محددة، ولم يسجل عن الملك الراحل الذي عرف بالزهد والصلاح أنه أساء استغلال تلك السلطات طيلة مدة حكمه.

تم إلغاء دستور الاستقلال من قبل القذافي عندما وصل إلى الحكم من خلال انقلاب عسكري عام 1969، والذي ألغى معه جميع المؤسسات السياسية القائمة، ومنها مجلسا النواب والشيوخ. واستبدل القذافي الشرعية الدستورية بالشرعية الثورية التي أعطته سلطات مطلقة فوق القانون، ومارس التوجيه الممنهج لأجيال متلاحقة؛ بأن الدستور كلمة فارسية مرفوضة، وأنه ظاهرة رجعية لا يمكن العودة لها، بل وكتب أحد أعوانه من رموز اللجان الثورية كتابا بعنوان “الدساتير ظاهرة دكتاتورية”!

وتعتبر العودة الى نظام دستوري، والتوافق حول دستور جديد في ليبيا؛ من أهم استحقاقات ثورة شباط/ فبراير 2011، وأهدافها المهمة المنتظرة من أجل التأسيس لحكم مدني ديمقراطي أساسه سيادة القانون والتداول السلمي على السلطة.

ويرى أنصار الدستور أولا أن الذهاب إلى انتخابات رئاسية قبل الدستور، هو بمثابة وضع العربة قبل الحصان، فالانتخابات الرئاسية والبرلمانية وما تفرزه من اختيار؛ عادة ما تكون إحدى مخرجات الدستور الذي يحدد شروط الترشح للانتخابات وضوابطها.

كما أن من مخاطر الذهاب إلى انتخابات رئاسية قبل إقرار الدستور، هو استمرار المرحلة الانتقالية في ليبيا بكل صراعاتها وانقساماتها، واستمرار صراع الشرعيات السياسية والأيديولوجية والعرقية والجهوية في غياب شرعية دستورية واحدة جامعة، يتم التوافق حولها من خلال إقرار الشعب الليبي لدستور دائم قابل للتعديل وفقا لأحكامه.

ومن المخاوف كذلك أن انتخاب رئيس بدون إطار دستوري وضوابط محددة واضحة لسلطاته؛ سيجعل هذا الرئيس يمسك بكل خيوط السلطة، متحججا بأنه لديه تفويضا مباشرا من الشعب، وغالبا سيلجأ إلى تمكين أبنائه وعائلته وأبناء قبيلته أو مدينته، ويستخدم سلطاته وأموال الدولة في شراء الذمم والولاءات، من أجل السيطرة الكاملة على كل مفاصل الدولة والعودة بليبيا، أي الحكم الفردي الشمولي المطلق.

إن مشروع الدستور الذي تم إنجازه وينتظر الاستفتاء عليه؛ ينص ضمن شروط الترشح للرئاسة أن يستقيل العسكريون من مناصبهم العسكرية وأن يتنازل حاملو جنسية أخرى عن جنسيتهم قبل عام من موعد الترشح. والشرطان ينطبقان على حالة خليفة حفتر الذي يحمل جنسية أمريكية، ولذلك فإن انتخابات رئاسية سريعة قبل الدستور ستعفي حفتر من الالتزام بهذين الشرطين.

إن تاريخ حفتر ومسيرته تؤكد نزعته الانقلابية وعدم احترامه للدساتير، فهو الذي شارك مع القذافي في الانقلاب على دستور الاستقلال والسلطة الدستورية في 1969عام، وهو من أعلن في بيان متلفز في 14 شباط/ فبراير 2014، من خلال قناة العربية التي تبث من الإمارات، عن تجميد عمل المؤتمر الوطني العام (البرلمان) والحكومة والإعلان الدستوري المؤقت الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي في آب/ أغسطس 2011، وعن رغبته، مع مجموعة من أعوانه العسكريين، في استلام السلطة في ليبيا من خلال تشكيل مجلس عسكري لتسيير شؤون البلاد.

وعلى الرغم من أن ذلك البيان في شباط/ فبراير 2014 لم يتعد كونه استعراضا إعلاميا وانقلابا تلفزيونيا لم يكن له أي أثر على أرض الواقع، غير أن ما يخشاه ويتوقعه الكثيرون هو أن وصول حفتر إلى رئاسة ليبيا في انتخابات سريعة قبل الدستور، سيمكنه من فعل الشيء نفسه بإيقاف المسار الدستوري وإلغاء فكرة الدستور في ليبيا من أساسها، وحل كل الأجسام المنتخبة الموجودة، وفرض حكمه الفردي المطلق، مما يعني عودة الدكتاتورية والاستبداد إلى ليبيا من جديد بعد كل تلك التضحيات التي قدمها الليبيون في ثورة فبراير، منذ عام 2011 إلى الآن.

ومن هذا المنطلق، ستواجه خطة فرنسا ومعها الإمارات ومصر بتنظيم انتخابات رئاسية سريعة في ليبيا قبل الاستفتاء على الدستور رفضا واسعا، وإذا ما تم تمريرها، فإنها ستزيد من تعقيد المشهد الليبي وتعميق الاستقطاب والصراع، ولن تقود واقعيا إلى أي إنفراج حقيقي أو استقرار في ليبيا. ويبقى مطلب الدستور أولا هو الأقوى والذي تدعمه وتطالب به الغالبية من أبناء الشعب الليبي.

عربي21

شاهد أيضاً

ما بين باريس وطرابلس

السنوسي بسيكري ختمت مقال الأسبوع الماضي المعنون “هل نقض المشري اتفاق باريس؟” بالقول إن لقاء …

2 تعليقان

  1. الإستفتاء علي الدستور أولا

  2. أي انتخابات بدون دستور هي تكرار لمسلسل الانقسام والاستقطاب والفرديه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.