الجمعة , 21 سبتمبر 2018
الرئيسية » تحليلات » ليبيا بين ديسمبر وسبتمبر وفبراير

ليبيا بين ديسمبر وسبتمبر وفبراير

إسماعيل القريتلي

(1) ديسمبر

من خلال تتبع المصادر التاريخية التي كتبها ليبيون من برقة أو من طرابلس، أو فزان، بعضهم تولى مسؤوليات في عهد المملكة سواء في العهد الاتحادي، أو بعد إلغائه في عهد عثمان الصيد، أو ممن شارك منهم في النضال ضد الطليان، أو من الباحثين الأجانب العرب والغربيين تجد أن غالبهم (لم أقل كلهم لأني لم أطلع على كل ما كتب عن تاريخ ليبيا الحديث والمعاصر) يعترفون أن نزاعا طويلا احتدم بين الليبيين منذ صدور قرار استقلال ليبيا عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 1949، وكان الخلاف مركزا بين إقليم طرابلس من جهة، وإقليمي برقة وفزان من جهة ثانية، وموضوع الخلاف النظام الاتحادي الذي تشترطه برقة وفزان وترفضه طرابلس، والملكية التي لم تكن مرغوبة لدى عديد الأحزاب والأعيان الطرابلسية.

هنا تبرز روايات بين الليبيين عن دوافع ذلك الخلاف بين البرقاويين والطرابلسيين، غير أن رأيا غير ليبي قاله الدكتور مجيد خدوري بأن الليبيين، خاصة في برقة وطرابلس لم يلتئموا في دولة بالمعنى الحديث المتبادر لمفهوم الدولة، وفي رأيي الشخصي أن الليبيين لم يؤسسوا تاريخيا مجتمعا لأسباب موضوعية تتعلق بالجغرافيا التي شكلت حاجزا طبيعيا بين الليبيين شرقا وغربا وجنوبا، حتى وإن ضُمت أجزاء من ليبيا المعاصرة إلى تبعيات خارجية منذ الإغريق وحتى العثمانيين فلم يكن مهما أو ربما غير مقصود عمليا من تلك الإمبراطوريات أن تصنع لليبيين مجتمعا وكيانا سياسيا متكامل الأركان. وهنا قد أكون أجبت من وجهة نظري عن تساؤل يردده عديد الليبيين بقصد الاستنكار والتوكيد يتعلق بالتبعيات التي تأسست في بعض أرض ليبيا الحالية لقوى خارجية، باحتساب تلك التبعيات خلقت وطنا ومجتمعا ودولة.

كان قرار الاستقلال الأممي قد اشترط لنيل الليبيين استقلالهم أن يتفقوا على أمور عدة منها: دستور يحدد نظام الحكم وشكل الدولة، ثم اختيار حكومة تمهد لإجراء انتخابات وفق قانون انتخابات تضعه الجمعية الوطنية المعينة. وبعد مجادلات طويلة وافق ممثلوا لجنة الواحد والعشرين على تعيين جمعية وطنية تمثل الأقاليم الثلاثة بالتساوي، ثم وضعت الجمعية الوطنية (التأسيسية) دستورا حدد النظام الاتحادي شكلا للدولة، والملكية نظاما للحكم، وحمى الدستور النظام الاتحادي من التغيير السهل بعديد المواد.

لم يدم الاتفاق طويلا، فبعيد إعلان استقلال ليبيا الرسمي في ديسمبر 1951، وبدء حكومة محمود المنتصر الإعداد للانتخابات، تحرك زعماء إقليم طرابلس يقودهم حزب المؤتمر في بناء حملتهم الانتخابية على رفض النظام الاتحادي، وقاد الحزب مع حلفائه حملة كبيرة انتقد فيها النظام الاتحادي، إضافة لهجومه على الدستور بحجة أنه وضع من جهة معينة ليست منتخبة، ورغم خسارة حزب المؤتمر الكبيرة في أرياف إقليم طرابلس إلا أن انتقاد أعيان الإقليم للنظام الاتحادي لم يتوقف، للحد الذي أرسل زعماؤهم في فترة سبقت الانتخابات مراسلات إلى الأمم المتحدة تطعن في الدستور من جهة صدوره من الجمعية الوطنية المعينة.

أيضا، من المهم الاطلاع على التغييرات التي شهدتها مصر بعد اعتلاء عبدالناصر سدة الحكم على أنقاض النظام الملكي هناك في يوليو 1952، وما صحبه من ارتفاع وتيرة الخطاب العروبي القومي بواجهاته الناصرية والبعثية، وتأثير ذلك على الأوضاع في كل المنطقة ومنها ليبيا، فضلا عن موقف أمين جامعة الدول العربية عبدالرحمن عزام المناوئ للنظام الاتحادي والملكي في ليبيا إلى جانب علاقاته الوطيدة مع زعماء إقليم طرابلس ومثقفيهم في الداخل والمهجر.

تمكن رئيس الحكومة عثمان الصيد نهاية 1962 بمشاركة المستشار القانوني للملك ورئيس ديوانه من إتمام التعديلات الدستورية التي مهدت لإلغاء النظام الاتحادي في 25 أبريل 1963، بخطة وصفها في مذكراته بالسرية، وكذلك أنها لم تلتزم بالإجراءات القانونية المنصوص عليها عند إرادة تعديل أو تنقيح الدستور، وكيف أنه مهد لزعماء وأعيان برقة وفزان بإشاعته أن التعديلات جاءت بقرار من الملك وليست منه، قطعا للطريق أمام المعترضين من برقة وفزان.

بقراءة ما كتبه الصيد في مذكراته، وكذلك ما كتبه بن حليم وخدوري وغيرهم يظهر بوضوح حجم الرفض المتزايد للنظام الاتحادي الذي أبداه بشكل عملي الطرابلسيون، وزاد الأمر بعد اكتشاف النفط بكميات اقتصادية، وما تضمنه قانون النفط من امتيازات للأقاليم التي يستخرج من باطن أرضها النفط، إضافة لرغبة الشركات الغربية خاصة الأمريكية التعامل مع حكومة مركزية واحدة.

وعند هذه اللحظة كانت الظروف الإقليمية والدولية فضلا عن الصراع الداخلي يصب جميعها في صالح المطالبين بإلغاء النظام الاتحادي، بل على المستوى الإقليمي كان التحول نحو الأنظمة الجمهورية بقيادة عسكريين هو الاتجاه الذي بدأ يسود في المنطقة، أضف إليها أزمة وراثة الملك بسبب عدم وجود ابن يرثه وبعض الخلافات داخل العائلة المالكة، وكلها عوامل في تقديري دعمت الطرابلسيون لإلغاء النظام الاتحادي، ثم بعد ذلك بسنوات معدودة تمكن بعض الضباط من الانقلاب على الملكية وبزوغ فجر سبتمبر.

يتبع…

شاهد أيضاً

معارك جنوب طرابلس في الميزان

السنوسي بسيكري/ كاتب ليبي   بالنظر إلى المعارك التي اندلعت منذ بضعة أيام جنوب طرابلس، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.